الانسان و المستقبل:
لقد
ظل لانسان دائم الاهتمام بالمستقبل بصورة او اخرى و لمدى او آخر.و
ربما امكن تتبع جذور هذا الاهتمام الى بداية الوجود الواعي للانسان
اذ تشير الروايات الدينية ان أبوي البشر ربما كانا قلقين على
مستقبلهما متطلعين الى الخلود. و تفيد قراءة التاريخ ان الانسان ما
انفك يعيش في خوف و رجاء من المستقبل مما دفعه الى اللجوء الى تحسس
المستقبل من خلال وسائل و اساليب مختلفة من مثل التنجيم و الكهانة و
العرافة. وقد اسهم اهتمامه هذا بالمستقبل في دفعه الى التدين املا
في ان يؤمن له هذا الدين مستقبله البعيد ( الأخروي او ما بعد الموت)
و مع
تطور الانسان فان اهتمامه بالمستقبل، و الذي ظل ملازما له، تطور
اسلوبا و هدفا او منهجا . فقد تطور اسلوب محاولة الانسان التعرف على
المستقبل من أساليب التنجيم و الكهانة الى اسلوب الدراسة العلمية مما
ساعد في ظهور مراكز ومؤسسات دراسات المستقبل، و تمخض هذا التوجه
العلمي لاحقا عن ظهور فرع جديد من المعرفة ممثلا في علم المستقبل و
الذي و إن كان مازال في مرحلة الطفولة إلا انه ينمو باستمرار. و
تطور هدف اهتمام الانسان بالمستقبل من محاولة مجرد معرفة المستقبل
و انتظاره الى محاولة تغييره بل و صنعه .
وكان
لتطور اهتمام الانسان بالمستقبل اسلوبا و هدفا اثر كبير على حياة
الانسان . و رغم ما شابه من سلبيات، ربما كان في مقدمتها ما اصاب
البعض من غرور، إلا ان المردود الإيجابي لهذا التطور على تطوير
مستوى حياة الانسان و معاشه و قدرته على توجيه المستقبل كان عظيما.
الانسان العربي و المستقبل:
رغم
بعض التحسن و خاصة على مستوى النخبة, فان اهتمام الانسان العربي
بالمستقبل ما زال متخلفا عن ما حققه هذا الاهتمام لدى البعض الاخر من
تطور اشرنا آنفا الى بعض ملامحه. و بشكل عام ما زال الاهتمام
بالمستقبل عند سواد الجمهور العربي بدائي الاسلوب، حيث لا يكاد يتعدى
اساليب التنجيم و الرمل و الودع و قراءة الفنجان، و محدود الافق و
الهدف حيث لا يكاد يتعدى افق حب الاستطلاع المشحون باحلام اليقظة
والمصحوب بالميل الى الانتظار لما تأتي به الايام من مكروه لا يملك
له غير الجزع او خير لم يستعد لحسن استثماره. و الاكثر من ذلك أن هذا
الانسان سعى احيانا لادلجة او تبرير موقفه الانتظاري / الاسستسلامي
من المستقبل استنادا الى مفاهيم و معتقدات خاطئة كالجبرية و القدرية
و كثيرا ما استطاب ترديد ما يزخر به الشعر العربي او الامثال العربية
من اقوال تكرس، او يفهمها على نحو يكرس، استسلاميته و عزوفه عن
محاولة صنع مستقبله و ذلك من مثل:
جرى
قلم القضاء بما يكون فسيان التحرك و السكون
دع
الايام تفعل ما تشاء وطب نفسا اذا حكم القضاء
و من
هنا فان أي حديث جاد عن مسألة مستقبل الانسان العربي لا يسعه أن
يغفل التأكيد في اوله على أن معالجة هذه المسألة تتطلب بدءا ضرورة
الارتفاع بمستوى اهتمام الانسان العربي بمستقبله من مستوى التوسل
بالكهانة و التنجيم الى مستوى التوسل بالعلم و من مستوى الانتظار
السلبي للمستقبل الى مستوى التحرك الايجابي لصنع المستقبل.
