المحاضرات
المؤلفات

 

الحوار مع الآخر: تذليل العوائق و التحديات حالة العرب و المسلمين

    إضغط هنا لرؤية صور ذات علاقة

تمهيد: الحوار سنه الهية و فطرة بشرية

لقد خلق الله الانسان مهيئا للحوار و قادرا عليه اذ علمه الكلام الذي لا يتم حوار لفظي بدونه، و جعل له الحواس التي تمكنه من التواصل مع من يحاوره، ووهبه العقل الذي هو اساس الحوار و معتمده، و ميزه بحرية الحوار ليحاور، من شاء بما يشاء، او لا يحاور؛ وحبب اليه الحوار بان جعله وسيلة لتحقيق اهدافه بتكلفة اقل من نقيضه الصراع و الاقتتال الذي كرهه اليه {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ... }البقرة216،  ثم - من خلال رسالاته- أرشده ووجهه الى نهج الحوار و بيّن له احكامه و بعض اسسه ومقوماته و آدابه و فضله او جدواه.

و اقترن مجيء الانسان الى هذا الوجود بسلسلة من الحوارات تتيح القول بان مجيئه كان محفوفا ببيئة حوارية. فقبيل خلق الإنسان كان الحوار الالهي مع الملائكة بخصوص استخلاف الإنسان، وبعيد خلق الانسان امتد و اتسع الحوار الالهي- و ما زال موضوعه الانسان- ليشمل الانسان نفسه و ، في نفس الوقت، عدو الله وعدو الانسان: ابليس. بل يبدو ان ذلك الحوار الالهي مع الملائكة والانسان و ابليس  اقترن بحوار الهي اخر مع الكون كله، بما فيه الجمادات من مثل الارض والسماء و الجبال كما توحي بذلك بعض الايات من مثل {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }الأحزاب72 {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }فصلت11. ثم كان حوار ابليس والانسان و الذي نسي خلاله الانسان وصايا الله له بشأن ابليس فدفع ثمن ذلك النسيان، و اعقب ذلك حوار العتاب الذي جرى بين الله و الانسان و الذي انتهى- في ما يشكل درسا عظيما في المسألة الحوارية- بتبادل الطرفين التوبة حيث تاب الانسان فتاب عليه الله بل وتفضل عليه بان قضى  بان يتواصل حواره مع الانسان عبر رسله و كتبه{قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }البقرة38

وسواء اعتبرنا ذلك الحوار الالهي مع الانسان، عند مجيء هذا الاخير الى الوجود لاول مرة، حوارا جرى في الماضي مع أبينا آدم أو  اعتبرناه  حوارا رمزيا يتكرر مع مجيء او قدوم كل فرد من البشر الى هذا الوجود  فان في القرآن ما يوحي بان كل فرد في هذا القاعة، بل كل انسان، قد حظي بشرف الحوار الالهي معه ربما فردا فردا {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ }الأعراف172

و كما توحي الاية  الاخيرة، و تصرح آيات اخرى كثيرة، ليس الحوار، من منظور الاسلام، ظاهرة دنيوية فقط بل انه يتواصل و يمتد الى الحياة الاخرى و التي ستشهد حوارات، ربما مباشرة، بين الله و الانسان و،   لاول مرة، بين الانسان و اعضائه، و بين الانسان و الانسان،  و بين اصحاب الجنة واصحاب النار و... الخ.  و قد نقل الينا الوحي مشاهد معبرة من بعض تلك الحوارات المستقبلية.

و لعل في مجمل الايجاز الآنف ما يشير الى ان الحوار- اولا-  سنة الهية ماضية تقوم عليها علاقة الله مع خلقه كلهم سواء من والاه او عاداه اشد ما يكون الولاء و العداء، و من اطاعه او عصاه، و من شكره او جحده  و- ثانيا- فطرة فطر الله عليها الانسان فهو يثوب اليه، متى ما سلمت فطرته و سلم هو من ان تجتاله شياطين الصدام و الصراع، دون عناء كبير. و لا يقدح في ان الانسان حواري بالفطرة كونه قد، ولو كثيرا، يعدل عنه الى الصراع و الاقتتال اذ انه  قد يعدل كثيرا ايضا عن- مثلا-  الاسلام الى الكفر دون ان يعني ذلك ان الاسلام ليس فطرة و هو قد يعدل كذلك عن أي من غرائزه المعروفة دون ان يشكك ذلك في غريزية ما عدل عنها.

