|
مقدمة:
[ 1 ]
يقيم عبد الوهاب بوحديبه
فى كتابه، الذى يهديه إلى روح القيروان الخالدة، "ثقافة القرآن"
علاقة مهمة. علينا أن نتوقف أمامها ونحن نتحدث عن القيروان، علاقة
بين الزمان والمكان، التاريخ والجغرافيا بين الأزلى والآنى، بين
الإسلام وتونس، القرآن والقيروان. بين المدينة وبين الروح الخالدة
لها ومن الواضح أن القرآن هو روح القيروان الخالدة يدور هذا الكتاب
حول إجازة الشيخ عمر بوحديبه فى القراءات. وهو يؤكد لنا أن هذه
الوثيقة [الإجازة] تؤسس للنص القرآنى وسط المجتمع القيروانى خلال
القرن الثامن عشر للميلاد. وكما أن الإجازة تقيم "علاقة عقد" حقيقى
بين الشيخ المجيز، والشيخ المجاز فإن بوحديبه يقيم علاقة – هى تلك
التى نحن بصددها والتى جعلناها عنواناً لهذا البحث – بين القيروان
وثقافة القرآن. ولا نجد خيراً من هذه العلاقة موضوعا لبحثنا الحالى.
يقول: "تلقى هذه الوثيقة
أضواء على مدينة القيروان فى الزمن الواقعى، كما يقال، وعلى ما عشته
من بلايا ومحن، تخلصت منها بعد ذلك بحمد الله. وهذا الوضع التاريخى
بما جرى فيه من أحداث يعطى وزناً أكبر للعلاقة الخالدة بالقرآن
الكريم. فعن طريق الإسناد تبرز جدلية ترسيخ كلام الله الأزلى فى
الواقع الحياتي العادى"(1).
يظهر الزمن والتاريخ
واضحاً جلياً فى الحضور القرآن فى الوجود القيروانى. يهدف الدكتور
عبد الوهاب إلى إجراء حوار حقيقى وربط صلة جديدة بالأصول والجذور وهو
يدرك تماماً أنه لا معنى لهذا النص دون الغوص فى اللامحدود. ففى
"الحاضر" يمر الزمن ويبرز فى طياته الخلود فى لمحة عابرة فـ "القرآن
– بالنسبة له – يتضمن إطاراً عقلياً وليس مجرد وحى أنزل قديماً على
محمد صلى الله عليه وسلم، أنه كلام تأسيسى بلا شك، ولكن يتعين
اعتباره دوماً حضوراً للقدسى فى التاريخ وناقلاً للأحداث وارتباطاً
متجدداً بالأصول"(2).
ويلمح القارئ المتعمق
لما كتبه بوحديبة أننا إزاء علاقة ثلاثية وليست ثنائية، فالصلة
الحميمة بين القيروان وثقافة القرآن تتوطد عبر العلماء، والعالم هو
الذى يحيا الآزلى فى الآنى والمقدس فى التاريخ ونحن نتعرف على هذه
الصلة والعلاقة عبر القلب والوجدان وهو يمثل الضلع الثالث للمثلث من
خلال بوحديبة نفسه، الذى يحيا بين ضلوع طرفى هذه العلاقة؛ القرآن
والقيروان. نحن بإزاء حضور وجدانى هو أساس هذا التحليل العقلى العلمى
الذى يقدمه قيروانى لجذوره.
ومن هنا لا يمكن أن
نتغافل عن هذه القراءة الذاتية الشعورية الإيمانية التى يتعامل بها
عبد الوهاب بوحديبه. وهى مسألة نؤكد عليها فنحن هنا بإزاء عالم
اجتماع يدرك أهمية الخصوصية فى الظواهر الاجتماعية والتاريخية وبناء
على ذلك فلا يمكننا إلا التأكيد الحضور الفعال لذاتية بوحديبة
وخصوصية القيروان أنها قراءة فينومينولوجية، فهو يشعر بالثقافة
القيروانية القرآنية ويحياها ولا يُخفي علينا تأثير هذا النص (إجازة
جده) عليه: " لا أُخْفي أن هذا النص فتننى بأتم معنى الكلمة" وهو
"قطعة من تراث ثقافى شخصي" وأن كانت تحمل قيمتها فى ذاتها، ويتعين
وضعها فى سياقها. لذا فهو لا ينسى ذكريات الصبا والساعات الطويلة
لحفظ النص القرآنى، أنه يعايشه الآن مثلما عايشه صبياً يافعاً وهو لا
ينسى ما يأخذه عند الاستماع إلى الآيات المرتلة فى جامع عقبة. أنها
تجربة فردية ذاتية تتداخل فيها عوالم متعددة يوضحها لنا الكاتب حول
"ثقافة القرآن"(3).
