المحاضرات
المؤلفات

 

الدور الثقافي للجامعات

 

من الواضح انه ما لم يكن  للثقافة ، في حد ذاتها، دور ما لا يعد هناك مجال اصلا  للحديث عن دور ثقافي سواء للجامعات او غيرها من المؤسسات، اذ ان ماقد يكون لاي جهة او مؤسسة من دور ثقافي معين لابد ان يكون مستمدا من دور الثقافة أي أن دور الثقافة هو الاطار العام الذي يتحدد داخله الدور الثقافي المحتمل لاي مؤسسة ، بما فيها الجامعة. لذلك لم يكن بد من أن يبدأ الحديث عن الدور الثقافي للجامعات بالحديث عن دور الثقافة.

 فهل للثقافة دور؟ و ما هي طبيعة و سمات هذا الدور؟

دور الثقافة:

بما تشتمل عليه من عناصر مختلفة، مثل العادات و الاعراف و الاخلاق و المشاعر و الافكار و القيم و الاديان  و القانون، مارست و تمارس الثقافة دورا مهما في تشكيل ملامح تاريخ و حاضر البشرية. و الارجح  أن يستمر بل و ينمو و يقوى دور الثقافة في حياة البشر مستقبلا.

فالثقافة تعد محددا من محددات سلوك الافراد الاعتقادي و القولي و الفعلي. و لعله لا ادل على ذلك من أنه غالبا ما تتحدد عادات و لغات و قيم بل و معتقدات و اديان  الناس وفقا او طبقا للثقافة التي ينشأون فيها  و يكتسبون منها ثقافاتهم الشخصية. و صحيح أن من الافراد من ينحرف عن بل وقد يخرج على الثقافة التي نشأ فيها و يناصبها العداء بيد انه انما يفعل ذلك غالبا بسبب تأثير ثقافة اخرى  تغلبت عليه او تبناها ثم هو لا يكاد ابدا يتخلص تماما من ثقافة النشأة و التي تعمل على تشكيل فهمه للثقافة اللاحقة/ الجديدة  و كيفية تطبعه بها و تمثله لها تماما كما تترك لغة النشأة دائما اثارها المميزة على اللغة المكتسبة لاحقا

و من خلال دورها المشار اليه  في تشكيل سلوك الافراد  تمارس الثقافة دورا مماثلا في تشكيل  سلوك الجماعات و المجتمعات  وتحديد اوضاعها و احوالها و توجيه تفاعلاتها مع بعضها البعض.

و لعل من اهم سمات دور الثقافة  انه:

دور اساسي:

ما ترجحه المعرفة البشرية الحالية هو أن السلوك البشري- الفردي و الجماعي- سلوك معقد متعدد العوامل،  فهناك العامل الغريزي و العامل المرضي و العامل الوراثي و العامل الاقتصادي و  عامل القهر المادي( البدني او العسكري) و العامل الوراثي و ... الخ. و تمارس هذه العوامل ادوارا مختلفة تتراوح عموما- بناء على شدة او قوة التاثير- بين الدور الاساسي و الدورالثانوي . و حيث أن الثقافة، كما سبقت الاشارة، كل مركب من عناصر عديدة مختلفة لكل منها دورها و اثرها و لا يكاد السلوك البشري يخلو من تلأثير بعض تلك العناصر فان الدور الكلي للثقافة و الذي يمثل الحصيلة النهائية لتاثيرات مختلف عناصر الثقافة يعد دورا اساسيا في غالب السلوك البشري الفردي و الجماعي.