بيد انه و ان كان الحوار سنة إلهية و فطرة بشرية و توجيها الهيا، فان الواقع هو ان الانسان، عوضا عن ان يقتدي بسنة الله و يتبع فطرته و يلتزم بتوجيه الله له، كثيرا ما عدل و يعدل عن الحوار بان تارة ينحرف عنه الى الصدام والصراع العنيف و الاقتتال، و تارة يقعد عنه او يرفضه لمانع او آخر، و تارة اخرى ينحرف بالحوار عن مقاصده السليمة و المشروعة و يوظفه لاغراض غير سليمة مثل التآمر و العدوان على الآخر و التناجي بالإثم و عصيان الله.

وقد جاء اختلال الحوار البشري  اختلالا شاملا حيث شمل هذا الاختلال حوار الانسان  مع النفس/ الذات و حواره مع الله و حواره مع اخيه الانسان  كما شمل مختلف جوانب الحوار و مجالاته بما فيها المجال الاجتماعي و الديني و السياسي. و شكل و يشكل هذا الاختلال، وان بدرجات مختلفة، سمة عامة لتفاعلات وعلاقات مختلف المجموعات و الجماعات و الاجيال البشرية عبر التاريخ البشري و الى يومنا هذا.

قضايا الحوار مع الاخر: تذليل العوائق و التحديات

  يثير الحوار مع الآخر قضايا او مسائل عدة بعضها عامة و مشتركة و لا تختلف كثيرا من  مكان او زمان الى اخر بينما بعضها، و لعلها البعض الاقل، تختلف مع اختلاف الناس و ازمانهم و ثقافاتهم ومراحل تطورهم. و الذي يستقرئ مسار الحوار مع الاخر عبر التاريخ البشري يلاحظ انه و بفضل عوامل عدة  لعل اهمها الرسالات السماوية، و جهود الرسل و اتباعهم الرساليين، و تقدم الوعي البشري عموما، و ازدياد فعالية الشعوب في تقرير الامور العامة، اصبح البشر اليوم عموما ليس فقط اكثر وعيا باهمية الحوار و انما ايضا اكثر تمسكا و التزاما به في التفاعل مع الاخر و حل الخلافات و النزاعات معه و اكثر وعيا بالتكلفة العالية  والعواقب الوخيمة للصدام والصراع - خاصة مع التطور المرعب في اسلحة الصراع و الاقتتال - و ، بالتالي، اكثر نفورا منه. و من مظاهر تنامي الوعي باهمية الحوار و التمسك به و رفض الصدام و النفور منه التكاثر الملحوظ للجهات و المنظمات و المؤسسات المحلية والدولية التي تتبنى الحوار دعوة اليه و- وان باقدار مختلفة من الالتزام و النجاح- ممارسة له، و توالي النشاطات والفعاليات التي تدعم الحوار و التي يمثل هذا المؤتمر الذي تنظمه مشكورة جامعة الشارقة احد حلقاتها المتميزة.  ومن المظاهر ايضا  تكاثر الجهات و المؤسسات المناهضة لنهج الصدام و الاقتتال ليس في المجال السياسي و انما في المجال الاجتماعي ايضا( منظمات مناهضة العنف الاسري و العنف ضد الاقليات مثلا)،  و التزايد الملحوظ في المشاركة الفعالة للشعوب في مناهضة التوجهات و الاعمال الصدامية لبعض الحكومات على نحو غير مسبوق في التاريخ (  قارن ، مثلا، مواقف الشعوب من الحرب على العراق، كما تعبر عنها التظاهرات والاحتجاجات الجماعية و الفردية المعارضة للحرب و نتائج الاستفتاءات ذات الصلة، بمواقف الشعوب قديما من الحروب ).