و قد
يكون من الواضح، و لعله محل اجماع الكثيرين، أن مدى تقدم الانسان
العربي في حسن صنع مستقبله رهن بمدى تقدمه في حسن تطوير ذاته و حسن
تنمية موارده و حسن بلورة مشروعه الحضاري. بيد انه في ما وراء مثل
هذه العموميات هناك امور عدة تبقى علاقتها بصنع مستقبل الانسان
العربي عند السواد الاعظم غير واضحة و يكتنفها الغموض او سوء الفهم،
او غائبة عن الاهتمام الفعال، او تكون محل خلاف. و من تلك الامور
الصحراء.
صورة الصحراء في الوعي العربي:
منذ البدء، كان للصحراء في ذهن الانسان العربي و حياته
حضور مكثف يدلنا عليه انعكاس هذا الحضور في لغة هذا الانسان –
العربية- و التي اخترعت للصحراء نحوا من اربعين اسما عربيا. بيد أن
هذا الحضور ارتبط في الغالب بجوانب و احداث الصحراء السلبية من مثل،
كما يورد الشعر العربي، شظف العيش و مشاق الترحال المتواصل و ارتفاع
احتمالات الهلاك عطشا او جوعا و كون الصحراء مأوى الوحوش و مسكن
الجن و مهب الرياح العاتية و مظنة التيه و سبب البعاد و الفصل بين
الاحبة
اما
الاحبة فالبيداء دونهم فليت دونك بيدا دونها بيد
و
هكذا فان صورة الصحراء في الوعي العربي القديم ظلت غالبا صورة سلبية.
وقد انتقلت ذات الصورة السلبية الى الاجيال اللاحقة و ربما مالت الى
التفاقم اكثر في الوعي العربي المعاصر نتيجة انبهاره بالمدنية
الحديثة التي لاحظ تركزها في المناطق غير الصحراوية وخلو الصحاري
منها، و شيوع مفاهيم واقوال غير ثابتة عن تاريخ الصحاري من مثل
القول بخلو المناطق الصحراوية من المراكز الحضارية و القول بان الصحراء
شكلت في حالات كثيرة حاجزا يحول دون تواصل الحضارات. و قد يصح أن
نضيف الى تلك الاسباب الآن ارتباط الصحراء في الذهن العربي حاليا بتسميات
تتردد في الاعلام المعاصر و تبعث في نفس العربي مشاعر الهوان والمذلة
مثل تسميات عاصفة الصحراء و ثعلب الصحراء و...الخ .
وأن
تلك الصورة السلبية عن الصحراء و التي تراوحت شدة وضعفا من شأن الى
اخر قد بلغت في ما يخص علاقة الصحراء بمستقبل المنطقة و انسانها من
الشدة بحيث أن هذه العلاقة بدت في تصور الكثيرين علاقة تضاد و تنافر.
فعلى المستوى العام ساد اهتمامات تنمية المنطقة ميل الادب التنموي
الى اسقاط الصحراء من اولويات التنمية و استبعاد ها من قائمة
الموارد الطبيعية و النظر الى الصحراء كعائق اساسي من عوائق تنمية
المنطقة و بناء مستقبلها. و على المستوى الفردي ساد التسليم بان
البحث عن المستقبل الافضل يستلزم اول ما يستلزم الهجرة عن الصحراء و
الابتعاد عنها. و قد ترتب على ذلك ضعف تواجد و احيانا غياب الصحراء
تماما عن خطط التنمية القطرية في المنطقة كما ترتب عليه تواصل
الهجرة من الصحراء ليس فقط عن صحراء البدو العرب وانما- لاحقا- حتى
عن صحراء الحضر العربي ريفا كان ام مدينة.
