المحاضرات
المؤلفات

 

تعزيز الحوار بين الإسلام والغرب

الدكتور علي أحمد المضواحي

 

- المقدمة

مهما اختلفت التعاريف, وتباينت الآراء في فصل ماهو ثقافي عن ما هو حضاري عند تناول العلاقة مع الغرب.. فإن حقيقة تهيمن على قضية الارتباط بالآخر وذلك أن مفهوم التفوق العلمي وما قاد إليه من سيطرة عسكرية أفرز نتاجا من التسلط الثقافي, معه يبدو المشهد العالمي في ارتباك فكري, مجسدا لهيمنة تفرض شروط مرحلة لابد من التعامل معها, برغم ما يرتبط بها من متغيرات صعبة.

وتواجه الأمة الإسلامية اليوم مشكلة اختيار منهج ملائم للتعامل مع الآخر, وذلك باعتبارات العلاقة الإنسانية من جانب, وما تتعرض له الأمة من تدخل غربي من جانب آخر .

وإذا كان هذا المقال يتجاوز الخوض في ضرورات التفاعل والتعامل مع الغرب, على أهمية إدراكها, فإنه يبحث في جدوى الوقوف على الآلية المطلوبة لتحقيق الهدف الاتصالي نحو تعزيز الحوار, وتطبيق منطق التعارف والدعوة والانفتاح, في سبيل توفير مناخ من الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

إن توفير أسس التفاهم بين المجتمعات وفق منطق فكري وإدراك علمي, يستلزم مواجهة ما تتعرض له الأمة من حملات معلنة وغير معلنة, تستهدف إيجاد ترتيب عالمي جديد .. الأمة الإسلامية  فيه غريبة الوجه واليد واللسان .

ونحو توثيق إطار فاعل للتدخل تحتاج الأمة الإسلامية  إلى تطبيق المفهوم الاتصالي لهدف إيصالي, حيث أن ما يصادف العالم اليوم من تقدم تكنولوجي هائل في مجال الاتصال بعيد عما تستغله الأمة من إمكانات نحو إيصال مضامين الفكر الإسلامي الرشيد بصورته الحقيقية إلى الغرب .

ومع ما تتبناه الحداثة اليوم في الفكر العربي المعاصر فإن استلهاما مبنيا على الأسس العلمية مطلوب لتحقيق غايات التواصل وفق رؤية إسلامية تخطط للمستقبل بقدر ما تستوعب الماضي وتجيد التعامل مع متغيرات الحاضر

إن الإسلام في تصور العلاقة مع الآخر يرجح الجانب الفعلي في العمل حيث أن مضامين الكلام في التصور الإسلامي ذات دور وظيفي يؤدي مفاد التعريف بأن الكلام : "هو ما يفيد معنى ما" (1) .

ولقد أخفقت الأمة في القول والفعل بما يجسداه من مفهوم العمل في إيجاد صيغة اتصالية ملائمة للحوار مع الآخر.

إن مقاصد العلاقة الإنسانية بما يحكمها من قوانين الطبيعة تمثل قواسم مشنركة بين المجتمعات, ولابد من إيجاد آلية مناسبة لتكون الأساس لرسم العلاقة مع الآخر في سبيل تعزيز الحوار بين الإسلام والغرب .

مرتكزات العلاقة مع الآخر

إن ما تستند إليه الذات الإسلامية  من تعاليم الشريعة  استدلالا بقوله تعالى : (ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)  يقر مبدأ التنوع والوحدة في آن كما أورد الأستاذ الدكتور عبدالملك منصور- رئيس مؤسسة المنصور الثقافية  في بحثه الموسوم ( التصور الإسلامي للعلاقة مع الآخر) , وهو تنوع بشري وثقافي وديني, بل ويسن الحق في التنوع والاختلاف كمبدأ عام, وهو إلى جانب ذلك يؤكد وحدة الأصل والبنية والمهمة والبيئة والمصير, مما يعمق الوعي العام نحو تقريب الرؤى ونبذ أسباب الفرقة (2) .

غير أن شروط التعامل مع الآخر اصطدمت دوما بمعيار التفوق, وبأفكار مسبقة التقدير عن الآخر الذي يظل مجهولا أو بحاجة إلى إعادة اكتشاف .

ومنذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى اليوم ظل الشرق محكوما بأفكار مؤسسات غربية مارست التسلط الثقافي كما يقول غرامشي (3), فالغرب الصناعي بتفوق موقعه واقتصاده أفرز افكارا عن الشرق حاصرت محاولات الحوار المبني على احترام الآخر وخصوصيته وجسد ملهاة حداثية تتخذ من التفوق أسلوبا في التعامل مع الشرق, ونمطا سائدا يورث للأجيال .

وجاء التوريث بعد الحرب العالمية الثانية من الغرب الأوروبي إلى الغرب الأمريكي توريثا في المعتقد والنظرة والمقارنة فيما يخص الشرق, وتمادى الأمر إلى أن يكون توريثا في مفهوم إعادة الاكتشاف لهذه البقعة من الأرض تجاهلا لما اكتسبته من عوامل التاريخ في القرون السابقة .

إن لكل عملية اتصالية جانبين .. مرسل ومستقبل وبينهما وسط ناقل قادر على إيصال الرسالة, فإذا كان ما بمقدور الذات الإسلامية  منحصر في التعامل مع المرسل والوسط فإن إقناع المستقبل بالتقاط ما لدى الآخر من رسائل أمر خارج  عن صلاحيتها, فضلا عن أن الدور الممارس في نطاق الإرسال وإعداد الرسالة يحتاج إلى إعادة تقويم .

وبرغم من أن شعور المجتمعات الإسلامية  بالضعف والتمييز ضدها ولد حالة من المقاومة للواقع الراهن, إلا أن هذه المقاومة انحصرت في نماذج فردية وفي أفضل الأحوال .. أطر مذهبية, ولم تتمكن من تحقيق إجماع ثقافي يرسخ لمنهج التعامل مع الغرب

المعرفة والعلاقة مع الآخر

 (الروح القلقة الطموحة للأوروبين .. نافذي الصبر لاستخدام الأدوات الجديدة لقوتهم) (4) .

تمثل هذه العبارة مقدمة تاريخية وضعها جان بابتسيت وجوزيف فوريه في مطلع القرن التاسع عشر, وكأننا اليوم بعد مرور مئتي عام نقرأ هذه العبارة مع زائر جديد بامتداده الامبراطوري يعيد اكتشاف مشرق معروف بالنسبة إليه, وكأنما يعاد اكتشافه من جديد .

إن تمييز المعرفة في الميادين السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية أمر لا يمكن أن تقوم به مجتمعات غريبة عن البيئة المطلوب التعرف إليها. وواقع المجتمع الإسلامي بتاريخه وجغرافيته الراهنة لا يجدر أن يكون مجالا مكشوفا لمصالح الآخرالاقتصادية, أو ساحة لتحقيق انتصاراته السياسية, مما ينتهك حرمة مجتمعاته, ويولد الصراع بين أفراده, ويسبب المجازر الدموية على ترابه .

والمعرفة بأبعادها المختلفة تحتاج إلى ناقل أمين يحكم إيصال مفاهيمها وأخلاقياتها إلى الآخر, ويبين الدلالات الإنسانية لحقائق المجتمع, ويحترم تقاليده وضوابطه وبيئته . ولاشك أن غياب آلية للحوار غيبت المعرفة الصحيحة بالجانب الحضاري للمجتمع الإسلامي بماضيه وحاضره, وأعاقت المصالحة مع مستقبل العلاقة معه, العلاقة المستندة إلى الحوار واستبدلت ذلك بمنطق الاحتواء والإملاء مما عمق الفجوة بين الإسلام والغرب وساعد على تطرف مزدوج معه أصبح اللقاء أكثر صعوبة . وفي غياب التأثير السياسي للفكر الإسلامي على اتخاذ القرار هيمنت على المجتمعات الإسلامية  حالة من النكوص والتراجع غيبت المرجعيات, وشرذمت المجتمعات, وساعدت على استبداد الامبراطورية الغربية بطاقتها العسكرية, التي تسعى إلى إبادة طاقات المجتمع الإسلامي وإمكاناته الثقافية وبالتالي قدرته على الإنتاج الحضاري .

إن الإسهام المعرفي الذي نجده في البلاد الإسلامية اليوم هو لا شك حافز سردي, نحو تراتبية فكرية تساند المجتمعات ثقافيا, ولكنها لا تستطيع أن تنجدها سياسيا بدون تحقيق قدر كاف من العلائقية المحلية بين السلطة ورجال الفكر, مما يوحد منطق الحوار في الداخل قبل التوجه نحو المجتمعات الغربية .