[ 2 ]
يقدم لنا نص الإجازة
والتى تبدأ باسم الله والصلاة والتسليم على محمد، وبعد الحمد
والشهادة، الأحاديث النبوية فى فضل حملة القرآن ويذكر الشيخ المجاز
وما تعلمه والإجازة ثم يذكر سلسلة سند الشيخ المجيز أبو عبد الله
محمد أحمد الثقاقلى البكرى القيروانى، وهى سلسلة يتشابك أسانيده من
الشيوخ، علماء القراءات بما فيهم المغربى والأندلسى واليمنى والمصرى
موصياً الشيخ المجاز أبو حفص عمر بن محمد بوحديبه القيروانى بمواصلة
العلم، وتقوى الله، والرجوع عن الخطأ. وبعد أن يورد لنا نص الإجازة
يقدم لنا شرحاً وتعليق عليها.
والاجازات القرآنية كانت
بمثابة شهادات بحفظ القرآن الكريم وإجادة رسمه وأدائه، مضافاً لذلك
استظهار بعض المتون الدراسية الأولية وهى تفيد – تاريخياً – فى إبراز
بعض الجوانب من الحياة التعليمية لكل من المجيز والمجاز، وتعرف
بأسانيدها القرآنية، كما توضح طريقة الإسلاميين فى الامتحانات
الأولية، وفى أسلوب كتابة شهادة حفظ القرآن العزيز.
وكان هذا الأسلوب يأتي
على الشكل التالي: فبعد افتتاحية مطولة يحدد الأستاذ إسمه وإسم
التلميذ المجاز، ثم يذكر أن التلميذ عرض عليه القرآن الحكيم بقراءة
نافع، أو فى قراءات الأئمة السبعة وعرض عليه – أيضاً – المتون
الدراسية المشار إليه، فيشهد المعلم – بعد ذلك – بأن الممتحن أدى ذلك
على الوجه المطلوب، ويعقب بذكر اجازته له فيما استظهره بين يديه،
ويتوسع فى ذكر أسانيده للقرآن العزيز وإثر تاريخ الإجازة يأتى توقيع
الأستاذ، فيزكى إمضاءه الحاضرون من العلماء الأشراف بتوقيعاتهم،
وأخيراً توقيع قاضى البلد بإمضائه المعتمد أيضاً.
ولمزيد من الاهتمام تكتب
الشهادة على الرق، فى صفحة كبيرة فى طولها وعرضها. "وأول إشارة لهذا
النوع من الاجازات ظهرت من أواخر المائة الهجرية السابعة"(4).
والحقيقة أن نظام
الإجازة: وضعها وطريقة العمل بها تعد من "خصائص التعليم الإسلامى،
وهى تعنى أن يمنح الشيخ رخصة لتلميذه، يستطيع عن طريقها أن يعلم
ويلقى دروسه وينشر أفكاره لتلاميذه، وكل ما يتلقاه التلميذ عن شيخه
مشافهة يوثق عن طريق الإجازة لنقلها فيما بعد إلى تلاميذه حين يصير
شيخاً. كما أن الإجازة توضح تسلسل الإسناد أى سلسلة الروايات الصحيحة
المنقولة عن العلماء الثقات"(5).
[ 3 ]
وهذا ينقلنا للحديث عن
صاحب الاجازة حتى يتاح لنا بيان مضمونها والعلوم التى تلقاها الشيخ
المجاز والتى توضح لنا فى الوقت نفسه الحضور القرآنى فى القيروان.
