المحاضرات
المؤلفات

 

الإفتتاحية

 

يتمحور المفهوم العام للحوار حول التبادل السلمي للأفكار والآراء والمعلومات من خلال التفاعل الكلامي و/ أو التفاعل غير الكلامي.

و المعني بالتفاعل غير الكلامي هنا هو التفاعل القائم على تبادل غير ما يُعرف بالرموز اللغوية، كتبادل المنافع. فسواء صحبه ام لم يصحبه تبادل للخطاب (الكلام) يتضمن التفاعل غير الكلامي عادة تبادلا غير مباشر لأفكار أو آراء او معلومات. وعلى سبيل المثال فان المنافع المتبادلة، سواء كانت سلعا او خدمات، تعكس او تنقل عادة شيئا ما عن طبيعة وصفات و احوال مصادرها او اصحابها مما يؤدي الى تكوين او تبادل اطراف التبادل بعض الانطباعات او المعرفة اوالاراء والافكار عن بعضها البعض. وهذا النوع من الحوار القائم على تبادل الاراء والافكار والمعلومات من خلال التفاعل السلمي غير الكلامي يمكن تسميته بـ " الحوار غير الكلامي" .

ويشير التعبير الثاني،أي التفاعل الكلامي، الى التفاعل القائم على تبادل الرموز اللغوية سواء كانت الفاظا او اشارات لغوية وسواء تم التبادل شفاها او كتابة وبطريقة مباشرة او غير مباشرة. و عادة ما يكون القصد من التفاعل الكلامي تبادل الاراء والافكار والمعلومات بشكل اكثر صراحة ووضوحا، ويمكن تمييز الحوار القائم على هذا النوع من التفاعل باسم "الحوار الكلامي" . ويُعرف الحوار الكلامي باسم الكلام او الحديث او القول او... الخ اذا ما تم التبادل بشكل عفوي و- عادة- غير رسمي، ويُعرف باسم الحوار اذا كان التبادل متعمدا ومنظما و، احيانا، رسميا. وهذا المعنى الاخير، اي التبادل السلمي المتعمد والمنظم للاراء والمعلومات من خلال الكلام او،نادرا، من خلال الاشارات اللغوية، هو ما يتبادر الى الذهن عند اطلاق لفظ الحوار. والحوار بهذا المعنى المتبادر يمكن أن يتخذ اسماء واشكالا خاصة مختلفة منها المفاوضات و المناقشات والمناظرات و المحادثات.

وبمفهومه العام الواسع والذي يتمحور حول التبادل السلمي، سواء الكلامي او غير الكلامي، لا يعد الحوار باي حال من الاحوال ظاهرة خاصة او مميزة للانسان فقط ، بل هو سنة كونية وظاهرة يومية يبدو أن من المتعذر تصور امكان انتظام الحياة وربما حتى مجرد استمرار الوجود، على الاقل على ماهو عليه الآن، في غيابها. ويعود ذلك اساسا الى أن لاشيء في هذا الكون يقوم، او مكتف، بذاته. وبينما من المؤكد أن كل المخلوقات في هذا الكون تحتاج الى بعضها البعض لاسبيل لأن تحصل هذه المخلوقات على احتياجاتها، او جزء منها، من بعضها البعض الا عن طريق التبادل الذي هو- طالما جرى سلميا- اساس الحوار و آليته.

وبالاضافة الى كونه، كما تقدم، وسيلة ضرورية، يعد الحوار- كما يتضح اكثر لاحقا- مشيئة الهية كونية، و توجيها الهيا شرعيا، و اختيارا عقلانيا رشيدا، وملمحا بارزا يمتد متناميا عبر التاريخ البشري.

والظاهر انه منذ- ولا أقول في- البدء كان و ما زال الحوار. و تتضافر شواهد عدة لدعم مثل هذا القول.

ومن تلك الشواهد ماهو مشاهد في الطبيعة من أن الله خلق البشر و بعض، وربما كل، مخلوقاته منذ البدء مهيئين للحوار حيث زودهم، وان بدرجات واشكال مختلفة، بالمتطلبات الاولية لعملية الحوار وفي مقدمتها القدرات و الاجهزة العضوية الصوتية و السمعية والذهنية والتي لولاها ربما تعذر الحوار الكلامي.

