النزاع السياسي المسلح في المجتمع
الإسلامي
جريدة الشرق
الأوسط
اتسمت النزاعات العامة بين المسلمين
باللجوء إلى مختلف طرق الحل الودية، مثل المفاوضة والحوار والتحكيم
والوساطة
آمال
موسى
ابتداء، يذكر صاحب الكتاب عبد الملك منصور حسن، عن عنوان كتابه الذي
قد يثير إشكالاً، بأنه قد استوحاه مما درج عليه الفقه الإسلامي من
تناول الموضوع تحت مصطلح البغي، تطلعا منه في تكريس التواصل
والاستمرارية اللغوية بين الخطاب المعاصر والخطاب الفقهي الموروث.
ويدور الموضوع الأساسي لهذا الكتاب حول النزاع السياسي المسلح في
المجتمع الإسلامي وذلك من منظور إسلامي، يعتمد منهجا تأصيليا تراكميا
نقديا، يقوم على مرجعية البيان الشرعي والاستفادة من التجربة
الصحابية والتراث الفقهي.
وفي خصوص تاريخ البغي السياسي، أي النزاع السياسي الداخلي في الفضاء
الإسلامي، يقول اليمني عبد الملك منصور حسن، إن تاريخ البغي بين
أطراف الحكم في المجتمع الإسلامي يعود إلى العصر الأول للإسلام، إذ
أنه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ابتلي المسلمون بحالات بغي
سياسي مسلح، كانت الأسوأ أثرا والأكثر إضرار بمسار حركة الإسلام،
مبينا أنها كلفت المسيرة الإسلامية حياة الكثير من خيرة رجالها
وكوادرها الأوائـل من الصحابة، وهو ما أرسى سابقة سيئة للاقتتال
المسلح بين المسلمين. ويضيف الباحث بأن تلك الحالات قد خلفت أثارا
ثقافية عميقة لم يتخلص المجتمع الإسلامي تماما من مضاعفاتها
وتداعياتها الفقهية والفكرية والعاطفية، ويتمظهر ذلك في الانعكاس
السلبي على مجمل الإسهام الحضاري للمسلمين.
ويسجل الدكتور منصور حسن ملاحظة هامة،هي إن منهج البغي السياسي في
المجتمع الإسلامي، يتصاعد حينا إلى مستوى المواجهة والاقتتال بين
أطرافه ويتراجع أو يهبط حينا آخر إلى مستوى العنف غير المسلح، ولكنه
قلما يهبط إلى ما دون ذلك. ويبين أنه حتى في عصرنا هذا الذي استطاعت
فيه بعض مناطق العالم أن تحد بشكل ملحوظ من البغي السياسي المسلح،
فإن الظاهرة لم يخفت لهيبها، مذكرا القارئ بأن توقيت إعداد دراسة
النزاع السياسي الداخلي المسلح منظور إسلامي، قد تزامن مع حالات صراع
أو بغي داخلي مسلح محوره السلطة في ما يربو على عشر دول إسلامية.
لذلك فإن الباحث ركز اهتمام دراسته المطولة حول محورين كبيرين، الأول
مفهوم البغي، والثاني يتعلق بأحكام البغي السياسي. ففي ما يخص المحور
الأول، يقول المؤلف إن تعريفات الفقهاء للبغي قد تركزت حول البغاة أي
الفاعل، وليس البغي أي الفعل نفسه، مضيفا أن المفهوم الفقهي للبغي،
ارتبط ارتباطا وثيقا بالتصور الفقهي العام للإمامة وخاصة العلاقة
بطرفيها أي الإمام والأمة. ولذلك ليس من العسير ملاحظة أن التعريفات
الفقهية للبغاة تعكس لدرجة كبيرة مضامين التصور الفقهي الموروث
للإمامة، والذي بدوره، تأثر كثيرا بالواقع التاريخي الإسلامي. وحيث
أنه من الملاحظ أن الفقه المعاصر - لشقيه السني والشيعي - بدأ، في ما
يتعلق بالتصور الفقهي للإمامة، يتجه أكثر فأكثر نحو تبني آراء وأفكار
فقهية تجديدية تعكس ما استجد من متغيرات في الواقع المعاصر المادي
والمعرفي، فإنه من الطبيعي أن تمس الحاجة إلى إعادة النظر في التعريف
الفقهي للبغي، بهدف التخلص من عيوب وسلبيات التعريفات الموروثة - وفي
نفس الوقت استيعاب المتغيرات الواقعية والمعرفية وما يرافقها من
التطور الفقهي.