ينتمى الشيخ عمر إلى
هيئة فقهاء القيروان ويذكر لنا بوحديبه أسماء معاصريه وتلاميذه
اعتماداً على ما جاء فى كتاب "إتحاف أهل الزمان" لابن أبى الضياف
و"تكميل الصلحاء والأعيان لمعالم الإيمان" لمحمد بن صالح الكنانى
و"تاريخ قضاة القيروان" للجودى، حيث القيروان عامرة بكبار العلماء فى
هذه الفترة ومنهم محمد بوراس (ت 1199هـ - 1783م) ومحمد الحنفى
(1199هـ - 1784) ومحمد عطاء الله وحموده الوحيشى. ويذكر لنا من
تلاميذه كل من: ساسى أبو حافر والحاج محمد قلالة على خليف. وقد رحل
معظم هؤلاء إلى عدد من المدن الإسلامية طلباً للعلم، فمنهم من سافر
إلى القاهرة أو مكة أو دمشق وفاس. وهكذا فعل الشيخ أبى حفص، الذى درس
بالزيتونة فى تونس، بعد أن تلقى العلم على والده وكبار مشايخ
القيروان وحين عاد إلى القيروان عمل مقرئاً مرتلاً، ومدرساً بجامعها
ثم قاضياً فى عهد حموده باشا.
وهنا نشير إلى كتاب عبد
الرحمن الأنصارى القيروانى "معالم الإيمان وروضات الرضوان، فى مناقب
المشهورين من صلحاء القيروان" لابن باغ: عبد الرحمان بن محمد بن على
الأنصاري الأسيدى القيروانى، المتوفى عام 696/1297. الذى يترجم
لأصناف صلحاء مدينة القيروان، بين المتجردين للعبادة وعلماء ينشرون
العلم ويدونون كتبه. وهو يبدأ بتراجم الصحابة الداخلين لمدينة عقبة،
من التابعين فمن بعدهم إلى عصر المؤلف. وهناك نسخة ثانية يشير إليها
محمد المنونى تحمل اسم "معالم الإيمان، فى معرفة أهل القيروان"، بها
استدراكات كثيرة على الأصل: لابن ناجى: أبى القاسم بن عيسى التنوخى
القيروانى، المتوفى عام 839/1441(6).
ومن الواضح أن عصور
الحروب والصراع السياسى لا تعنى بالضرورة الانهيار والانحطاط العلمى.
لذا فإن بوحديبه (عبد الوهاب) يرد فى تحليلاته التاريخية الاجتماعية
على مزاعم كل من روبير برنشفيج والهادى أدريس، اللذان تحدثاً عن
"تقهقر القيروان الثقافى والدينى" دحضاً أحكامهما الصارمة عن مدنية
القرآن. فقد كانت لمدينة عقبة مكانة دينية زيادة عن بعدها عن الساحل
وموقعها الجغرافى ومكانتها التاريخية والثقافية فى وسط البلاد وهو ما
جعلها كما يقول بوحديبه فى صدارة المنافسات والدسائس والحروب الأهلية
الشرسة بين الحفصيين والشابية وبين العثمانيين والأسبان. حيث ظلت
المدن بين مد وجزر حوالى ثلاثة قرون وغدت مسرحاً لأحداث فاجعة خلفت
الدمار والخراب والمأسى والمظالم.
[ 4 ] القـــيروان
وعلينا أن نشير إلى
الحالة العلمية بالقيروان التى ظلت فى استقرار وازدهار حتى فى عصور
الضعف تلك التى اشتد فيها وطأة التمزق والحروب الداخلية.
تفصيل ذلك أن أهالى
القيروان أصابهم غرم ثقيل نتيجة اختياراتهم السياسية، حيث انحازوا
إلى حسين باى، الذى قتل على يد على باشا ابن أخيه بعد حروب استمرت
طيلة خمس سنوات وكان من نتيجة ذلك أن أخذت القيروان عنوة وهدمت
مبانيها وأسوارها وأعدم جميع أعيانها. وأن كان الأمر لم يستمر على
هذا الحال كما يخبرنا بوحديبة الحفيد "حيث استرجع أبناء حسين باى
السلطة وعادت القيروان إلى الازدهار والأمن من جديد بفضل رعاية
الحسينين لها. وقد بلغت من الازدهار ما مكن وكيل الأحباس بها قاسم بن
عمر العبد من جمع كثير من الأموال من دخل زواية الصحابى أبى زمعة
البلوى لبناء الأسواق ومنها سوقى الربع الصغير والعطارين 1772"(7).
ويحدثنا بوحديبه عن
المدينة وما نالته من رعاية حمودة باشا واتخاذها الشكل، الذى هى عليه
الآن والطابع الطبقى لها حيث التميز بين مساكن العامة الأعيان وهجرة
العلماء ومنهم الشيخ جعيط، الذى ينتمى إلى أسرة يمنية الأصل، اشتهر
أبناؤه وأحفاده بمكانتهم العلمية، والذى انتقل من القيروان وأقام
بتونس فى عهد مراد الثالث.