ومن الشواهد ما ترويه لنا الكتب السماوية عن بعض ما دار من حوار عند بدء الخلق بين الخالق، الله جل شأنه، و بعض مخلوقاته وخاصة، على الاقل في ما يروي القرآن الكريم، السماوات والارض تارة والملائكة والانسان و ابليس تارة اخرى. وكان هذا الحوار الافتتاحي- إن جاز التعبير- حوارا مصيريا تحددت فيه مصائر واوضاع اطرافه من المخلوقات وفقا لاختياراتها لمواقفها من طاعة الله و كيفيتها. ووفقا لما يفهم من روايات هذا الحوار اختار الانسان تحمل الامانة والطاعة الطوعية لله، واختار ابليس العصيان والعداوة لله والانسان، واختارت السماوات والارضين عدم تحمل الامانة والطاعة غير الطوعية لله و قبول سيادة الانسان عليها، ومضت الملائكة في طاعتها الفطرية لله وسارعت الى السجود للانسان طاعة لله وتعبيرا عن استعدادها لخدمة الانسان وفقا لما يامر به الله. وربما كان هذا الحوار المصيري الذي تبادلت فيه المخلوقات الكلمة مع الله وافصحت من خلاله بالكلمة عن اختياراتها المصيرية عند بدء الخلق هوما يشير اليه النص الانجيلي المشهور " في البدء كان الكلمة وكان الكلمة مع الله - (انجيل يوحنا، 3- 1:1)" وإن كان التأويل السائد له لا يدعم مثل هذا القول.

ومما يلفت الانتباه في الحوار المذكور، وخاصة مما يتعلق بمبدئية الحوار، أنّ علم الله المسبق بسلبية استجابة ابليس للحوار لم يمنعه- سبحانه وتعالى- من أن يحاوره ويستمر في الحوار معه، كما أن علمه المسبق بان استجابة الكثير من البشر ايضا للحوار لن تكون ايجابية لم يمنعه من أن يمضي خيار الحوار وان يجعل الحوار، عبر رسله من الملائكة والبشر، هو الاساس و المرتكز الوحيد لعلاقته بالبشر في هذه الحياة سواء منهم من استجاب وقبل رسالاته الحوارية و من ابى وصد تلك الرسالات. ويعطي ما ترويه الكتب السماوية عن ما كان من حوارات بين الله و بعض رسله، كابراهيم الخليل و موسى كليم الله، عليهم السلام، في عصور مختلفة من التاريخ و في مواضيع متعددة، امثلة واضحة عن تواصل الحوار الالهي مع رسله و، من خلالهم، مع البشر عبر التاريخ.

وقد أمر الله من استجاب من البشر لرسالاته الحوارية بان يلتزم في علاقته بمن ابى منهم بالحوار، دعوة و تبليغا ونصحا وتذكيرا وجدالا بالتي هي احسن، وان لا يتعدى حدود الحوار الى الاكراه أو السيطرة. ولا يقتصر الحوار المأمور به شرعا على الحوار مع فئة دون اخرى بل يشمل الحوار مع سائر البشر حتى وان كانوا – مثلا- حكاما طغاة ( فرعون / نمروذ )، او معارضة مسلحة ( قريش)، او جماعة دينية متعصبة ( بعض اهل الكتاب)، او جماعة وثنية (قوم ابراهيم)، او حتى جماعة منحرفة خلقيا ( قوم لوط)، او مشعوذة (سحرة فرعون)، او مخربة (قطاع الطرق)، او أي جماعة يبدو مستبعدا احتمال تجاوبها مع الحوار وقبولها للنصح " واذ قالت امة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم او معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة الى ربكم ولعلهم يتقون"-الاعراف،164.

من الواضح اذا أن الله قد اختار الحوار وسيلة وحيدة مع الكل و في كل الحالات لايصال او تبليغ رسالاته و، من، ثم تحقيق هدفه او اهدافه من خلق هذا الوجود. ومرة اخرى يجدر الانتباه هنا الى أن الله قد اختار الحوار وسيلة وحيدة وهو الاعلم، اولا واخيرا، بحدود الحوار و محدودية مردوده و كفاءته والاقدر، دائما وابدا، على اختيار غيره او استبدال وسيلة اخرى به . و للأسف فان هذا الذي كان يجدر بالبشر الانتباه اليه هو عين الدرس البليغ و المغزى العميق الذي طالما غفل عنه او تغافله اكثر البشر.

ذلك عن الحوار من منظور العلم الطبيعي والمعرفة الدينية، وياتي المنظور العقلي النظري بل وحتى الوضعي ليدعم ويقر سلامة خيار الحوار. فالاستقراء العقلي يفيد بان الانسان لا يملك في هذه الحياة الا أن يكون على علاقة بالاخر او بما حوله. وهذه العلاقة تكون اما علاقة تفاعلية يتبادل طرفاها او اطرافها الفعل حوارا او صراعا و اما علاقة احادية الاتجاه يتجه فيها الفعل الاساسي من طرف ايجابي هو الفاعل الى طرف سلبي هو المفعول فيه. ويتضح من ذلك أن الحوار احد اوضاع او بدائل ثلاثة في العلاقات الانسانية هي الحوار والصراع و السلبية. ولا يحتاج العاقل لاكثر من الموازنة او المقارنة بين تكلفة وخسارة الصراع والسلبية و ربْح وكسْب الحوار ليستيقن من ان الحوار يعد ضرورة عقلية وليس مجرد خيار.