و الجدير بالملاحظة هنا هو ان مجمل التطورات  و المستجدات المشار اليها قد احدث تغيرا ينبغي الانتباه اليه في الاهمية النسبية للقضايا والمسائل المتصلة بالحوار مع الاخر. و من ذلك، مثلا، انه و إن كان الحديث عن قضايا من مثل اهمية الحوار و مفهومه قضايا مهمة و من المفيد استمرار الحديث عنها الا ان ما تحقق سلفا من تطور ملحوظ في الوعي باهمية الحوار و التمسك به يجعل القضية الأوْْلى بالتركيز عليها  في المرحلة الحالية هي ترجمة هذا الوعي القائم، على نطاق واسع، باهمية ولزوم انتهاج الحوار مع الاخر الى ممارسة واقعية  تثمر امثلة عملية ناجحة تقدم  برهانا عمليا على فعالية نهج الحوار مع الاخر على مستوى الواقع، وليس على المستوى النظري فقط، في حل الخلافات و النزاعات و تبرز ميزته و افضليته العملية على نهج الصدام و القوة المادية في هذا المجال. ومن هنا تبرز الاهمية المرحلية القصوى لقضية تذليل العوامل التي تعوق او تحد من الممارسة العملية الناجحة لنهج الحوار لأن مع الفشل في تذليلها يمكن لتلك العوامل ان تحول دون النجاح الفعلي لنهج الحوار على ارض الواقع؛ وهو – أي عدم النجاح- ما لا شك سيعطي للبعض المتشكك او المشكك في الفعالية الواقعية لنهج الحوار مزيدا من المبررات و الادلة لما يذهبون اليه من ان الحوار مع الاخر وان كان نهجا مقبولا بل مفضلا الا انه نهج مثالي لا يجدي في واقع  اليوم الذي تقوم فيه العلاقات و التفاعلات مع الاخر اساسا على القوة المادية/ العسكرية و لا يجدي فيه مع الاعداء سوى الصدام و القتال. و لا يخفى ان فشل نهج الحوار على مستوى الممارسة و الواقع يمكن ان ينعكس سلبا على ما تحقق من تنام في الوعي باهمية الحوار و التمسك به  و يؤدي الى تثبيط دعاة الحوار على نحو ليس من المستبعد ان يتسبب في انتكاسة البعض منهم الى التشبث بنهج الصدام و الصراع. ولذلك نحسب ان من المهم الان بالنسبة لمؤسسات و جهات دعم نهج الحوار مع الاخر نقل بؤرة تركيزها  من عموميات المفاهيم و الاهمية الى خصوصيات الممارسة الناجحة الكفيلة باثبات الفعالية الواقعية لنهج الحوار و ابراز دوره كبديل عملي فعال، و ليس حلما طوباويا، للصدام والاقتتال في معالجة الخلافات و النزاعات. و لن يتحقق ذلك الا بنقل مركز الاهتمام الى  قضايا الحوار مع الاخر الاكثر صلة بتفعيل ممارسة نهج الحوار على ارض الواقع و خاصة قضية تذليل العوائق و التحديات العملية للحوار مع الاخر.

ويتمثل الاساس المنطقي للحديث عن عوائق و تحديات  ممارسة نهج الحوار في ان كون الحوار، كما سبق القول، سنة الهية و فطرة بشرية و توجيه الهي يرجح القول انه لا بد ان عدول الانسان عن الحوار الى الصدام و الصراع عبر التاريخ كان بسبب عوامل دفعت هذا الانسان الى العدول عن الحوار الى الصدام رغم ما في هذا العدول من مخالفة للسنة الالهية و التوجيه الإلهي و مناقضة لفطرته الحوارية. و تتمثل هذه العوامل في مجموعة من العوائق والتحديات التي تحد من انتهاج مختلف المجموعات و الجماعات البشرية و افرادها  و مؤسساتها نهج الحوار مع الاخر.

و من الواضح ان معالجة و تذليل عوائق و تحديات الحوار مع الاخر  يستلزم بدءا التحديد العلمي الدقيق، وبناء على دراسات ميدانية متخصصة، لتلك العوائق والتحديات وترتيبها من حيث الاهمية و تحديد طرق و آليات عملها. و حيث ان ذلك لا يمكن ان يتم على النحو الامثل الا من خلال جهود علمية جماعية منظمة لا يمكن لهذه الورقة- رغم دعوتها للانتقال من العموميات الى الخصوصيات و من الاشكالات النظرية الى المشكلات العملية - عمليا ان تطمح الى اعطاء اكثر من فكرة عامة عن تلك العوائق والتحديات تمهيدا لاعطاء فكرة اولية عامة عن تذليلها و معالجتها.

و تختلف عوائق و تحديات الحوار مع الاخر مع اختلاف طرفي او اطراف الحوار و بيئة الحوار بل و مجاله او موضوعه. بيد انه و نظرا للقواسم المشتركة بين اطراف الحوار و القواسم المشتركة للبيئة و تماثل السلوك البشري عموما و تشابه او تكرار ذات المجالات و المواضيع فان الاختلاف في عوائق و تحديات الحوار مع الاخر من مجموعة حضارية/ ثقافية الى اخرى ليس اختلافا كبيرا او حادا. و يفيد الاستقراء ان عوائق و تحديات الحوار مع الاخر تنطوي، وخاصة في عناوينها العامة، على تماثل كبير و ان الاختلافات تكاد تنحصر في  تفاصيلها.