أما بخصوص الشيخ عمر
القيروانى، فقد كان صاحب إيمان واستقامة كان ذا كفاءة ومقدرة فائقة
على تجويد القرآن. ارتبط بالقيروان ارتباطاً وثيقاً حتى أنه فى فترة
طلب العلم لم يبتعد عنها إلا إلى زيتونة تونس. يعتز أبنائه وأحفاده
أنه كان من الأهالى ولم يكن من الأعيان، وقد تردد كثيراً فى قبول
منصب القضاء لورعه الشديد وحين تولى ولاية القضاء ثار أعيان القيروان
واعترضوا فى عريضة لمحمودة باشا، مطالبين بإقالته ولم ينجحوا فى ذلك.
"عمل القاضى أبى حفص على تحرى العدل والأنصاف وإحياء السنة القضائية
بإبطال ما جرت به العادة عند مواطنيه من حرمان البنات من الميراث.
وهذا فضل يذكر له. حيث استرجعت البنت القيروانية نصيبها، أى نصف نصيب
الابن، دون قيد أو شرط احتراماً لأحكام القرآن"(8).
[ 5 ] حضور القدسى فى
التاريخ
القرآن عند بوحديبه كما
أشرنا من قبل ليس مجرد وحى قديم، بل يتعين اعتباره دوماً حضوراً
للقدسى فى التاريخ وناقلاً للأحداث وارتباطاً متجدداً بالأصول. ذلك
ما يحاول توضيحه فى "ثقافة القرآن"، وهو ما يظهر فى أعماله المختلفة
التى تنطلق من نفس هذا المنطلق خاصة كتابيه "الجنسانية فى الإسلام"
La sexualite en
Islam و"القصد فى
الغيرية بحث حول التجارب العربية الإسلام".
يهدف فى الكتاب الأول
إلى استخلاص موقع الجنس والقيمة التى يمثلها فى الرؤية الإسلامية
للعالم، على الأقل كما يعكسها النص الشريف. فهو يرى "أن الموقع
الرئيسى الذى يحتله الجنس فى عملية تجديد واستمرارية الخلق هو آية
الآيات المعجزة، فالجماع هو القانون الكونى، الذى يحكم العالم"(9).
يقول موضحاً الصلة بين الإنسانى والكوني: "أن أعمال البدن ليست
مشروعة فحسب طبقاً لمشيئته تعالى وانسجاماً مع النظام الكوني، بل
أنها فى الأساس آية من آيات الله الكبرى وعلامة على قدرته تعالى. أن
الجنس هو حضور لجسدى ولأجساد الآخرين أيضا لأنه فى جوهره تجاوز
للوحدة والعزلة، لذلك فهو ينطوى على الحاجة للآخرين. أن الرؤية
القرآنية للجنس رؤية كلية وشاملة حيث تعتمد الأسس الكونية
والاجتماعية والسيكولوجية على وحدة الجنسين، ليشتمل الجنس على عملية
الإبداع والتناسل ضمن أطر التكامل والشهادة"(10).
لا يهدف عمل بوحديبه إلى
إظهار الجنس باعتباره ديناً فى الجوهر أو إلى تصوير الدين جنساً فى
الأصل، لكنه يهدف إلى طرح السبل والمفاهيم التى تسمح لمجتمع ما
بالاستفادة من عظمة الدين ومن قوة الجنس فى آن معاً(11).
أن المهم فى هذا العمل هو التأكيد على "أن حياة المسلم اليومية تتضمن
فى جوهرها حواراً مستتراً ومستمراً مع الله فى جانب وحواراً ثانياً
بين الذكر والأنثى فى الجانب الآخر بغية أن تصير الحياة محاولة دؤؤبة
ومتصلة لدمج الدين والجنس فى المجتمع"(12).
وتظهر حفريات عبد الوهاب
بوحديبه فى "ثقافة القرآن" ليس فقط فى كتابه "الجنسانية فى الإسلام"
، بل أيضاً فى موقف الإسلام من الغيرية. "فالنظرة الإسلامية للعالم
لا تعتبر التعدد والتنوع البشريين من قبيل الحوداث التاريخية أو
العيوب أو الانحرافات ولا حتى من قبيل أسوأ الاحتمالات بل تعدهما
مظهراً من تدبير الله للعالم، فلو شاء الله لخلق الناس على نفس النمط
الموحد. ولكن اقتضت حكمته اختلاف البشر وتعددهم فى الكون إزاء وسموه
ووحدانيته. حيث تمثل الخلافات بين الأمم والشعوب والثقافات المتعددة
اختياراً ملازماً لمشروع الخلق ذاته، بل تمثل محرك الوجود"(13)
حيث تسكن الغيرية كما يقول فى صميم جوهر الإنسان وتنبع من هذا
التدبير الكونى وتضرب بجذورها فى أعماق الانطولوجيا الإسلامية.