ما تمهد عن ضرورة الحوار و لزومه،عقلا و دينا، في العلاقات الانسانية يصح بغض النظر عما اذا كانت اطراف العلاقة افرادا او جماعات، على أن من الواضح أن الارتفاع الكبير في تكلفة بديلي الصراع والسلبية في العلاقات الجماعية يجعل من الالتزام بالحوار اشد ضرورة واكثر اهمية في العلاقات بين الجماعات مما في العلاقات بين الافراد. ومن المفهوم أن تزداد اهمية وضرورة الالتزام بالحوار مع زيادة حجم الجماعات، او كياناتها كالدول، حتى تصل هذه الاهمية اقصاها في العلاقات بين المجموعات او الكيانات الحضارية باعتبارها من اكبر الجماعات البشرية الفاعلة حجما.

و- تاريخيا وواقعيا- لعله يصح أن نتصور انه وإن بدا راجحا أن الصراع كان هو الاسلوب السائد في العلاقات بين الجماعات البشرية حينا من الدهر في بداية التاريخ الا أنه بما أن من المستبعد قيام تلك الجماعات – او أي جماعة بشرية- بدون قيام حد ادنى من الحوار بين افراد كل جماعة فان بدء تلك الجماعات البشرية في التعرف على الحوار و ممارسته في علاقاتها الجماعية ببعضها البعض ربما لم يتأخر كثيرا عن نشوء تلك العلاقات. ومع استمرار تنامي الوعي البشري، من خلال التراكم المعرفي التجريبي والنظري، بالتكلفة العالية للصراع، و خاصة الصراع المسلح، تنامى الوعي باهمية الحوار وضرورته لتنمية وتزكية العلاقات الانسانية وتجنيبها مهالك الصراع و مساوئ السلبية. وصحيح أن الصراع لم ، وربما لن، يختف كليا من العلاقات البشرية ولكن من الواضح انه اخذ ، مع مرور الزمن، يميل للتحول من الشكل العسكري او المسلح الى الاشكال الاقل عنفا كاشكال الصراع الاقتصادي والسياسي والثقافي. والاهم من ذلك أن الحوار، عموما، اصبح عرفا عاما، و ربما سائدا, في العلاقات البشرية وتشكلت له منظمات دولية واقليمية وثنائية وقطرية تعنى بتكريسه و تطويره. وبالاضافة الى كونه الوسيلة الوحيدة للتعاون بدأ الحوار يكتسب دورا متناميا في ادارة الصراع ايضا.

لعل مجمل ماسبق يوضح اكثر مدى سذاجة وايضا - للاسف- خطورة المواقف و المقولات التي تستخف بالحوار او تنكر وجوده او ترفضه او تستحيله سواء مطلقا او عندما يتعلق بموضوع او طرف معين، مثل رفض او انكار البعض، سواء في الشرق او في الغرب، مسألة الحوار بين الاديان او إمكانية الحوار بين الحضارات، و رفضهم الحوار مع المعارضة وخاصة المسلحة او مع جماعات او دول او انظمة حاكمة تصنّف، بشكل مغرض غالبا، متمردة او امبريالية، ودكتاتورية او استكبارية ، وارهابية او استعمارية/ قوة احتلال ، و شريرة او شيطانية، واصولية او علمانية. و دائما ما تأتي حجج الرفض واهية ومستندة الى ذرائع ايديولوجية غير موضوعية، او اجتهادات دينية غير موفقة،او مفاهيم خاطئة, اوسياسات استعلائية/ انتقائية، او تطلعات غير مشروعة، او اعتبارات عملية قد تكون بعضها مستندة الى حقائق واقعية ولكنها- عند التحقيق- لا تمنع بقدر ما تستدعي الحوار.

وفي الواقع، يتعين أن يظل خيار الحوار قائما مع الكل وفي كل امر عام او مشترك محل خلاف . واسلاميا، يلزم الجنوح للحوار مع كل من جنح اليه حيث أن الجنوح للحوار هو جنوح للسلم لا يحل للمسلم الاعراض عنه ايا كان من جنح اليه، وكيفما كان جنوحه، ومهما كان ما صدر عنه سابقا " وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله انه هو السميع العليم. وان يريدوا أن يخدعوك فان حسبك الله هو الذي ايدك بنصره وبالمؤمنين" – الانفال61-62 . وقد آثر الرسول صلى الله عليه وسلم الحوار حتى مع من اعتدوا عليه وعلى اصحابه واخرجوهم عنوة من وطنهم واموالهم وناصبوهم الحرب.