دور مزدوج:

إن مضمون و طبيعة دور الثقافة يختلف باختلاف مضمون و طبيعة الثقافة. فالثقافة المتخلفة/ التقليدية يكون دورها دورا تخلفيا/ تقليديا أي دورا يكرس التخلف و الجمود و الوضع الراهن  بقدر ما يعوق التطور و يناهض التغيير  بينما الثقافة المتطورة او الناهضة يكون دورها دورا تطوريا و انهاضيا  أي دورا يدفع للتغيير و التطور و  التحديث و النهضة بقدر ما يدفع عن التخلف و يناهض الجمود. و بالمثل فان الثقافة الصراعية تمارس دورا صراعيا يكرس التفاعل الصراعي  بقدر ما يعوق الحوار  و يخل بالسلم بينما ثقافة الحوار و السلم تمارس دورا حواريا سلميا يكرس التحاور و السلم بقدر ما  يناهض الصراع  و يحد من الاحتراب. و اجمالا ، فان الثقافة تمارس دورا ايجابيا او دورا سلبيا، و غالبا دورا خليطا من السلبية و الايجابية، بناء على مدى ايجابية او سلبية مضامينها.

دور ارادي:

عادة ما تؤثر الثقافة على الانسان  من خلال قبوله و تمثله لها. و حيث أن قبول الثقافة لا يكون الا طوعا، اذ يتعذر تأمين قبول الثقافة عن طريق فرضها بالقوة المادية، يصح القول أن تاثير الثقافة تاثير ذاتي معنوي نابع من داخل المرء مما يعني أن دور الثقافة دور ارادي  أي يتم من خلال تشكيلها لارادة المرء و كثيرا  ما يكون دورا اختياريا واعيا و ليس قهريا .

وبسبب السمات المشار اليها لدور الثقافة، و خاصة كونه دور اساسي و دور ارادي، تمثل او تتيح الثقافة المدخل الانسب  لإحداث التغيير المنشود في السلوك الفردي و الجماعي كما يبقى التغيير الثقافي شرطا لازما  لتأمين التحولات المجتمعية الكبيرة مثل الانهاض الحضاري و التنمية الاقتصادية الشاملة. و ليس من العسير ملاحظة أن كافة النهضات الحضارية في التاريخ  بدأت بنهضات ثقافية  و أن التنمية الاقتصادية الواسعة التي شهدتها بعض المناطق لم تتحقق الا بعد حدوث التغيرات الثقافية اللازمة.

إذن للثقافة دور له اهمية بالغة  و خصوصية واضحة في حياة الافراد و المجتمعات البشرية . على أن مما تجدر ملاحظته أن هذا الدور و إن كان سلفا او اساسا مهما جدا الا انه ظل يزداد اهمية مع تطور البشر و تقدمهم و ذلك لما انطوى عليه هذا التطور او صاحبه من:

1-   تراكم الثقافة البشرية و امتدادها لمختلف مناحي الحياة. و من الواضح انه بقدر ما تتراكم، مثلا، الاعراف و العادات و تتعدد القيم ازداد و اتسع تأثير الثقافة و بالتالي دورها

2-   تواصل ابتكار الانسان لمزيد من و سائل التفاعل الثقافي و اساليب توظيف الثقافة و التي بقدر ما تعزز التأثير الثقافي تعزز دور الثقافة. و على سبيل المثال لابد انه كان لاكتشاف اللغة و تطويرها اثر ايجابي كبير على التفاعل الثقافي ومن ثم على اثر الثقافة و دورها. و مؤخرا دعمت ثورة الاتصالات و المعلومات كثيرا  دور الثقافة.

 

3-   تنامي الادراك لمزيد من جوانب  دور الثقافة و تأثيراتها مع تطور المعرفة البشرية  

ومع تنامي ادراك اهمية الثقافة و دورها تناما الاهتمام بالثقافة . و عبّر هذا الاهتمام عن نفسه في مظاهر عدة منها ظهور كم هائل من الجمعيات و المنظمات الثقافية الوطنية و الاقليمية و الدولية، و انعقاد العديد من المؤتمرات الثقافية الوطنية و الدولية، و اعلان عقود دولية للثقافة مثل عقد التنمية الثقافية و عقد ثقافة السلم و … الخ.

