|
أولاً: مقدمــة:
ماذا تنتظرون من باحث شغل طيلة حياته بالفلسفة وهو
يتناول بالبحث والكتابة تاريخ الجزائر؟ هل يتوقف امام المراحل
المختلفة التى تعرض لتاريخها القديم أو الوسيط أو المعاصر، ليتحدث عن
نشأتها وعن العلاقة بين ولاياتها المختلفة والإحداث الجسام التى مرت
على الوطن الجزائرى؟ أم يعرض لما دار من حروب بين الفاتحين الغزاة
والمقاتلين الوطنيين من أهل البلد والمواقع الحربية التى خاضها الشعب
الجزائريين ومعاناتهم فى التصدى لحصار العدو وحربه أو تتبعه وإلزامه
بالفرار والعودة إلى داره؟
سيتوقف أمام العلاقة بين الفلسفة والتاريخ؟ كيف يمكن
أن تقرأ الفلسفة التاريخ وكيف يمكن أن تصاغ إحداث التاريخ فلسفياً،
بحيث يتجاوز تاريخ الحكام والحروب إلى تاريخ حضارى شامل وهى أنه فى
الحقيقة علاقة قال عنها أرسطو وهو بصدد الحديث عن الفن، أن الفلسفة
باعتبارها بحث فى الكلى على العكس من التاريخ، الذى يتوقف أمام
الإحداث الزمانية الوقتية، هى أقرب إلى الفن منها إلى التاريخ.
هذه الفكرة ترددت فى ذهنى كثيراً وأنا أجاهد فى قراءة
بعض المخطوطات المتعلقة بتاريخ قسنطينة. وهذه المجاهدة ليست بسبب
ندرة المخطوطات وقلة العناية بها فقط وضياع وفقدان ونقص أجزاء منها
بل أيضاً بسبب نقص معرفتى "بالهدرة" اللهجة الجزائرية. ومع هذا فإن
هناك ما يشى فى عبارتى السابقة التى استشهدت فيها بأرسطو بابتعاد
التاريخ عن الفلسفة واقترابها من الفن، أقول هناك ما يشى بإن فى تلك
المخطوطات التى سأحدثكم عنها ما يقربها من الفلسفة والفن رغم كونها
مخطوطات فى التاريخ. ولكن كيف ذلك؟
دعونى أخبركم بأننى قصدت معهد المخطوطات واستشارات
فهارسه ووجدت عديد من المخطوطات فى موضوعات شتى فى التاريخ توقفت
أمام أثنين منها تدور حول تاريخ قسن طنية وهى جميعاً من المغرب مصورة
عن مكتبة الرباط وتحت رمز D709.
سوف أعرض على التوالى لمحتويات المخطوطين واصفاً
كلاهما عارضاً بإيجاز شديدة بداية ونهاية كل منهما متوقفاً أمام ما
يظهر لى أنه أهم القضايا التى تعرض لها مؤلفيهما. مقارناً بينهما
فالأول يخصص حديثه عن دخول الأتراك قسنطينة، والثانى تعمم بحثه حول
تاريخ قسنطينة الأول أقرب ما يكون إلى بيان البايات وفترات توليهم
الحكم سواء من الأتراك أو الفرنسيين. يتضح منه مسألتين الأولى ارتباط
قسنطينة بحكم الباشا فى الجزائر وخضوعها السياسى له. والمسألة
الثانية العلاقة الرباعية بين المواطنين والحكام والبايات وبين الدول
المجاورة وموقف باشا الجزائر من الأطراف الثلاثة.
ويتوسع المخطوط الثانى ليشمل ما يتعلق بقسنطينة
بنائها، أسمائها، مكانها، الأقاويل التى قيلت حول تأسيسها، تاريخها
القديم، عمرانها، الصورة التى كانت عليها، الأسوار، الأبراج،
الأبواب، حكامها الأوائل وحكامها المسلمين، الأتراك، الغزوات التى
حلت بها. أشكال السلطة والحكم فيها علاقتها بالجزائر علاقتها بكل من
تونس والمغرب وهى موضوعات من السعة والتنوع ما يجعلنا نرى فى هذا
المخطوط عملاً أقرب إلى التأريخ السياسى الاجتماعى الثقافى العمرانى
لقسنطينة.
وسوف نبدأ بالمخطوط الأول الذى لم يذكر فى بدايته أو
نهايته اسم مؤلفه وأن كنا نستطيع عن طريق الاستنتاج تحديد فترة
كتبته.