ويرى صاحب كتاب «البغي السياسي» أنه بقدر ما يبدو واضحا أن أسلوب
التعامل المذكور آنفا مع مسألة التعريف الفقهي، سواء على مستوى
التأليف أو التعليم الفقهي، لم يحقق تقدما يذكر في ما يتعلق بضبط
وتحسين التعريفات الفقهية، تتجلى بوضوح أهمية أن يتجه كل من التأليف
والتعليم الفقهي إلى تبني أسلوب آخر يكفل إثارة قدر أعلى من الاهتمام
العلمي الواسع بمسألة التعريف الفقهي. ويضيف الدكتور عبد الملك أن من
شأن تحلي الدراسات الفقهية المعاصرة بما يكفي من الجرأة لأن تعترف،
بل وتعلن صراحة، كلما اقتضى الأمر، محدودية قدرتها التعريفية، وعجزها
عن أن تقدم للرموز الشرعية تعريفات تستوفي المعايير الأساسية للتعريف،
مما يساعد على خلق وعي أعمق، بإشكالية التعريف الفقهي وهو ما يؤمل
فيه أن يساهم في الدفع بحركة الفقه، تعليما وتأليفا، نحو إيلاء مزيد
من الاهتمام لمعالجة موضوع التعريف الفقهي. أما في المحور الثاني من
البحث في أحكام البغي السياسي، فقد توسع في عرض أحكام الحل أو
الإصلاح السلمي لحالات البغي أو النزاع السياسي. فرأى أن الأصل في
الشرع هو وجوب إصلاح أو حل حالات النزاع السياسي أو البغي، سواء كان
من طرف المحكومين (المواطنين) أو الحاكم (الإمام)، حلا سلميا متى ما
كان ذلك ممكنا. وينبني على ذلك أنه، في ما عدا ما هو مقرر شرعا من حق
البغي عليه في الدفاع عن النفس ولو باستخدام القوة، وفقا لأحكام
الصيال أو الدفع في الشرع، لا ينبغي اللجوء إلى محاولة الحسم العسكري
لحالات البغي السياسي، أو البدء بقتال البغاة إلا وفقا لشروط ولا
يشرع الاستمرار في قتال البغاة متى ما فاءوا أو تيسرت فرصة حقيقية
لبدء أو استئناف جهود الحل السلمي.
ويضيف الباحث محددا مظاهر المرونة في حل النزاعات العامة بين
المسلمين، بالإشارة إلى شرعية اللجوء إلى مختلف طرق الحل السلمي
الودية، مثل المفاوضة والحوار والتحكيم والوساطة، لإنهاء حالة البغي
سلما. ويتعين قبول المبغي عليه، ولو كان هو الإمام بالاحتكام إلى
القضاء في حل النزاع إذا ما قبل بذلك أو طلب به البغاة. كما يشرع
الاتفاق مع البغاة على إنهاء البغي أو النزاع السياسي بموجب عقد صلح
يستوفي شطري العدالة والخلو من التحليل والتحريم. لم تقف هذه الدراسة
على أي نص شرعي يحرم قطعا أن يتضمن عقد الصلح مع البغاة تقديم
تنازلات أو قبول مطالب لهم من مثل:
ـ ولاية منصب عام تتوافر في البغاة الشروط الأساسية لولايته. وما لم
تتوافر أدلة كافية لا يتعين أن يستثنى من ذلك أي منصب عام بما فيه
منصب الإمامة.