وانطلاقا مما سبق توضيحه عن اهمية الحوار ولزومه، واخذا في الاعتبار التوتر المتزايد في العلاقات الدولية، و تنامي التوجهات الفكرية والسياسية التي تدفع نحو الصراع اوالصدام بين الحضارات، ورغبة في دعم ومأسسة الاسهام الشعبي في الجهد الثقافي عموما ، تأسست في صنعاء اليمن، في عام 2002، "مؤسسة المنصور الثقافية للحوار بين الحضارات". وتهدف المؤسسة الى تشجيع و تعزيز الحوار بين الحضارات، وتأمل بشكل خاص في استنهاض الجهد الشعبي لدعم دور الامة العربية الاسلامية في تاصيل و تجذير و اثراء التوجه الحواري والثقافة الحوارية محليا ودوليا و- من خلال ذلك- تفعيل الاسهام العربي الاسلامي في تزكية العلاقات بين الحضارات و توجيه التفاعلات الدولية الجارية نحو ترسيخ المبادئ الدولية القويمة و تأمين المصالح المشتركة للمجتمع الدولي. و ادراكا لاهمية الحوار الداخلي في ترشيد العلاقات والتفاعلات بين الانساق والفئات الفرعية للمجموعات الحضارية وفي تعزيز الحوار بين الحضارات تهدف المؤسسة كذلك الى تشجيع ودعم الحوار داخل الحضارات وخاصة الحوار داخل الحضارة العربية الاسلامية، كما تعنى المؤسسة ايضا بـتشجيع الحوار حول الحضارات و الدراسات الحضارية تطلعا الى توظيفهما لدعم التوجه الحواري الحضاري.

وتعتزم المؤسسة التوسل لاهدافها اساسا بالعمل الثقافي والفكري وخاصة من خلال التعاون مع مختلف المنظمات والمؤسسات والمراكز والمنتديات الاهلية والحكومية المعنية، سواء القطرية او الاقليمية اوالدولية، و خاصة ذات الاهتمامات الثقافية والتعليمية والدراسية والاعلامية.

وخلال الفترة القصيرة الماضية منذ ان بدأت نشاطها شاركت المؤسسة، ممثلة برئيسها، في عدد مقدر من المؤتمرات والندوات والملتقيات التي نظمتها منظمات اقليمية كالجامعة العربية و منظمة المؤتمر الاسلامي، وجهات حكومية، و جامعات، و مراكز او مؤسسات ثقافية داخل العالم العربي الاسلامي و خارجه.

وبهدف تشجيع الجهود المشتركة و تنظيم وتقنين التعاون المشترك تعنى المؤسسة باستحداث الاطر والترتيبات المناسبة من خلال ابرام الاتفاقيات والبروتوكولات الثنائية والمتعددة الاطراف. وبهذا الصدد وقّعت المؤسسة مؤخرا على اتفاقية تعاون مع المنظمة العربية للتعليم والثقافة والعلوم.

وادراكا منها لاهمية نشر ثقافة الحوار على اوسع نطاق ممكن ترسيخا لمبادئ وقيم الحوار و دعما للتوجه الحواري، تحرص المؤسسة على التوسل بكل ما يتاح لها من وسائط الاعلام الجماهيري للوصول بثقافة الحوار الى مختلف الفئات. ولذلك فقد اجرى رئيس المؤسسة، او شارك في، عدة مقابلات وندوات تليفزيونية و اذاعية و صحفية ، كما انشأت المؤسسة موقعا لها على شبكة المعلومات الدولية بعنوان www.mansourdialogue.org وذلك لتيسير التفاعل مع رواد الانترنت المعنيين بالحوار الحضاري.

ويأتي صدور هذا العدد الافتتاحي من هذه المجلة " حوار الحضارات" مواصلة لنفس الجهد الذي يهدف الى نشر ثقافة وقيم الحوار و تعزيز التواصل مع المنظمات والمؤسسات و المراكز والشخصيات المحلية والاقليمية و الدولية المعنية بالحوار.

وتعنى المجلة اساسا بتغطية نشاطات المؤسسة ومساهماتها العلمية في موضوع الحوار وقضاياه وذلك الى جانب نشر المواضيع والمقالات و الدراسات ذات الصلة و التي تعكس وجهات نظر ليس اصحاب الحضارة العربية الاسلامية فقط وانما اتباع الحضارات الاخرى ايضا . وبهذا الخصوص يتضمن هذا العدد النص الانجليزي، والترجمة العربية، لمحاضرة تتناول الحضارة الاسلامية من وجهة نظر يابانية مثيرة للاهتمام و تطرح استراتيجية حضارية تستحق التأمل.

والأمل كبير في أن يثري الحوار و إسهامات القراء و المهتمين المتميزة مجلة "حوار الحضارات"

وبالله التوفيق.

  محاضرات أخرى