صحيح
أن هنالك متغيرات اسفرت عن تحسن ملحوظ في صورة الصحراء في الوعي
العربي و خاصة الرسمي حيث زاد ادراكه لأهمية الصحراء . بيد أن
المردود الايجابي لهذا التنامي في ادراك اهمية الصحراء ظل غالبا
محدودا على مستوى السلوك الفعلي الرسمي حيث لم ينعكس بشكل كاف لا
على التنمية العملية الشاملة للصحراء ولا على حتى تنمية الوعي الشعبي
الصحراوي السليم. و لم يخرج هذا المردود في كثير من الحالات عن اعطاء
الصحراء فقط ما هو ضروري جدا لاستغلال ثرواتها و مواردها التي بدأت
تظهر تباعا بدءا بالبترول و المعادن و انتهاء بالسياحة الصحراوية. و
لم تخلو الكثير من السياسات الرسمية من اقتناع او اتجاه، غالبا غير
معلن، يرى امكانية و ربما ضرورة تجاهل الصحراء و لو مؤقتا في عملية
التنمية. و ليس من العسير ادراك ذلك من تمركز الجهود الانمائية عمليا
و بشكل مخل في المدن العربية دون الحضر الريفي العربي ناهيك عن
الصحاري العربية. ومع محدودية المردود الايجابي لم يكن بد من أن يعلو
الى السطح احيانا بعض المردود السلبي لتنامي الادراك باهمية الصحراء
في شكل صراعات تذكر بصراعات بعض الاجداد في الماضي على مراعي
الصحاري. ففي بعض الحالات اسهم هذا الادراك لاهمية الصحراء في اذكاء
الصراعات بين بعض الانظمة العربية على بعض رمال او جبال الصحراء
الحدودية و في حالات اخرى اذكى احتجاجات بعض سكان الصحاري ضد
السياسات الصحراوية الرسمية غبر المقبولة لديهم و قد تحولت هذه
الاحتجاجات احيانا- في وجود عوامل اخرى- الى اعمال تخريب او تمرد
معلن.
و اذا
ما صح تقديرنا بان مبعث نظرة الانسان العربي السلبية لدور الصحراء في
مستقبله هو اساسا- بالطبع اضافة الى عوامل اخرى - خبرته العملية
السلبية بالصحراء والجهل او سوء تقدير ما ساهمت او يمكن أن تساهم به
الصحراء في حياته، ماضيا و حاضرا ومستقبلا، يغدو واضحا أن معالجة
هذه النظرة السلبية تتطلب اعادة تشكيل وعي الانسان العربي بالصحراء
من خلال توضيح ليس فقط اهمية الصحراء بالنسبة للانسان العربي و
موطنه و تصحيح مفاهيمه و انطباعاته عنها وانما ايضا توضيح ما تقتضيه
هذه الاهمية من سياسات و برامج صحراوية تناسب تلك الاهمية و تترجمها
الى واقع عملي.
اهمية الصحراء للانسان العربي:
للصحراء اهمية بالغة للانسان العربي سواء في ماضيه المنصرم او حاضره
القائم او مستقبله القادم. و صحيح أن هذه الاهمية لم تكن، و لن تكون،
بالضرورة لدو ر الصحراء الايجابي فقط . فبعض اهمية الصحراء للانسان
العربي تعود الى مالها في حياته من دور سلبي منشؤه ما تثيرها من
مشكلات و تحديات ، من مثل الجفاف المهلك و التصحر، تكمن اهميتها في
انه لا يسع الانسان العربي اغفالها او تجاهل معالجتها دون أن يدفع
الثمن غاليا. و لعل من الواضح انه لا ينبغي أن تقلل من اهمية الصحراء
التباسها بتلك السلبيات اذ أن ذلك ليس الا بعض طبيعة هذا الكون الذي
لا يكاد شئ فيه يسلم من بعض السلبيات و المشكلات، و ما مشكلات
الاقاليم غير الصحراوية باقل اهمية.
و
عموما تعود اهمية الصحراء للانسان العربي الى ما لها من دور اساسي
في وجود هذا الانسان ، سواء وجوده المادي او وجوده المعنوي . وقد
يكفي لتبين بعض تلك الاهمية ، في بعدها الايجابي، في ماضي الانسان
العربي أن يتذكر المرء أن الصحراء هي التي استضافت آباء العرب و
امدتهم بمقومات الحياة وهي التي - فيما تروي الروايات- انقذت حياة
ابيهم اسماعيل و ابقت على وجوده المادي عندما تفجرت، على غير عادتها،
ماء مباركا روى ظمأ كاد يهلكه و هو ما زال طفلا صغيرا و ربما رضيعا.