أن الله فى جوهره يتعذر
بلوغه. لذا يوجد شكل من الغيرية مؤسس على التباعد. إنها تجربة أساسية
فى الحياة الداخلية وجوهرية فى الوعى بالغير، تلعب فى نفسية المؤمن
عموماً والمسلم خصوصاً دوراً أساسياً، لأنها تحدد علاقاته النوعية
بالطبيعة وبالغير. "والله "أعظم التواصليين" يتجلى للإنسان بواسطة
رسله حملة الوحى، وبواسطة آياته وكذلك بفضل القدرة التى أودعها
سبحانه فى الإنسان، والتى بها يدركه تعالى بالحدس أو بالعقل ولا
يشتمل القرآن على أى إثبات لوجود الله وإنما يدرك كنهة من خلال
آياته"(14).
أن علاقة الإنسان بالله
عند بوحديبه هى علاقة "صلاة" بالمعنى الدقيق للكلمة حيث تحدث التجربة
الروحية اتصالاً بالاتناهى. وهو يوظف الآيات القرآنية للتأكيد على
حضور الغير فى علاقة الإنسان مع الخالق.
أن تراتيل القرآن وعد
ينجز بلا انقطاع ويتحقق فى التلفظ عبر الأوتار الصوتية بوحى سرمدى.
فالترتيل، أى تلاوة الكلمات والآيات والسور، يغدو تنغيماً للنص
وتمويجاً، لا جملة من التقانات لإدراك معناه فحسب، بل فرصة للتملى
بمعنى ما ورائى يستحضر فى حقيقته الأزلية الأبدية.. يواصل بوحديبه،
"والاستعادة الصوتية التى يحبوها المقرئ بعلمه وفنه وإيمانه هى فى
الواقع "نزول ثان" يجعل المعنى مع الصوت، والمقرئ مع نصه، والمرتل مع
نفسه ومع سامعيه، وعالم الشهادة مع عالم الغيب، يجعلهم كلهم فى
أنسجام تام"(15).
[6] مدنية القرآن
وتتجلى "ثقافة القرآن"
تلك التى كشف لنا عنها بوحديبه الحفيد فى دراساته المشارة إليها أوضح
ما تكون فى الدراسات القرآنية فى القيروان. لقد تأسست القيروان
لإشاعة الإسلام ونشره فعانت فى سبيله واستفادت فى نفس الوقت من
قداسته كما يظهر فى كتابه عن إجازة الشيخ عمر، الذى عاش فى مدينة
فقدت حظوتها ولكنها ظلت ملتحفة فى إباء بذكرى مجدها السالف. وكان
يعيش فى ظل القرآن متجاوزاً تقلبات التاريخ على خلفية صراعات لا
تنتهى بين القبائل والمدينة، بين البدو والحضر، وبين مشائخ الطرق
والسنة، ولم يعمد إلا للإيمان والتمسك بالقرآن.
أن الارتباط الوثيق بين
مدينة القيروان وثقافة القرآن هو ما يؤكد عليه بوحديبه، فما يعنيه هو
مدينة عقبة، رغم ما أصابها من محن على مر القرون، استطاعت وأحسنت
المحافظة على مكانتها ولا أدل على ذلك من تغرب الشيخ عمر – حسبما جرت
به العادة – فى طلب العلم بزيتونة تونس ثم رجوعه إلى القيروان لإتمام
دراسته بها والتحصيل فيها على إجازة مرموقة، "ولا أدل على ذلك أيضاً
من "انطوائه" فى زيتونة القيروان للتدريس وما بلوغه خطة القضاء
بشهادة نالها فى القيروان إلا دليل على المستوى الثقافى الذى حافظت
عليه مدينة الأغالبة"(16).