ولابد أن يتولد لدى السلطة الحاكمة في المجتمعات الإسلامية اهتمام جلي بتحقيق العدالة في الداخل ومن ثمة الالتزام بالمعيار الإسلامي في تقرير موجهات العلاقة مع الآخر .

العقد الاجتماعي والحوار مع الآخر

مما جاء في تعريف كلمة ثقف في معاجم اللغة تسمية الغلام ذي الفطنة والذكاء بالثقف, وارتباط الثقافة بالفطنة يذكّر بقول المتنبي :

أفاضل الناس أغراض لذا الزمن             يخلو من الهم أخلاهم من الفطن

وكأني بالمتنبي يجسد عبء ماهو ثقافي في حياتنا, وما يتصل بذلك من مسؤوليات لابد للأمة من تحمل أعبائها قبل الخوض في أي حوار مع الآخر .

إن ما نواجهه اليوم من هيمنة وتفوق غربي يلزمنا باتباع منهجية تقويمية, تخاطب الذات أولا, وتخضع الفكر لمنهجية الرسالة الإسلامية وتعاليمها, وتساند المشترك الحضاري بين مختلف المجتمعات الإسلامية , وتدعو لإشاعة السلم وفق عقيدة التوحيد بما يوفره لنا اتباع المنهج الإسلامي من العدالة والمساواة, وما يدعو إليه من حرية.

ولابد للقاء الثقافي مع الآخر من كسب ثقة المفكرين الذين يعتمدون الموضوعية والحياد في سبيل حوار جاد يمد الجسور الفكرية مع الغرب .

وخلال العقود السابقة وصم العالم الإسلامي بصور مغرقة في السلبية  صنعها التعصب العنصري في الغرب, تعصب ترسخ في آدابه وفنونه أحيانا وفي مواقفه السياسية أحيانا أخرى, وبرغم حماسة بعض المستشرقين فإن الصورة السلبية لازالت غالبة في التصور الغربي لكل ماهو إسلامي, ومارس أثره وهيمنته الإعلامية - وما يزال - اعتمادا على هذه التصورات .

هنا نجد أن الحديث عن عقد اجتماعي بمفهوم حداثي أمر يجدر الوقوف عليه .

ولا تدعي هذه المقالة أنها بحث في تاريخ نظرية بدأها الفارابي وتمسك بها بعض مفكري الغرب الوجوديون, وإنما لا يتجاوز الأمر أن يكون قراءة للراهن في ظل ما يتوفر من إمكانات الحوار .

لقد استطاع الغرب أن يؤكد وجود العقد الاجتماعي لإخراج المجتمع من هيمنة الكنيسة, وحيث أنه لابد لكل عقد من طرفين فإن العقد الاجتماعي يتطلب أولا ، وتأسيسا على ما سبق ، التركيز على العلاقة داخل المجتمع الإسلامي وبين السلطة والفرد . وبذلك ينبغي أن يكون العقد الاجتماعي في المجتمع الإسلامي مبنيا على قبول مشترك بين الحاكم والمحكوم, في إطار ما تحكمه الشريعة الإسلامية , وهنا أقف على ما أورده الدكتور الجابري وهو يستعرض مفهوم المفكر الإنجليزي توماس هوبز الذي عمل على تقديس الدنيوي ودنيوة المقدس, حيث استند إلى المعنى الفلسفي للمادة والصورة الذي جاء به أرسطو من أن المادة هي الجانب الدنيوي أي المجتمع المدني أما الصورة فهي الجانب الروحي أي الكنيسة, وعليه فقد غير هوبز في المضمون ليصبح المجتمع المدني هو الصورة أي هو المقدس, والكنيسة موضع المادة أي هي الدنيوية (5) .

وحيث أن المجتمع الإسلامي متحرر من أعباء هذه العلاقة بما يجسده الإسلام من مفهوم التعايش الدنيوي في إطار الثوابت الشرعية, مع غياب الهيمنة الفكرية التي تعيق تحرك العقل فإن تحقيق العدالة الاجتماعية أمر متاح في ظل توفر الإرادة لدى الدولة الإسلامية  بطرفي العلاقة فيها الحاكم والمحكوم .

ومن هنا تكمن البداية للتأسيس للحرية الإنسانية وصيانة الحق البشري في إطار الدولة الإسلامية , والرضا الذاتي عن العلاقة داخل المجتمع الإسلامي وبالتالي تحقيق استقرار سياسي واجتماعي يساعد على بدء حوار فاعل مع الغرب .