و الصحراء هي التي امدت من بعد سلالة هذا الطفل من العرب بالمقومات
التي ، على ندرتها، كفلت لهم البقاء و التكاثر . و اذا كان من اهم ما
يعرف او يذكر به الانسان العربي في الزمن المعاصر النفط و الاسلام
يكفي الصحراء اهمية انها مصدر الاول و مهبط الثاني و موضع قبلته .
و كما
أن ماضي و حاضر الانسان العربي تشكلا من خلال تفاعله مع الصحراء و
ارتهنا بها على نحو بدت معه الصحراء ثابتا من ثوابت او محددات حياة
الانسان العربي فان الارجح هو أن مستقبل الانسان العربي ايضا سيكون
رهنا بطبيعة تفاعله مع صحرائه. و يجد مثل هذا القول الدعم و السند في
انه- اولا- يبدو أن من سنن هذه الحياة أن يأتي مستقبل الانسان/
المجتمع امتدادا لماضيه و حاضره من نواح عدة وانه مهما يحدث
للانسان او المجتمع من تغير فان انسان/ مجتمع ما بعد التغير يظل يحمل
ثوابت و اكثر ملامح، و إن مع بعض التحولات، المجتمع الذي نشأ في رحمه
أي مجتمع ما قبل التغير و – ثانيا- أن مستقبل أي انسان رهن بمدى
توظيفه لما يملكه او سيملكه من موارد مادية و معنوية، و من الواضح- و
إن كان كثيرا ما يغفل عنه البعض- أن الصحراء تشكل مكونا اساسيا من
موارد الانسان العربي و بحيث يصح القول أنه يتعذر على الانسان
العربي استكمال او اتقان توظيف او تنمية موارده دون توظيف او تنمية
صحرائه و أنه بقدر اهماله او فشله في تنمية صحرائه يكون اهماله و
فشله في تنمية موارده و – بالتالي- بناء مستقبله.
الصحراء و موارد الانسان العربي:
تفيد
المؤشرات الاحصائية المتاحة أن الصحراء تشكل جزءا احد اهم موارد
الانسان العربي الطبيعية، و هي حاليا المصدر الاساسي لايرادات الوطن
العربي من العملة الصعبة. و من شأن النقاط التالية أن تذكر ببعض
اهمية الصحراء كمورد طبيعي للانسان العربي:
-
تشكل الصحراء نسبة 80% من مساحة اليابسة في الوطن العربي و هي نسبة
مرتفعة جدا اذا ما اخذنا في الاعتبار أن المساحة الكلية لصحاري
العالم تشكل فقط نسبة 33% تقريبا من مساحة اليابسة في الكرة الارضية.
و الاكثر من ذلك أن نسبة الصحراء الى اليابسة في الوطن العربي تتزايد
بوتيرة متسارعة من خلال عملية التصحر. و اقل ما يعنيه ذلك هو انه
بينما تمثل الارض احد اهم موارد الوطن العربي فان استثمار الانسان
العربي لهذا المورد المهم لن يزيد في احسن الاحوال عن استثمار 20%
فقط منه ما لم يشمل هذا الاستثمار الارض الصحراوية.
- تعتبر
الصحراء حاليا اهم مستودع للموارد المعدنية العربية المستغلة. و قد
يكفي بهذا الصدد أن يتذكر المرء أن الصحراء هي مصدر النفط العربي
الذي يعتبر حاليا اهم صادر عربي كما انها مصدر الغاز العربي. و
الواقع أن صحراء الوطن العربي تمثل حاليا ليس فقط المصدر الاول
للطاقة في الوطن العربي و انما ايضا احد اهم مصادر الطاقة في العالم
.
- تأتـي
الصحراء في طليعة اهم مصادر الموارد المستدامة الحديثة في الوطن
العربي و في مقدمتها السياحة حيث بدأت السياحة الصحراوية تكتسب اهمية
متزايدة في اقتصاديات السياحة . و بمميزاتها الحضارية و الثقافية و
المناخية و غطائها الحيواني و الطيري و النباتي الفريد يمكن أن تصبح
صحاري الوطن العربي الاكثر جذبا للسياحة الصحراوية . و من المتوقع أن
تضم هذه الندوة اوراقا متخصصة في هذا المجال.