[ 7 ]
هنا نتوقف قليلاً أمام
علم القراءات، الذى يعد من ضمن علوم القرآن أكثرها تقانة وصعوبة،
فزيادة على المؤهلات الصوتية التى تتطلبها تلاوة القرآن تلتقى تلك
العلوم فى النحو والمعجمية وعلم الأصوات وتاريخ النص القرآنى وتفسيره
وتأويله، وإذا كان المسلمون اعتمدوا مصحف عثمان بن عفان، ونظراً لأن
الكتابة العربية لم يكن فيها آنذاك مصوتات ولا علامات للحركات ولا
شدات فكان مصحف عثمان مجرد "قناة رسمية للصوامت" وكان خلوه من
التشكيل يسمح بقراءات متعددة وأن كانت الفروق فى المعنى طفيفة فإنها
قد تؤدى إلى خلافات ونزاعات وكان قارئ المصحف الرسمى العثمانى حراً
فى اختيار القراءة التى وصلته عن الثقات بسند حسن غير أنه بات من
الضرورى تقييد هذه الحرية بالنص للنص المقدس. وقد تمكن ابن مجاهد (ت
324 هـ - 966م) من تحديد سبع طرق لشكل الكلمات. وأضيف لهم ثلاثة
آخرون وهى ما كتب لها البقاء بفضل مصنفات مجاهد خاصة كتاب "التيسير"
وغيره. وتتعلق الإجازة بتلك القراءات وتنتهى بالضبط سلسلة الأسانيد
المرفوعة من قبل الشيخ المجيز للشيخ المجاز(17).
ولا تنتهى العلاقة بين
القيروان وثقافة القرآن. وليس أدل على ذلك من كونها اليوم كما كانت
دائماً عاصمة الثقافة الإسلامية.
الهوامش
(1) عبد الوهاب بوحديبه: ثقافة
القرآن، بيت الحكمة، تونس 2004 ص8.
(2) المصدر السابق، ص9.
(3) يقصد بـ "ثقافة القرآن جملة
السمات المميزة التى طبع بها القرآن المجتمعات المعتنقة للإسلام. هذه
السمات القدسية تجلت بطرق مختلفة، سواء على مستوى الأشكال أو على
مستوى النفس الذى وحد بين رؤى العالم، والتصرفات الفردية والجماعية،
والرموز، والتصورات الحياتية العادية. وإلى هذا المستوى الحياتى حسب
القرآن تنضاف الحياة بالقرآن.
(4) كانت أول "اجازة" باقية هى
التى كتبها محمد بن عبد الله الفخار الضماتى، لتلميذه أبى سالم
إبراهيم بن أبى الفرج بن على الشريف العباسى: عام 803 هـ. وهى معروضة
– فى أصلها – كما يذكر لتا محمد المنونى بالخزانة العامة بالرباط فى
قاعة المطالعة بقسم المستندات، ثم كانت الاجازة الثانية هى التى
كتبها محمد بن يحيى بن محمد بن جابر الغسانى الكناسى: لتلميذه عبد
الرحمان بن على بن محمد المعافرى الوقاد المكناسى: عام 813هـ. وأصلها
تحتفظ به – فى بنى ملال – أسرة تنتسب للمجاز، وبالخزانة العامة صورة
منها على الشريط، ضمن مصورات جائزة الحسن الثانى سنة 1974 فى قطاع
إقليم بنى ملال.
انظر: محمد المنوفى: المصادر
العربية لتاريخ المغرب، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية،
جامعة محمد الخامس، الرباط 1983.
نشر هذه الإجازة وقدم لها محمد
الفاسى فى مجلة الرسالة المغربية العدد 11، السنة الأولى 1362هـ -
1943م نقلاً عن محمد المنوفى.
(5) عبد الوهاب بوحديبه ، المصدر
السابق ص28.
(7) بوحديبه: المصدر السابق، ص22.
(8) المصدر نفسه، ص24.
(9) عبد الوهاب بوحديبه: الإسلام
والجنس، إصدارات رياض الريس، ط2 بيروت 2001 ص32.
(10) المصدر السابق، ص38.
(11) المصدر نفسه، ص20.
(12) نفس الموضع.
(13) د. عبد الوهاب بوحديبه:
القصد فى الغيرية: بحث حول التجارب العربية الإسلامية، الوسيطى
للنشر، تونس 2001 ص24.
(14) المصدر نفسه، ص35.
(15) المصدر السابق، ص38.
(16) عبد الوهاب بوحديبه: ثقافة
القرآن، ص36.
(17) المصدر السابق، ص29، 30.
|