و مع الاخذ في الاعتبار ما يعنيه ذلك من تماثل/ اختلاف عوائق و تحديات الحوار مع الاخر من مجموعة بشرية الى اخرى، يقتصر الاستعراض الوجيز التالي  للخطوط العريضة لعوائق و تحديات الحوار مع الاخر على العوائق و التحديات التي تواجه بشكل خاص حوار العرب/ المسلمين مع الاخر.

 

حوار العرب/ المسلمين مع الآخر: عوائق و تحديات

لغة، يتسع مدلول لفظ الآخر ليشمل كل ما هو غير الذات و بالتالي فان الاخر في الحوار الذي يكون احد طرفيه بشر يمكن ان يكون طرفا/ اخرا غير بشري، كالله جل جلاله او بعض خلقه من غير البشر مثل ابليس، او طرفا/ اخرا بشريا. بيد ان الحديث هنا سيتركز على  عوائق و تحديات حوار العرب/المسلمين مع الاخر البشري و يشمل حوار العرب/ المسلمين مع  الاخر الداخلي/ القريب، أي حوار العرب و المسلمين مع بعضهم البعض، و حوارهم مع الاخر الخارجي/ البعيد أي حوار العرب و المسلمين مع غير العرب و المسلمين. 

   و لغرض تسهيل العرض فقط ، ودون ان يعني ذلك التقليل من التداخل و التشابك بينها، يمكن تقسيم هذه العوائق والتحديات الى:

-          عوائق وتحديات الوضع العام او البيئة 

-          عوائق و تحديات ثقافية

-          عوائق وتحديات نفسية و اجتماعية

عوائق و تحديات الوضع العام:

            تتمثل عوائق و تحديات الوضع العام/ البيئة  اساسا في- اولا- ما يتسم به الوضع العربي الاسلامي من تخلف عام  و – ثانيا- قيام عموم العلاقات المحلية(في المجتمع العربي الاسلامي) و الدولية اساسا على القوة المادية/ العسكرية.

التخلف العام:

ان مصدر تأثير التخلف العام على الحوار هو  ان التخلف و التقدم ظاهرتان مجتمعيتان او شموليتان أي يتأثر بهما، وان بدرجات مختلفة، سائر نواحي المجتمع. ولذلك فان تخلف المجتمع العربي الاسلامي لا يقتصر على جانب دون آخر و لم يسلم منه سلوكه الحواري او ثقافته الحوارية او حتى لغته الحوارية. و من اوجه تأثير التخلف على الحوار:

1- التخلف يرتبط عموما بزيادة نزوع افراد و جماعات المجتمع المتخلف الى التفاعل الصراعي اكثر من اهتدائهم الى التفاعل الحواري. و يدعًم هذا القول الاستقراء المقارن لسلوكيات المجتمعات في عصر ما  و الاستقراء المقارن لسلوكيات مجتمع معين عبر مختلف مراحله التاريخية.

2- التخلف يقلل من قدرة المتخلف - مجتمعا او دولة او جماعة او فردا كان- على المبادرة في أي مجال كان، بما في ذلك مجال الحوار. و لأن المتخلف يكون متخلفا ايضا في إدراك اهمية الحوار و أفضليته و المبادرة اليه و كيفية ادارته، بل انه كثيرا ما يتصور الحوار ضعفا، فان المتخلف عادة ما يتخلف في اللجوء الى الحوار عن المتقدم  وغالبا ما لا  يلجأ للحوار الا كرد فعل لفعل او مبادرة من المتقدم. و هكذا فان التخلف يؤدي الى ان يكون تفاعل/ حوار المتخلف مع الاكثر تقدما غالبا تفاعلا او حوارا ارتداديا. و يمكن بهذا الصدد ملاحظة ان سائر ما تم من حوارات بين العرب/ المسلمين من جهة و الغرب من جهة اخرى في التاريخ المعاصر، بدءا بالحوارات السياسية و انتهاء بالحوارات الدينية، جاءت بمبادرة من الغرب.  و الحوار الارتدادي( اللجوء للحوار كرد فعل) ليس اكثر من حوار عابر لا ينم عن تجذر او اصالة الحوار في سلوك صاحبه والذي غالبا ما  يقعد به التردد و تستبد به الهواجس حول الاهداف الخفية لمبادرة الآخر للحوار معه. و لذلك فان الحوار الارتدادي  يكون عادة اقل من حوار المبادرة  كفاءة وعائدا. و كلما قل عائده من الحوار قلت رغبة المتخلف في الحوار و نزع ، كلما أمكنه، الى محاولة وسيلة اخرى غير الحوار.            