إن ما تواجهه المجتمعات اليوم من تحديات مختلفة تؤثر في إنتاجيتها الفكرية يستلزم تحديد الأولويات للحوار بين الحضارات . كما أن بعض الأصوات التي تركز على مبدأ الصدام تاريخا وحاضرا ومستقبلا إنما تجسد واقع الهيمنة السياسية للتفوق العسكري في ظل ضعف المجتمعات الإسلامية  وتفككها .

إن من الضرورات اليوم أن يبذل الجهد لتحقيق مبدأ الحوار مع الآخر وفق عقد اجتماعي يحترم الحريات ويصون الحقوق ويؤمن الإنسان من الخوف .

لقد علمنا التاريخ أن الصراعات نتاج تباين ثقافي ارتبطت به مؤثرات اقتصادية واجتماعية, وجسدته حالة الخوف من الخطر القادم بسبب التباين في الدين أو الفكر, وبذلك فإن الثقافة قد تكون أداة للحضارة والتلاقي أو صيغة للصراع والعنف (6) .

إن الدعوة إلى ترسيخ ثقافة السلم بما تحتويه من رصد لجوانب الائتلاف تصيغ إضافة إلى جهود التلاقي بين المجتمعات .

ونحو تجاوز القطيعة بين ماهو سياسي وماهو ثقافي فإن عملية لإعادة صياغة الفكر في مجتمعاتنا الإسلامية معول عليها أن تتجاوز أسباب التطاحن السياسي والفرقة والانقسام, ولابد أن تكون الوظيفة الاجتماعية التي يؤديها المثقفون أساسا في تشكيل البعد السياسي في الواقع الإسلامي .

كما أن الدور الإعلامي الباهت في المجتمعات الإسلامية ساعد في تغييب الفكر الإسلامي عن المشهد الدولي, فإذا بالفلسفة العربية الإسلامية وما أثرت به في النتاج العالمي مظلومة شرقا وغربا.

إن وسائل الاتصال ببعدها الجماهيري تتطلب تشكيل حالة من الوعي العام بالسلوك القويم المطلوب من الدولة الإسلامية  تطبيقه

فالمعالجات الإعلامية لا ينبغي أن تظل في إطار ردود الأفعال, بل يجب أن تأخذ زمام المبادرة في إعلان الحالة الثقافية للمجتمع الإسلامي ومدلولات العلاقة مع الآخر استنادا إلى الشريعة السمحاء

فالاختلالات المصاحبة للنهج الإعلامي في الزمن الراهن هي انعكاس لما يعتري المجتمع الإسلامي من تمزق وتشتت, وبعد عن كليات التصور الإسلامي, وغياب لوحدة الخطاب فيما يتعلق بالقضايا ذات الأولوية على المستوى العام, وفي مقدمتها تحقيق الذات الإسلامية  على أسس من التفاهم والتلاحم والوئام .

فالإعلام مرئيا ومسموعا ومقروءا هو صيغة اتصالية, لابد من دراسة مضامينها, واستيعاب آثارها المحتملة وفق دراسة منهجية .كما أن الاتصال المباشر عبر الحوار بين المجتمعات يمثل عنصرا رئيسا في توثيق العلاقات, وتجاوز الاختلافات نحو البحث عن المشترك الثقافي دونما إقصاء أو إلغاء أو إغفال للآخر, وانما انتهاجا للوسطية في التعامل ورفضا لفوقية الخطاب .

إن الازمة الراهنة وما تمثله من تفاوت في الفكر والثقافة بين الإسلام والغرب تتطلب تكثيف البحث في جوانب اللقاء بعقلانية وسعة صدر, والتركيز على القيم الإنسانية بما يعزز فهم الآخر ويعترف به .

وخصائص المجتمع الإسلامي الحضاري هي في حد ذاتها صيغة للحوار, وأساس انطلاق نحو تقليص الهوة بين الإسلام والغرب .

وكي لا تكون العلاقة جانبا من الثنائية الضدية كما ذكر أحد المفكرين فإن أصالة المجتمع الإسلامي هي ثابت يحمي العلاقة مع الغرب من مضاعفات التخلي عن الموروث الإسلامي, ويجسد الفكر الجمعي المعزز لنمط علمي في تعزيز الحوار (7) .

إنه من الأجدر بنا كأفراد في المجتمع الإسلامي أن نصنع من تجاربنا وإخفاقاتنا سبباً للنجاح, نحو الخروج من نفق الراهن المظلم إلى آفاق مستقبل مشرق بالتوحيد والعدالة والحرية .

  محاضرات أخرى