- الصحراء
هي موطن تربية او مصدر غذاء جزء كبير من الثروة الحيوانية العربية
حيث يقدر أن حوالي 42% من الثروة الحيوانية العربية تعيش على المراعي
الطبيعية الموجودة اساسا في المناطق القاحلة و شبه القاحلة من الوطن
العربي
- يضاف
الى ما تقدم أن الصحراء تستضيف جزءا مقدرا من الموارد السكانية
العربية و تساهم بجزء من الانتاج الزراعي العربي و تنمو فيها نباتات
تدخل في بعض الصناعات
و
يتضح من الايجاز السابق أن الصحراء تساهم بجزء كبير، و ربما الاكبر،
من موارد الانسان العربي الطبيعية او المادية. و لعل ذلك كاف لاخذ
فكرة عامة عن اهمية الصحراء لمستقبل الانسان العربي اهميتها لماضيه و
حاضره . بيد أن تقدير هذه الاهمية حق قدرها ، وخاصة من منظور
المستقبل، يتطلب الاخذ في الاعتبار بامور اخرى عدة منها:
- مع
التنامي المتواصل و الكبير في حجم السكان العرب بدأت المناطق الحضرية
العربية تعاني من الازدحام و الكثافة السكانية العالية و مضاعفاتها
السلبية. و مع الاخذ في الاعتبار ضرورة ضبط النمو السكاني العربي
ولكن ليس من الممكن و قد لا يكون من الافضل، على الاقل في الوقت
الحالي، وقف هذا النمو كما أن التوسع العمراني الجاري في الاراضي
الزراعية العربية هو هدر بل تخريب غير مقبول لا يبدو أن للعرب حاليا
ملجأ اخر افضل من الصحراء يعودوا اليها و يعمروها . و يلاحظ بهذا
الصدد أن الدول العربية الاكثر تعرضا للمشكلة السكانية بدأت تشجع
الهجرة العائدة و الانتقال السكاني الى الصحراء من خلال مشاريع
تعمير الصحراء و تنمية الريف.
- بينما
تتفاقم مشكلات الاراضي غير الصحراوية مع مرور الزمن يبدو جليا أن أن
الكثير من مشكلات الصحاري المعهودة او التقليدية تتجه لان تكون اقل
حدة بفضل التطور العلمي و التقني المستمرين . و على سبيل المثال فان
حل مشكلة الصحراء التقليدية الاولى أي مشكلة الماء هو اليوم اقل
صعوبة مما كان في الماضي بفضل الامكانيات المادية و التقنية و
العلمية التي ليس فقط يسرت اكثر اكتشاف و استغلال المياه الجوفية و
مياه البحار و ترشيد استخدامها في المجال الزراعي( بالري الحديث و
استحداث انواع اقل احتياجا للماء) و انما ايضا جعلت من الممكن، وإن
ما زالت بكميات محدودة، صناعة الماء في الصحراء مباشرة من مواردها
الهوائية المتوافرة على سطحها. و لعله ليس من المستبعد أن يهتدي
التقدم العلمي و التقني يوما ما الى وسيلة للتحكم في آلية الامطار و
اعادة توزيع الامطار لصالح تعمير الصحاري ( ربما كان في حديث القرآن
الكريم عن سوق او نقل و انتقال السحب الممطرة عن طريق الرياح و
حديثه عن تمكين الله لاحد البشر المرسلين من التحكم في الرياح لفت
الهي كريم لنظر البشر الى أن التحكم البشري في توزيع السحب الممطرة
ربما يكون امرا ممكنا و يستحق اجتهاد البشر للوصول اليه. و ربما ما