و مؤخرا تبلورت بصورة اوضح بعض المتغيرات الثقافية الدولية المترابطة مع بعضها و المرتبطة بدور الثقافة مما دفع بالمسألة الثقافية الى صدارة الاهتمام و الهم الدوليين. و من هذه المتغيرات:

تصاعد نمو الاقتصاد الثقافي: مع تواصل ثورة الاتصالات و التقنية و نشوء مجتمع المعرفة التحمت الثقافة اكثر بالاقتصاد و شهد قطاع الانتاج/ التصنيع الثقافي نموا هائلا و بمعدلات اسرع  بكثير من القطاعات الاخرى التقليدية و انتعش على اثر ذلك  سوق عالمي ضخم للثقافة بدأ يدر على المنتجين الثقافيين ارباحا مضاعفة. و من جانب اخر،  و كمظهر اخر لتنامي التحام الثقافة بالاقتصاد، ازداد التوجه لتوظيف الثقافة لتوسيع الاسواق الدولية الخاصة بمنتجات معينة من خلال الترويج للتحولات الثقافية الداعمة لنشر الثقافة التي تؤمن الاقبال على  تلك المنتجات و الرغبة في استهلاكها( نشر الثقافة الامريكية لترويج السلع الامريكية)

تسارع معدل العولمة الثقافية : مع التضخم و التوسع المتسارع لثقافة  معينة هي الثقافة الغربية و خاصة الامريكية على المستوى الدولي  بدأت الثقافات الاخرى تشهد، وإن بدرجات مختلفة،  تراجعا و اضمحلالا. و نتج عن ذلك تزايد زوال و فناء الثقافات بمعدل متسارع اثار قلق سائر الثقافات.

و لاشك أن من شأن  مثل هذه المتغيرات أن تنعكس على دور الثقافة تعزيزا و توسيعا له. و على سبيل المثال ، من شأن تصاعد نمو الاقتصاد الثقافي ان يعزز الدور الاقتصادي و المالي للثقافة، ومن شأن تسارع معدل العولمة الثقافية  و عواقبها ان يحمل الثقافة دورا مستجدا هو ضرورة الحفاظ على الذات و الصمود امام التاثيرات السلبية لرياح العولمة   

 

دور الجامعات:

 يتحدد دور اي مؤسسة من خلال المهام المناطة بها او التي تقوم بها فعلا. و  

تحدد السياسات السائدة  المهام الاساسية للجامعات بثلاثة مهام تتمحور حول العلم و هي:

-   اعداد الكوادر من خلال التدريس ( نشر العلم)

-   البحث العلمي( انماء العلم و تطويره)

-   خدمة المجتمع ( توظيف العلم)

و بالاضافة الى تلك المهام  او من خلالها  تواصل الجامعات  ، و ان بدرجة اقل، المهمة التربوية للمؤسسات التعليمية من خلال ما تقوم به من نقل القيم و السلوكيات التي تتبناها.

و المهام المذكورة و إن كانت لا تنفرد بها الجامعات بل تشاركها في كل منها مؤسسة او مؤسسات اخرى تعكس اهمية دور الجامعات في المجتمعات على المستويين الفردي و الجماعي و في نفس الوقت تشير الى  ان هذا الدور  دور مركب فهو – من حيث مجالاته- دور علمي و اقتصادي بقدر ما هو دور اجتماعي و سياسي و ثقافي  و – من حيث وظيفته او هدفه- يفترض فيه انه اساسا  دور تغييري تطويري  مشفوع بدور ثانوي محافظ يكرس الاستمرارية و إن كان كثير ما يصبح هذا الدور الثانوي هو  الدور الرئيسي واقعيا.

 

اهمية الدور الثقافي للجامعات:

في ضوء ما تمهد عن تنامي الاهتمام بدور الثقافة ، لا بيدو غريبا ان يحظى الدور الثقافي للجامعات  باهتمام متزايد . و تعود اهمية الدور الثقافي للجامعة، اجمالا، الى اهمية الثقافة و ضرورتها لحسن اداء  الجامعات  لسائر مهامها الاساسية ووظيفتها الاساسية  و ذلك على نحو ما تبينه النقاط التالية:

1-   العلاقة بين الثقافة والعلم: على النقيض مما قد يبدو للبعض تعد العلاقة بين الثقافة و العلم،  و الذي تتمحور حوله(= العلم) المهام الاساسية للجامعة، علاقة متبادلة اقوى بكثير جدا مما يتخيله البعض الاخر. و نظرا لقوة و وثوق هذه العلاقة فان اختلالها على اي نحو كان لابد و أن ينعكس سلبا على كل من الثقافة و العلم. و يمكن القاء بعض الضوء على هذه العلاقة من خلال التذكير بان العلم  هو اساسا نتاج ثقافي حجما و نوعا، كما تمثل الثقافة عاملا اساسيا في  توجيه توظيف العلم  سلبا و ايجابا  بينما يكرس العلم عقلانية الثقافة:

I –  العلم نتاج ثقافي :  معلوم ان العلم ينمو و يتطور حيث ينشط البحث. و البحث و إن كان يستعين بالعلم الا  انه، في حد ذاته، ليس علما  بقدر ما هو سلوك يصدر  اساسا عن دوافع ذاتية او فطرية تدعمها و تعززها او تضعفها و توهنها الثقافة. فمن توافرت له ثقافة داعمة للبحث تعزز لديه دافع البحث و نما علمه و من كانت ثقافته ثقافة مناهضة للبحث ضعف دافعه الذاتي للبحث و قل علمه. ثم ان الثقافة تشكل السلوك البحثي و  توجه الرغبة في العلم فالذي تحدوه و تغلب عليه الثقافة العلمية يتوجه دافع البحث لديه نحو العلم ، و الذي تحدوه و تتملكه الثقافة الخرافية يتوجه دافع البحث لديه نحو الخرافة و الاساطير ، و الذي تحدوه وتستهويه الثقافة العرفانية يتوجه دافع البحث لديه نحو المعرفة العرفانية. و نوع الثقافة يشكل طبيعة العلم حيث ان الثقافة الإبداعية تشجع  الابتكار و الابداع العلمي بينما الثقافة التقليدية لا تشجع الابداع العلمي و تكرس نزعة التلقي و التقليد و – ان جاز التعبير- الاستهلاك العلمي

 

و ما سبق يدعم القول بان الثقافة العلمية اي الثقافة التي تدفع للابداع العلمي هي اساس العلم و الحافز عليه و محدد طبيعته و نوعه و بدون مثل هذه الثقافة لا يزدهر العلم و هو ما يؤكد انها ضرورية للجامعة للقيام بمهامها و خاصة مهمة البحث العلمي و مهمة اعداد الكوادر.

II – الثقافة توجه توظيف العلم: العلم اساسا اداة و الثقافة هي العامل الاساسي في ليس فقط تعزيز او اضعاف الدافع لتوظيف العلم و انما ايضا تحديد وجهة او هدف توظيفه او استخدامه سلبا او ايجابا. فبناء على طبيعة ثقافته يحرص او لا يحرص الانسان على توظيف العلم و الاستعانة به في تحقيق اهدافه. و الثقافة الايجابية القيم نحو الانسان والمجتمع تدفع صاحبها الى الحرص على توظيف العلم لمصلحة الانسان والمجتمع و عدم استخدامه في ما يضرهما بينما الثقافة السلبية القيم نحو الانسان والمجتمع قد تولد لدى صاحبها عدم الاكتراث بما اذا كان ما يوظف علمه فيه  ذا مردود خير او شر على الانسان و المجتمع طالما  كان يحقق له بعض اغراضه الشخصية.

و لذلك نجد انه عندما اختل توجيه الثقافة للعلم  و اصبح العلم يوظف في منأى عن توجيه القيم و الضوابط الثقافية المعتبرة  أخطأ العلم مساره السليم و انحرف عن اهدافه الايجابية احيانا. و نتيجة لذلك انتهى البحث العلمي في بعض الحالات الى اكتشافات و نتائج ضارة تهدد بقاء البشرية مثل اكتشاف و صناعة اسلحة الدمار الشامل و التطبيقات الصناعية الضارة بالبيئة . و اقدم البحث العلمي مؤخرا على مغامرات تخل بكرامة الانسان و قد تتمخض عن عواقب وخيمة قد لا تكون في الحسبان ، و من ذلك مغامرات الاستنساخ البشري و احتمالات محاولات توظيف الهندسة الوراثية لاغراض غير مشروعة.

