مؤسسة المنصور الثقافيةللحوار بين الحضاراتللحوار بين الحضاراتللحوار بين الحضارات

 

البدايةالبدايةالبدايةالبدايةالبدايةمؤلفات

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

تعزيز الحوار بين الإسلام والغرب (1)

- المقدمة

مهما اختلفت التعاريف, وتباينت الآراء في فصل ماهو ثقافي عن ما هو حضاري عند تناول العلاقة مع الغرب.. فإن حقيقة تهيمن على قضية الارتباط بالآخر وذلك أن مفهوم التفوق العلمي وما قاد إليه من سيطرة عسكرية أفرز نتاجا من التسلط الثقافي, معه يبدو المشهد العالمي في ارتباك فكري, مجسدا لهيمنة تفرض شروط مرحلة لابد من التعامل معها, برغم ما يرتبط بها من متغيرات صعبة.

وتواجه الأمة الإسلامية اليوم مشكلة اختيار منهج ملائم للتعامل مع الآخر, وذلك باعتبارات العلاقة الإنسانية من جانب, وما تتعرض له الأمة من تدخل غربي من جانب آخر .

وإذا كان هذا المقال يتجاوز الخوض في ضرورات التفاعل والتعامل مع الغرب, على أهمية إدراكها, فإنه يبحث في جدوى الوقوف على الآلية المطلوبة لتحقيق الهدف الاتصالي نحو تعزيز الحوار, وتطبيق منطق التعارف والدعوة والانفتاح, في سبيل توفير مناخ من الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

إن توفير أسس التفاهم بين المجتمعات وفق منطق فكري وإدراك علمي, يستلزم مواجهة ما تتعرض له الأمة من حملات معلنة وغير معلنة, تستهدف إيجاد ترتيب عالمي جديد .. الأمة الإسلامية  فيه غريبة الوجه واليد واللسان .

ونحو توثيق إطار فاعل للتدخل تحتاج الأمة الإسلامية  إلى تطبيق المفهوم الاتصالي لهدف إيصالي, حيث أن ما يصادف العالم اليوم من تقدم تكنولوجي هائل في مجال الاتصال بعيد عما تستغله الأمة من إمكانات نحو إيصال مضامين الفكر الإسلامي الرشيد بصورته الحقيقية إلى الغرب .

ومع ما تتبناه الحداثة اليوم في الفكر العربي المعاصر فإن استلهاما مبنيا على الأسس العلمية مطلوب لتحقيق غايات التواصل وفق رؤية إسلامية تخطط للمستقبل بقدر ما تستوعب الماضي وتجيد التعامل مع متغيرات الحاضر

إن الإسلام في تصور العلاقة مع الآخر يرجح الجانب الفعلي في العمل حيث أن مضامين الكلام في التصور الإسلامي ذات دور وظيفي يؤدي مفاد التعريف بأن الكلام : "هو ما يفيد معنى ما" (1) .

ولقد أخفقت الأمة في القول والفعل بما يجسداه من مفهوم العمل في إيجاد صيغة اتصالية ملائمة للحوار مع الآخر.

إن مقاصد العلاقة الإنسانية بما يحكمها من قوانين الطبيعة تمثل قواسم مشنركة بين المجتمعات, ولابد من إيجاد آلية مناسبة لتكون الأساس لرسم العلاقة مع الآخر في سبيل تعزيز الحوار بين الإسلام والغرب .

مرتكزات العلاقة مع الآخر

إن ما تستند إليه الذات الإسلامية  من تعاليم الشريعة  استدلالا بقوله تعالى : (ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)  يقر مبدأ التنوع والوحدة في آن كما أورد الأستاذ الدكتور عبدالملك منصور- رئيس مؤسسة المنصور الثقافية  في بحثه الموسوم ( التصور الإسلامي للعلاقة مع الآخر) , وهو تنوع بشري وثقافي وديني, بل ويسن الحق في التنوع والاختلاف كمبدأ عام, وهو إلى جانب ذلك يؤكد وحدة الأصل والبنية والمهمة والبيئة والمصير, مما يعمق الوعي العام نحو تقريب الرؤى ونبذ أسباب الفرقة (2) .

غير أن شروط التعامل مع الآخر اصطدمت دوما بمعيار التفوق, وبأفكار مسبقة التقدير عن الآخر الذي يظل مجهولا أو بحاجة إلى إعادة اكتشاف .

ومنذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى اليوم ظل الشرق محكوما بأفكار مؤسسات غربية مارست التسلط الثقافي كما يقول غرامشي (3), فالغرب الصناعي بتفوق موقعه واقتصاده أفرز افكارا عن الشرق حاصرت محاولات الحوار المبني على احترام الآخر وخصوصيته وجسد ملهاة حداثية تتخذ من التفوق أسلوبا في التعامل مع الشرق, ونمطا سائدا يورث للأجيال .