لم نجتهد اكثر قد نفاجأ يوما بسحب البعض لسحبنا الممطرة )
و
كيفما كانت اهمية صحاري العرب من حيث مواردها الطبيعية و المادية
فان اهمية الصحراء للانسان العربي لا تقتصر على اهمية تلك الموارد
المادية لوجوده المادي. فالصحراء تمثل بالنسبة للانسان العربي معان
و حقائق او معتقدات تشكل بعض اهم مقومات او موارد وجوده المعنوي . و
من تلك المعاني و المعتقدات المرتبطة بالصحراء او المستلهمة منها:
الصحراء اختيار الهي:
تفيد
الروايات الدينية أن الله هو الذي اختار الصحراء موطنا للعرب
المنحدرين من اسماعيل عندما امر ابراهيم بان يتوجه بابنه اسماعيل
الى حيث اسكنهم في واد غير ذي زرع من الصحراء التي تعرف – حاليا-
بالصحراء العربية. و ليس مهما هنا الخلاف المحتمل حول تلك الروايات
او تفاصيلها التي ربما اختلقت او حرفت في اطار التفاخر و التهاجي
بالانساب او الصراع على الارث لان المقصود هنا هو اثر تلك الروايات
وهو ما يتحقق بمجرد الاعتقاد في تلك الروايات بغض النظر عن مدى صدقها
واقعيا. و الواقع أن اكثر العرب، مسلمين و مسيحيين، يعتقدون في هذه
الروايات ومن شأن مثل هذا الاعتقاد أن يولد لدى اصحابه من العرب
الشعور بان الصحراء انما اصبحت لهم موطنا باختيار الهي مبارك
جوار الله:
سواء
تأكدت او انتفت صحة روايات الاختيار الالهي، اكتشف العرب مبكرا أن
الصحراء التي اتخذوها، او اختيرت لهم، موطنا قد حققت لهم ، من حيث لم
يكونوا يدرون، جوار بيت الله على هذه الارض . وقد ادرك العرب أن
نعم الجوار جوار الله جل جلاله فاحترموا بل قدسوا هذا الجوار بدليل
ما دأبوا عليه من الحج الى هذا البيت الذي تستضيفه صحراؤهم من حيثما
تفرقوا او ارتحلوا و هاجروا .
الصحراء مهد الاسلام:
صحيح
أن الاسلام دين لكل البشر و على اختلاف اوطانهم و اقاليمهم المناخية
بيد أن من الواضح أن الله قد اختار صحراء العرب مهدا و منطلقا
للاسلام و اختار سكان هذه الصحراء دون غيرهم ليشرفهم بمهمة حمل رسالة
الاسلام الى العالم اجمع و اصطفي من بينهم رجلا لصيقا بالصحراء، حيث
قضى طفولته المبكرة في باديتها و مارس الرعي في مراعيها صبيا و خبر
طرقاتها عاملا بالتجارة و احب الخلوة في خلائها متعبدا، ليكون
رسوله اليهم.
منطلق الحضارة العربية:
ترتبط
الصحراء في الذهن العربي الواعي بانها المكان الذي نشأت فيه
مدنياتهم وانطلق منه اسهامهم الحضاري العالمي الأبرز حاملا معه
للعالم طيب ذكرهم و بليغ لغتهم و بديع فكرهم وعلمهم .
و اذ
يبدو انه لو أن العرب لم يستوطنوا الصحراء لما حظوا بجوار الله و لما-
على الارجح- حظوا بشرف حمل الرسالة الالهية الخاتمة و لربما لم
يتمكنوا ، بدون تلك الرسالة، من أن يبدعوا مثل ما ابدعوا من حضارة
عالمية مشرقة يغدو واضحا ان عائد العرب المعنوي من الصحراء لم يكن
باقل من عائدهم المادي منها.
العرب
هبة الصحراء !