      وهكذا يتضح انه عندما يبتعد العلم و ينفصل عن ضوابط الثقافة الايجابية القيم او يصبح اسير الثقافة السلبية القيم،  يصبح من غير الممكن ضمان عدم حدوث تعارض و تناقض بين مهام الجامعة حيث يمكن – مثلا- ان تكرس مهمة البحث العلمي تشجيع الاكتشافات و الاختراعات التي تضر المجتمع و هو ما يتعارض مع مهمة خدمة المجتمع المناطة بالجامعة.

III   العلم يكرس عقلانية الثقافة: بقدر ما ان الثقافة توجه العلم يوجه العلم ايضا الثقافة حتى لا تقع هذه الاخيرة  في براثن الخرافة و الاساطير او تتيه في متاهات اللاعقلانية. و يختل توجيه العلم للثقافة إما لان حظ هذه الثقافة من العلم قليل أي أن الكسب العلمي لاهلها ضعيف كما كان هو حال الشعوب البدائية و إما لحدوث شرخ في العلاقة بين العلم و الثقافة يحول دون او يضعف توجيه العلم للثقافة المعنية بالرغم من توافر حظ اهلها من الكسب العلمي. و لعل من صور مثل هذا الشرخ ما نلاحظه اليوم في بعض  المجتمعات الغربية المتقدمة، او الفئات المتعلمة اوحتى العالية التعليم في مجتمعاتنا الشرقية، و التي لها حظ وافر من العلم من ضعف او عدم تجذر البعد العلمي في بنيتها الثقافية اي في مجمل ثقافتها مما ادى الى ظهور ما يمكن  تسميته بالثنائية الثقافية. و نعني بالثنائية الثقافية هنا اظهار البعض عقليتين و سلوكين متناقضين، حيث نجدهم يفكرون تفكيرا علميا دقيقا في مجالات معينة مثل مجالات الدراسة و البحث العلمي  بينما يفكرون تفكيرا تقليديا لا صلة له بالعلم في مجالات اخرى مثل المجال الديني و المجال الاجتماعي ، و يسلكون سلوكا عقلانيا في مجالات معينة مثل المجال المهني العلمي بينما يسلكون سلوكا لاعقلانيا بل خرافيا في مجالات من مثل مجال العادات الشخصية ومجال العلاقة بالاخر المغاير و مجال استشراف المستقبل. و هذه الثنائية الثقافية ، و إن كانت في حد ذاتها تحتاج الى تفسير، توضح لنا الانتشار الكبير لمظاهر السلوك اللاعقلاني و التفكير اللاعلمي  في المجتمع الغربي الذي ما انفك يؤكد انه المصدر الاول للعقلانية و الحداثة. و لا تقتصر مظاهر اللاعقلانية تلك في المجتمعات الغربية على سلوكيات من مثل التدخين حتى الموت  و انما يتعداها الى تقاليد قديمة ربما لا يتوقع البعض وجودها فيها من مثل الاقبال الواسع على خدمات العرافة و التنجيم و السحر( تشير بعض الكتابات الى انه في عام1980 كان عدد العرافين في فرنسا حوالي ثلاثين الفا وعددالاطباء اربعين الفا و كانت اجرة العراف هي نفس اجرة الطبيب النفسي المختص) . و لا يخرج عن السلوك اللاعقلاني في المجتمعات الغربية انتشار معضلة العنف الاجتماعي و ميل البعض الى التشدد العلماني و خوض حروب لاعقلانية. و لا يخرج عن التفكير اللاعلمي  الكتابات الثقافية و الفكرية الغربية المتحاملة على العنصر غير الغربي و الثقافة غير الغربية و التي تروج للمقولات و النظريات الصراعية.