3- من شأن التخلف ان يضعف دور الشعب في ادارة او تقرير الشأن العام و مراقبة القائمين عليه و محاسبتهم، و كلما ضعف دور الشعب و فعاليته لا تجد  حكومته دافعا لها للحوار معه او تنظيماته في مسائل النزاع و الخلاف و جنحت الى حسم تلك المسائل عن طريق القوة لانها- او هكذا يبدو لها- أضمن،على الاقل على المدى القريب، للاستمرار في  الانفراد بالسلطة وريعها او مغانمها. و الحكومات التي لا تنتهج نهج الحوار في ادارة شؤونها او علاقاتها الداخلية تكون عادة اقل انتهاجا للحوار في ادارة شؤونها و علاقاتها الخارجية و تكون اكثر تعرضا للاستجابة لإغراء محاولة حسم نزاعاتها الدولية ايضا بـغير و سيلة الحوار و- متى ما توفرت لها- القوة خاصة و انها تستبعد او لا تعطي اعتبارا كبيرا لاحتمال محاسبة شعوبها لها.

قيام  العلاقات على القوة:

من الملامح الظاهرة للمجتمع العربي الاسلامي قيام علاقاته و تفاعلاته اساسا على القوة المادية ليس فقط على المستوى السياسي و انما ايضا على المستوى الاجتماعي. و من مظاهر تغلغل القوة المادية في بنية العلاقات السياسية في المجتمع العربي الاسلامي  التكرار الملحوظ للتفاعل الصدامي و احيانا الدموي بين الانظمة و المعارضة او بعض فئاتها في كثير من دوله، ووصول بعض انظمته الحالية الى السلطة، وخاصة لاول مرة، عن طريق القوة المسلحة و لجوء المعارضة ايضا في بعض الحالات الى القوة المسلحة. و  من تمظهرات القوة المادية في البنية الاجتماعية الاستخدام المتكرر للقوة المادية/البدنية في  معالجة النزاعات الفردية و القبلية و الحضور الفاعل للقوة البدنية في تحديد انماط العلاقات و التفاعلات  في بعض المؤسسات الاجتماعية  كالاسرة كما يعكس ذلك- مثلا- انتشار العنف الاسري. و من شأن كون القوة المادية تشكل ملمحا عاما بارزا في علاقات و تفاعلات المجتمع العربي/ الاسلامي ان يضخم  لدى افراد و جماعات هذا المجتمع  اهمية امتلاك القوة المادية/ المسلحة كما ظهر ذلك جليا من - مثلا- الميل الشائع لامتلاك الاسلحة الشخصية و- الى حد ما- تفضيل الذكور على الاناث  كما ان من شأنه تكريس النزوع  الى  محاولة معالجة النزاعات و الخلافات باستخدام القوة المادية و ليس بالحوار. و من الطبيعي ان تقل في هكذا مجتمع الثقة في فعالية نهج الحوار في معالجة الخلافات و النزاعات.

ولان القوة المادية/ المسلحة ملمح اساسي ايضا في العلاقات و التفاعلات الدولية الراهنة فانها تقلل من سقف توقعات نجاح النهج الحواري في معالجة الخلافات و النزاعات و رفع المظالم او العدوان على المستوى الدولي  و هو ما يكرس النزوع للقوة المادية/ المسلحة في السلوك الدولي كما يعكس ذلك ارتفاع ميزانيات الجيوش/ التسلح مقارنة بالميزانيات الاخرى وغلبة النمط الصراعي على معالجة النزاعات الدولية.