لا
يكاد المرء يستحضر مجمل ما تمهد عن اهمية الصحراء كمورد اساسي، طبيعي
و معنوي، للانسان العربي في ماضيه و حاضره حتى تقفز الى الذهن اسئلة
عديدة من قبيل ترى لو أن الصحراء لم تهب ذلك الطفل الصغير الماء
الذي انقذ حياته و لو انها لم تهب ذريته / العرب مقومات الحياة و
التكاثر هل كان سيكون للعرب وجود مادي على الاقل في هذه البقعة
الاستراتيجية من العالم؟ ولو لا ما جادت به الصحراء على العرب من
نعمة الجوار الالهي و ما كان لبيئتها من اثر ايجابي في تشكيل
شخصيتهم هل كان العرب سيحظون بشرف الاختيار الالهي لحمل رسالة
الاسلام؟ و لو انه – فرضا- تم اختيارهم هل كانوا سينجحون في ما
نجحوا فيه من الاستجابة الرائعة لرسالة الاسلام و ما تحقق لهم
بفضلها من نهضة حضارية عالمية اصبح الاسلام على اثرها اساس و جودهم
المعنوي ( الحضاري) المتميز؟ و لو أن الصحراء لم تهب العرب بعض ما
تختزنه باطنها من ركاز النفط و الغاز و غيرهما هل كان سيكون للعرب ما
لهم الان من ذكر و شأن عالميين و ما تحققت لهم من فوائض مالية يسرت
تمويل حركتهم التنموية و التي كان يمكن أن تكون اوسع و افضل لو
انهم اتقنوا استثمار تلك الفوائض؟
واذا
صح ما يعنيه مجمل ما سبق من أن اكثر ثروات و موارد العرب، الطبيعية و
المعنوية، هي من هبات الصحراء ألا يبدو مقبولا القول- مجازا- بان "
العرب هبة الصحراء"!
إذن
فالصورة السلبية التي يختزنها الوعي العربي عن الصحراء هي صورة تفتقر
للرؤية الشمولية المتزنة و تنطوي على كثير من الجحود لخيرات
الصحراء و فضلها على العرب.
الآثار السلبية للتصور السلبي للصحراء:
لقد اسهم تمكن الصورة السلبية للصحراء في الوعي العربي في اعاقة
العقل العربي المعاصر من أن يدرك بشكل افضل اهمية الصحراء ليس فقط
لماضي و حاضر الانسان العربي و انما لمستقبله ايضا. و مما ترتب على
ذلك:
1-
تأخر العرب في تطوير نظرة او استراتيجية مستقبلية و اضحة ازاء
الصحراء تأخذ في الاعتبار تعظيم امكانات و اسهامات الصحراء في تحسين
مستقبل الانسان العربي و قدرته على مواجهة المتغيرات المستقبلية
الجارية و المحتملة كالمتغيرات البيئية و التطورات المناخية و النمو
السكاني و...الخ
2-
تبني سياسات صحراوية خاطئة و ضارة قائمة على الاستغلال الجائر
للصحراء- من خلال استنفاد مواردها الطبيعية ( المعدنية) دون تخصيص
قدر كاف من عائدات تلك الموارد لتنمية الصحراء و تطوير مواردها
المستدامة و من خلال التهاون ازاء السلوكيات الخاطئة كالاحتطاب
الجائر و الرعي الجائر- و اهمال معالجة مشكلاتها . و اذا صحت
الروايات فان هذه السياسات الخاطئة اشتملت احيانا على استخدام
الصحراء مدافن لنفايات خطيرة لا يؤمن أن لا تكون لها عواقب وخيمة ليس
فقط على مستقبل الصحراء و انما على مستقبل الانسان العربي ايضا.