 

و لاشك ان الظواهر السابقة و التي تتنافى مع العلم  و الثقافة الراشدة مؤشر على الخلل في الدور الثقافي لسائر مؤسسات المجتمع  ذات الصلة بالثقافة بما فيها  الجامعات          

و يتضح من I   و  II  و  III  أن نجاح الجامعات  في تحقيق مهامها الاساسية  المذكورة سابقا رهن بنجاحها في تامين العلاقة السليمة بين الثقافة و العلم و حيث أن ذلك لا يمكن أن يتأتى بدون العمل الثقافي  الموجه يغدو واضحا اهمية الدور الثقافي للجامعة في اداء مهامها الاساسية. و الحقيقة أن الجامعة لا يمكنها القيام بمهامها الاساسية على الوجه الاكمل الا  من خلال اتقانها  لدورها الثقافي.

2-  الهدف النهائي من مؤسسات المجتمع، بما فيها الجامعات، هو خدمة الانسان و المجتمع من خلال تطوير و ضعه و امكاناته و فرصه. و بما أن مثل هذا التطوير يتطلب عادة احداث تغيير اجتماعي يتعين على مؤسسات المجتمع أن تتوزع مهام ووظائف التغيير الاجتماعي في ما بينها كل حسب مقدراتها و مهامها. و الاصل أن تقوم الجامعات بوظيفة قيادة حركة التغيير الاجتماعي و ذلك- اولا- بحكم المهام المناطة بها و- ثانيا- بفضل ما تتوافر لها من المقدرات العلمية الكفيلة بتمكينها من ادراك اهمية التغيير الاجتماعي و ابداع الافكار اللازمة لتحقيق مثل هذا التغيير و – ثالثا- لكونها تحتضن الفئة الاكثر  تعلما من عنصر الشباب و الذي يمثل عادة العنصر الاكثر قبولا و استعدادا لفكرة او دعوة التغيير. و اغلب الظن انه ما لم تتصدى الجامعة لمهمة قيادة التغيير الاجتماعي فان احتمال أن تحسن القيام بهذه المهمة أي مؤسسة اخرى  يصبح ضعيفا  نظرا لان الجامعة هي التي تمد المؤسسات الباقية بكوادرها القيادية و ما لم  تكن الجامعة قد اهلت هذه الكوادر للقيام بمهمة القيادة فان الارجح أن يكون اداؤها ضعيفا و لكن الجامعة لا يمكنها أن تحسن تأهيل هذه الكوادر للقيادة ما لم تكن هي نفسها تتولى مهمة قيادة حركة التغيير الاجتماعي, و كما يقال فان فاقد الشئ لا يعطيه.

            و اذا تقرر ان وظيفة الجامعات هي قيادة حركة التغيير الاجتماعي فان مدى نجاح الجامعات في القيام بهذه الوظيفة يظل دائما رهنا بمدى نجاح الجامعات في القيام بدورها الثقافي. ذلك انه و إن كان من المؤكد أن التغيير الاجتماعي هو عادة حصيلة لعوامل متعددة منها العامل الاقتصادي و العامل السياسي و العامل التقني و العامل الديمغرافي و ..الخ  إلا انه يبقى العامل الاهم هو العامل الثقافي. فبالاضافة الى انه العامل الاعمق و بالتالي الابقى اثرا  و الاوسع تاثيرا  يتميز العامل الثقافي بكونه الارفق  نهجا لانه انما يتوسل بالكلمة و التي غالبا ما تفشل محاولات فرضها بالقوة المادية و بكونه العامل الاقل تسببا في الاثار السلبية غير المنظورة للتغيير الاجتماعي لان التغيير الذي يحدثه العامل الثقافي  هو تغيير ارادي طوعي واع  يصحبه عادة  نقاش حر و واسع بين  القوى المؤيدة و المعارضة حول جوانبه الايجابية و السلبية و اثاره المحتملة و هو ما لا يتوافر عادة و بنفس القدر للتغيير من خلال العوامل الاخرى. و بغض النظر عن كونه العامل الاهم مطلقا في التغيير الاجتماعي يكتسب العامل الثقافي  اهمية خاصة بالنسبة للجامعات لانه عادة  ما تتوافر للجامعات متطلبات توظيف العامل الثقافي اكثر مما تتوافر لها متطلبات توظيف عوامل التغيير الاجتماعي  الاخرى  كالعامل السياسي و العامل الاقتصادي.