ـ تعديلات دستورية أو سياسية من مثل تحديد مدة ولاية منصب الإمام،
وتحديد سلطات الإمام التشريعية أو القضائية أو تجريده منها أو إقالته
منصبه، أو جعل منصب الإمام منصبا جماعيا، أو تبني نظام سياسي تعددي
أو....الخ.
ـ تقرير المصير أو الحكم الذاتي لإقليم أو قومية مسلمة أو غير مسلمة.
ويعتقد الدكتور عبد الملك منصور الحسن بأن مهمة الأمة الإسلامية
تتحدد عند حدوث بغي أو نزاع سياسي بوجوب السعي للإصلاح بالعدل بين
طرفيه ويتطلب ذلك تأمين وجود أو قيام طرف مصلح يلتزم الاستقلالية
والحياد وعدم الانحياز التلقائي لأي من طرفي البغي، أو النزاع لو كان
هو الإمام. ويتعين على الطرف المصلح تعيين الطرف الباغي، قبل اللجوء
إلى الإصلاح اللاسلمي (القتال).
وفي خاتمة رصده لمظاهر المرونة وحرص الشرع الإسلامي على الإصلاح
السلمي، استنتج الباحث بأن ترجمة ذلك الحرص وتلك المرونة على أرض
الواقع تتوقف على مدى استعداد المسلمين وقدرتهم على التجاوب الخلاق
مع توجهات الشرع وتوجيهاته في ما يتعلق بالحل السلمي للنزاعات. والذي
يتأمل في كيفية إدارة المسلمين للنزاعات، سواء منها الداخلية أو
الخارجية، يتبين انهم كثيرا ما عجزوا ويعجزون عن الارتفاع إلى مستوى
حرص الشرع على الحل السلمي والاستفادة مما يتيحه الشرع من مرونة
كافية بهذا الخصوص. وقد يكون لهذا العجز أسباب كثيرة إلا أن عبد
الملك منصور يرى أن أهمها هو صعوبة الانعتاق من الطبيعة البشرية التي
تنزع نحو الحسم العسكري للنزاعات، والشح في الصلح، وصدق القائل
سبحانه وتعالى «والصلح، خير وأحضرت الأنفس الشح»، ولعل مما يجدر
التأمل فيه بهذا الخصوص أن الصحابة رحمهم الله لم يؤثر عنهم إبداء أي
نوع من الاعتراض أو التلكؤ شبه الجماعي في التسليم بأي توجه أو فعل
للرسول صلى الله عليه وسلم إلا يوم آثر الصلح على القتال يوم
الحديبية.
لقد قام الدكتور عبد الملك منصور حسن في كتابه «البغي السياسي»
الناظر في النزاع السياسي المسلح في المجتمع الإسلامي، بعملية تأصيل
لظاهرة البغي التي ما تزال تلقي بظلالها في كثير من الدول الإسلامية.
ولعل صاحب الكتاب، باعتباره يمنيا قد عاش الصراع الداخلي الذي حصل في
بلاده، مما يجعله شاهدا وطرفا حتى ولو بدا في ظاهر البحث موضوعيا،
ويتضح ذلك بالخصوص في الشق المخصص لأحكام البغي وشروطه المفتوحة
والقابلة لعدة تأويلات، اعترف بها الباحث نفسه في سياق دراسته. ولكن
السؤال الذي يحملنا إليه البغي السياسي هو إلى أي حد يمكن اعتبار مثل
هذا البغي إفرازا من إفرازات البغي الثقافي المسكوت عنه حينا،
والمهمش حينا آخر ؟
* البغي السياسي
* المؤلف: الدكتور عبد الملك منصور حسن
للإطلاع على المقالة من موقع
الجريدة
http://www.asharqalawsat.com issue 11/4/2004