و يشكل ما يتعرض له العالم العربي الاسلامي  من بعض حالات الاحتلال العسكري و التدخلات و الاجتياحات العسكرية و التهديدات العسكرية و العقوبات الدولية الجماعية ، و الازدواجية في مواقف القوى الدولية العظمي من تطبيق قرارات الشرعية الدولية لصالح القوى المعتدية على العالم العربي الاسلامي، كما هو الحال في- مثلا -العدوان الاسرائيلي،  و تعثر ان لم نقل فشل محاولات معالجة نزاعات العالم العربي الاسلامي مع القوى الاخرى عن طريق الحوار وضعا ضاغطا على التفكير العربي الاسلامي نحو الاستياء من أي فعالية محتملة لنهج الحوار في معالجة النزاعات الدولية و رفع مظالم العالم العربي الاسلامي. و يسوء الامر اكثر عندما تتخذ بعض التيارات والانظمة العربية/ الاسلامية من ذلك مبررا لتغييب نهج الحوار عن الساحة او العلاقات الوطنية ايضا.

و بالاضافة الى انه يكرس النزوع الى القوة و، من ثم، الصراع في التفاعلات المحلية و الدولية فان قيام العلاقات على القوة و ما يقترن به عادة من عدم توازن القوى و الانقسام الى قويّ و ضعيف يولد لدى القويّ غطرسة القوة التي تجعله يستنكف عن الحوار مع الضعيف بينما يولد لدى الضعيف التخوف من ان تعكس نتيجة الحوار نفس ميزان القوى الذي يميل لصالح القويّ، و بين غطرسة القويّ و تخوف الضعيف تكون الضحية الاولى هي الحوار.

اذن الوضع العام او البيئة، سواء المحلية و الدولية، عموما له دور كبير في دفع العرب و المسلمين الى تبني النهج الصراعي و يشكل احد العوائق امام انتهاجهم نهج الحوار في علاقاتهم و تفاعلاتهم مع الآخر سواء القريب او البعيد.

العوائق و التحديات الثقافية

            للثقافة دور كبير في توجيه و تشكيل السلوك الفردي و الجماعي عموما. و تشوب الثقافة العربية الاسلامية مضامين سلبية عدة تكرس نزوع العرب و المسلمين الى التفاعل الصراعي و ليس الحواري  مع الاخر، و من تلك الجوانب:

الصورة السلبية للآخر:

تشوب تصور العرب والمسلمين للاخر مضامين تصور الاخر تصور سلبيا لا يشجع على الحوار معه كأن تصوره  عدوا متربصا يلزم التربص به، او كافرا شريرا يتعين جهاده قتالا و اهانته، او،على الاقل، مجهولا يتعين الحذر و التوجس منه و لو بدا ملاكا( جني تعرفه و لا ملاكا لا تعرفه). و صحيح ان التصور السلبي و ما يترتب عليه من الحذر والتوجس من الاخر و سوء الظن به لا يكون بذات القدر مع كل آخر بل يتباين مع تباين عوامل عدة لعل من اهمها الخلفية التاريخية و الخبرة الواقعية. و من الواضح ان توجس العرب/ المسلمين من  ،مثلا، الاخر الغربي  اكبر و اشد من توجسهم من ، مثلا، الاخر الاسيوي او الافريقي ولكن يبقى هناك دائما في الثقافة العربية الاسلامية  قدر من سوء الظن و الحذر والتوجس حتى من الاخر العربي او المسلم بل حتى من الاخر الوطني ليس فقط على المستوى السياسي بل على المستوى الاجتماعي ايضا.  فعلى المستوى السياسي يلاحظ الحضور المؤثر للتوجس و سوء الظن في العلاقات بين بعض الحكومات و بينها و بين  التنظيمات المعارضة بل و المواطنين او الشعب عموما، و مما يعكس ذلك بشكل واضح  تضخم اجهزة الاستخبارات سواء الحكومية او الحزبية و حرص الكثير من الحكام على ابقاء مفاصل السلطة الحساسة في ايدي الاقرباء فقط.  و من مظاهر التوجس و الحذر على المستوى الاجتماعي التردد الشائع من الزواج من الاخر القطري او حتى الاخر القبلي او العائلي احيانا، و شيوع الامثال و الحكايات التي تعبر عن الحذر من الاخر او الغريب بما فيه الاخر او الغريب العربي او المسلم.  و من الطبيعي ان يدفع مثل هذا التوجس او الحذر و سوء الظن العرب و المسلمين الى الشك في سلامة او جدوى الحوار مع الاخر بسبب الشك في اهدافه من الحوار و مقاصده منه. و من الملاحظ  بهذا الصدد اننا لا نكاد نجد حوارا بادر الغرب الى طرحه و لم يساور الكثير من المسلمين الشك في اهداف ذلك الحوار، فالحوار الديني يعتبر في نظرا