            و يتضح من مجمل ما سبق أن الدور الثقافي للجامعات بقدر ما هو مهم لقيام الجامعات بمهامها الاساسية المذكورة سابقا فهو مهم ايضا لقيام الجامعات بوظيفتها العامة المتمثلة في قيادة حركة التغيير الاجتماعي.

استغلال البعض للدور الثقافي للجامعات ؟

 

مسئوليات و متطلبات الدور الثقافي للجامعات:

اذا كان الدور الثقافي للجامعات بالاهمية المشار اليها فان السؤال الذي يفرض نفسه هو كيف يمكن للجامعات أن تقوم بهذا الدور على الوجه الاكمل؟

من الواضح أن الاجابة  لمثل هذا السؤال تتطلب جهدا علميا جماعيا منظما توظف مختلف التخصصات و الخبرات ذات الصلة. و في اطار ما يمكن أن يسهم به الجهد الفردي يمكننا القول أن اتقان الجامعات لدورها الثقافي يتطلب، بالاضافة الى ما يمكن أن يضيفه البعض، قيامها بدور ريادي في تعزيز و ترشيد علاقة الثقافة بالعلم، و  انماء  الثقافة،  وتطوير و تفعيل خطابها الثقافي.

تعزيز و ترشيد العلاقة بين الثقافة و العلم:

كما سبق القول هناك اصلا علاقة قائمة بين العلم و الثقافة و أن كلا من الثقافة و العلم يحتاجان الى بعضهما البعض. و بينما من المسلم به أن  من شأن تعزيز و ترشيد العلاقة بين أي طرفين يحتاجان لبعضهما أن يفيد ذلك الطرفين لا يبدو أن هنالك مؤسسة اكفأ و انسب من الجامعات لتصدر الجهود اللازمة لتحقيق مهمة تعزيز و ترشيد العلاقة بين العلم و الثقافة.  فليس هناك مؤسسة اخرى يلتقي فيها العلم و الثقافة مثل التقائهما في الجامعات. فالجامعة هي معقل العلم و مدرس الثقافة و ملتقى خيرة العلماء و قبلة صفوة المثقفين و مجمع نخبة طلاب العلم و الثقافة مما يجعلها المكان الانسب للحوار بين العلم و الثقافة. و حيثما يستقيم و يزدهر الحوار بين الثقافة و العلم  يكون المكان المناسب لبلورة و تجسيد التصور المناسب لتعزيز و ترشيد العلاقة بين الثقافة و العلم..

و في ضوء ما سبق عن اثار و عواقب اختلال العلاقة بين العلم و الثقافة يمكننا القول أن تعزيز و ترشيد هذه العلاقة يتطلب قيام الجامعات بـ " تثقيف العلم" من خلال :

1-  تكريس الثقافة العلمية : و المعني بالثقافة العلمية هنا هو الثقافة التي تكرس او تخلق التوجه العلمي الابداعي  أي الرغبة المشفوعة بالسعي العملي الجاد ليس فقط لاكتساب العلم و استيعابه و انما ايضا الاسهام في  انمائه نظريا و تطبيقيا او تقنيا من خلال البحث و الاكتشاف. و تعود اهمية تكريس هذه الثقافة الى كونها ضرورية لتحفيز الابداع العلمي و في غيابها غالبا ما يميل الطلاب الى الاكتفاء بتلقي المعرفة و المهارة العلمية اللازمة  لتمكينهم فقط من الممارسة التقليدية  لمهنة معينة يحقق لهم عائدها بعض احتياجاتهم و رغباتهم.

2-  توجيه و ضبط السلوك العلمي: ما سبقت الاشارة اليه من تنامي الاستخدام السيء للعلم و تطبيقاته يحتم العمل على توجيه و ضبط السلوك العلمي بالقيم التي تكرس الدوافع الذاتية التي تكفل ليس فقط الحد من سوء توظيف العلم سواء في مجال البحوث النظرية او في مجال التطبيقات و الممارسات العملية و انما ايضا تشجيع التوظيف الامثل له. و بينما يتطلب الحد من سوء تو&#