3-
تفاقم مشكلات الصحراء ليس فقط مشكلاتها الطبيعية كالتصحر و ما ينتج
عنه من الاضرار بالموارد الحيوانية و النباتية و الاراضي الزراعية و
انما مشكلاتها الاجتماعية والسياسية ايضا كالهجرة، و التذمر
الاجتماعي و الذي تطور في بعض الحالات الى تمرد سياسي او نزعات
انفصالية بين سكان بعض المناطق الصحراوية، و استغلال جماعات العنف و
التخريب و عصابات الجريمة المنظمة لضعف تواجد الحكومة في الصحراء
4-
ارتفاع تكلفة التنمية الصحراوية اكثر مما كان يمكن أن تكلف لو بدأت
في وقت ابكر
ترشيد التنمية الصحراوية:
مما يدعو للتفاؤل انه بدأ مؤخرا الاهتمام العربي بتنمية الصحراء ينمو
و يزداد . و مما يعكس هذا النمو ما شهدته الساحة العربية من نشاطات
مختلفة من قبيل مشاريع تعمير الصحراء و جهود مكافحة التصحر و قيام
مراكز لدراسات الصحراء و المناطق القاحلة و الاهتمام بالدراسات
التاريخية للصحراء ومحاولات تشجيع و تنمية السياحة الصحراوية و عقد
الندوات و المؤتمرات التي تعنى بالصحراء كمثل هذه الندوة التي يقيمها
كرسي بن علي . بيد انه يلاحظ على هذا الاهتمام الذي نحرص على أن
يستمر و يتطور اكثر فاكثر انه – اولا- جاء في الغالب اهتماما اما
فرضته ضرورات محلية أوجدتها مشكلات محلية مثل تفاقم المشكلة السكانية
او تداعيات تذمر او تمرد سياسي من قبل بعض سكان الصحراء و اما دفعت
اليه رغبة خارجية مثل رغبة السواح الاجانب في السياحة الصحراوية او
استلزمه اكثر من عامل داخلي و خارجي مثل جهود مكافحة التصحر و لم يات
نتيجة مبادرة ذاتية مصدرها الاقتناع الذاتي بضرورة التنمية الصحراوية
و اولويتها لمستقبل الانسان العربي، و – ثانيا- مازال اهتماما محصورا
في نطاق ضيق يكاد يقتصر على بعض الجهات( شخصيات و دوائر) الرسمية ذات
الصلة و لم يحظ بعد بالاولوية التي يستحقها لا في اطار القطاع العام
و لا في اطار القطاع الخاص و لا حتى بين الميسورين من ابناء الصحراء
و الذين ما زالوا يعطون الاولوية للهجرة عن الصحراء، و – ثالثا-
ينقصه التخطيط العلمي السليم.
و لما
سبق فان هذا الاهتمام بحاجة الى تأصيله و تعميقه و تطويره و تكثيفه و
ربطه بالعلم و تعزيز التعاون بين اطرافه. و لعل ذلك من اهم ما ينبغي
أن تكرس له الجهود في الوقت الحالي. و نحسب أن من اهم ما يمكن التوسل
به اليه :
1-
اعادة تشكيل الوعي العربي ( وكذا الافريقي المرتبط به)- الرسمي و
الشعبي- بالصحراء بما يحقق تصحيح و تعزيز صورة الصحراء في الوعي
العربي و تأصيل و تعميق الاهتمام الفعال بالصحراء و تكريس الدوافع
الذاتية لهذا الاهتمام
2- و
ضع سياسة/ استراتيجية عربية افريقية موحدة ومرنة لتنمية الصحراء-
اولا- انطلاقا من الاقرار بحقيقة ما بين الصحراء العربية و الصحراء
الكبرى الافريقية من اتصال و تداخل ليس جغرافيا فحسب و انما تاريخيا
و سكانيا و مواردا ايضا مما يجعلهما تشكلان معا وحدة تنموية واحدة و-
ثانيا- ادراكا لما من شأن توسيع التعاون لاكبر نطاق عملي ممكن أن
يعين على التكلفة المرتفعة لتنمية الصحراء و –ثالثا- تجاوبا مع
التوجه المعاصر نحو التكتلات الواسعة.
3-
تعزيز البعد العلمي لهذا الاهتمام الناشئ و النامي بالصحراء بغية
ترشيده و توجيهه بما يحقق نموه الصحي و يرفع كفاءته و يمنع انتكاسه .
و مما يتطلبه ذلك:
-
تشجيع الدراسات التي تعنى باعادة اكتشاف التاريخ الحضاري و الحقبي
للصحراء
-
دعم الدراسات المستقبلية التي تستشرف مستقبل الصحاري في اطار
المتغيرات الكونية و التطورات الدولية
-
التركيز على دراسات الثقافة الصحراوية السائدة عند سكان الصحراء
لتحديد العلاقة الايجابية المثلى بينها وبين التنمية الصحراوية
المنشودة و ترشيد علاقة الصحراويين بالصحراء
-
الاهتمام الفعال بتطوير التقنية الصحراوية المناسبة من خلال انشاء
مراكز علمية متخصصة في المنطقة تعني بتطوير التقنية المناسبة لاكتشاف
و استغلال موارد الصحراء و حل المشكلات الخاصة بالبيئة الصحراوية.