وجاء التوريث بعد الحرب العالمية الثانية من الغرب الأوروبي إلى الغرب الأمريكي توريثا في المعتقد والنظرة والمقارنة فيما يخص الشرق, وتمادى الأمر إلى أن يكون توريثا في مفهوم إعادة الاكتشاف لهذه البقعة من الأرض تجاهلا لما اكتسبته من عوامل التاريخ في القرون السابقة .

إن لكل عملية اتصالية جانبين .. مرسل ومستقبل وبينهما وسط ناقل قادر على إيصال الرسالة, فإذا كان ما بمقدور الذات الإسلامية  منحصر في التعامل مع المرسل والوسط فإن إقناع المستقبل بالتقاط ما لدى الآخر من رسائل أمر خارج  عن صلاحيتها, فضلا عن أن الدور الممارس في نطاق الإرسال وإعداد الرسالة يحتاج إلى إعادة تقويم .

وبرغم من أن شعور المجتمعات الإسلامية  بالضعف والتمييز ضدها ولد حالة من المقاومة للواقع الراهن, إلا أن هذه المقاومة انحصرت في نماذج فردية وفي أفضل الأحوال .. أطر مذهبية, ولم تتمكن من تحقيق إجماع ثقافي يرسخ لمنهج التعامل مع الغرب

المعرفة والعلاقة مع الآخر

 (الروح القلقة الطموحة للأوروبين .. نافذي الصبر لاستخدام الأدوات الجديدة لقوتهم) (4) .

تمثل هذه العبارة مقدمة تاريخية وضعها جان بابتسيت وجوزيف فوريه في مطلع القرن التاسع عشر, وكأننا اليوم بعد مرور مئتي عام نقرأ هذه العبارة مع زائر جديد بامتداده الامبراطوري يعيد اكتشاف مشرق معروف بالنسبة إليه, وكأنما يعاد اكتشافه من جديد .

إن تمييز المعرفة في الميادين السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية أمر لا يمكن أن تقوم به مجتمعات غريبة عن البيئة المطلوب التعرف إليها. وواقع المجتمع الإسلامي بتاريخه وجغرافيته الراهنة لا يجدر أن يكون مجالا مكشوفا لمصالح الآخرالاقتصادية, أو ساحة لتحقيق انتصاراته السياسية, مما ينتهك حرمة مجتمعاته, ويولد الصراع بين أفراده, ويسبب المجازر الدموية على ترابه .

والمعرفة بأبعادها المختلفة تحتاج إلى ناقل أمين يحكم إيصال مفاهيمها وأخلاقياتها إلى الآخر, ويبين الدلالات الإنسانية لحقائق المجتمع, ويحترم تقاليده وضوابطه وبيئته . ولاشك أن غياب آلية للحوار غيبت المعرفة الصحيحة بالجانب الحضاري للمجتمع الإسلامي بماضيه وحاضره, وأعاقت المصالحة مع مستقبل العلاقة معه, العلاقة المستندة إلى الحوار واستبدلت ذلك بمنطق الاحتواء والإملاء مما عمق الفجوة بين الإسلام والغرب وساعد على تطرف مزدوج معه أصبح اللقاء أكثر صعوبة . وفي غياب التأثير السياسي للفكر الإسلامي على اتخاذ القرار هيمنت على المجتمعات الإسلامية  حالة من النكوص والتراجع غيبت المرجعيات, وشرذمت المجتمعات, وساعدت على استبداد الامبراطورية الغربية بطاقتها العسكرية, التي تسعى إلى إبادة طاقات المجتمع الإسلامي وإمكاناته الثقافية وبالتالي قدرته على الإنتاج الحضاري .

إن الإسهام المعرفي الذي نجده في البلاد الإسلامية اليوم هو لا شك حافز سردي, نحو تراتبية فكرية تساند المجتمعات ثقافيا, ولكنها لا تستطيع أن تنجدها سياسيا بدون تحقيق قدر كاف من العلائقية المحلية بين السلطة ورجال الفكر, مما يوحد منطق الحوار في الداخل قبل التوجه نحو المجتمعات الغربية .

ولابد أن يتولد لدى السلطة الحاكمة في المجتمعات الإسلامية اهتمام جلي بتحقيق العدالة في الداخل ومن ثمة الالتزام بالمعيار الإسلامي في تقرير موجهات العلاقة مع الآخر .

الصفحة التالية

 
  عربي  
  English  
  Français  
   
   
     
  المؤسس  
  المؤسسة  
  أصدآء  
  الإتصال بنا  
   
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
 

مؤسسة المنصور الثقافية للحوار بين الحضارات 2004

جميع الحقوق محفوظة