ثانياً: فريدة منسية فى دخول الترك قسنطنية:
المخطوط الأول: مجهول المؤلف، يتكون من 207 صفحة
مفقود منه 141 صفحة مرقم من الصفحة الأولى حتى السابعة والخمسون ثم
من الصفحة رقم 198 حتى 207، عدد سطور كل صفحة حوالى 12 سطراً، يحيط
بكل صفحة إطار، هوامشه ممتلئة بتعليقات بالفرنسية، فى نهايته جدول
بأسماء [البايات] الحكام من العرب والترك مع سنوات حكمهم بالتقويم
الهجرى ثم حكام الفرنسيين وسنوات حكمهم بالتقويم الميلادى. ويستنتج
فى صفحة 200 أن تاريخ كتابته حوالى 1847 ملحق ميلادية به قصيدة فى
مدح قسنطينة وأهلها (ص201-203 وما قاله بعض المداحين غير الطلباء وهى
قصيدة بالعامية الجزائرية وقصيدة ثالثة قصيرة مما قاله السيد محمد
الشاذلى لأهل قسنطينة.
يقول فى بداية المخطوط بعد حمد الله:
"ولما كانت الأخبار السابقة والآثار السالفة تحتاج كل
[جهد] الحاذق إليها والذكى الفاهم لمطالعتها أن يتقصى الحال لذلك
ترجمة لطيفة وجدة مستحسنة طريفة لمن أرادها من ذوى العقول الراجحة
وجلساء السلاطين والملوك القاهرة فالزمت نفسى لقرع هذا الباب
واستعلمت فكرى فيما رضوه منى أولئك الأحباب وسميتها "فريدة منسية فى
حال دخول الترك بلد قسنطينة" واستيلائهم على أوطانها وذكر شيئاً
مستفاداً من سيرة باياتها إلى انقضاء دولتهم واحتواء الفرنسيس على
مملكتهم".
وفى نهايته يقول: "وجد فى بعض عقود الأملاك
والظهراوات ما هوتصححياً وتحقيقاً للكتاب المشار إليه من دار سيدى
الشيخ ابن البكون ومن دار ابن كجك على وعلى يد سى الحاج أحمد بن
المبارك وعلى يد أولاد سيدى معمر وخلاف ذلك غير ما هو سطرناه من
تقديم وتأخير بايات قسنطينة حسبما نذكر مجردين وبالله نستعين...
أما دخول الأتراك فى قسنطنية عام 1052 ويذكر 42 أسماء
باياً من حكامها. منهم أحد عشر باياً أخبارهم غير موجودة فى الصفحات
التى لدنيا، حيث تحدث عنهم فى الصفحات المفقودة. وأول من ذكرهم هو
فرحات باى، الذى تولى 1058 وآخرهم حاج أحمد باى ابن محمد الشريف تولى
عام 1241. أما حكام الفرنسيس بعد ما كان من دخولهم بالعسكر فى
قسنطينة يوم الجمعة 12 أكتوبر 1837 بداية من تولى سعادة الجنرال
نيفريه أواسط يناير 1837 حتى رجوع سيدنا ولد السلطان سعادة السيد دوك
دوماك مرة ثانية على سبيل الضيافة فى 2 يونيه ولما رجع، كان ركوبه
1847 فتعلقت به قلوبنا وانبعثت إليه أشواقنا تم".
وبين فرحات باى وحاج أحمد باى مسائل تذكر:
1 – المسألة الأولى ارتباط قسنطينة بالجزائر ومراعاة
الدولة العثمانية والحضرة العليا مما يتضح فى موقف فريق من أهل
البلاد وسيدى الشيخ ابن البكون وباشاً الجزائر.
حيث كانت بداية احتلال الترك مدة حكم صاحب ولاية تونس
لها، وكان الترك قد ملكوا الجزائر وبعد تملكهم قدموا إلى قسنطينة
وراموا دخولها من غير حرب ولا قتال فلم يتح لهم شيئاً من ذلك إلا بعد
المقاتلة الكثيرة والمحاصرة الطويلة. واختلف أهل البلاد فى الرأى
ففريق مهادين اذعن للاحتلال ورأى تسليم البلاد والراحة من الجهاد
وآخر رفض فهذا أمر قبيح. وحسم الأمر موقف الشيخ ابن البكون، الذى
أشار عليهم بعدم المقاتلة ودخل الترك قسنطينة. مما أدى إلى رضا باشا
الجزائر، الذى أرسل بخطابين أحدهما للشيخ ابن البكون فيه تقدير
لموقفه ورضى عنه وتوصيه بالترك وطلب الدعاء والثانى إلى "ناس البلاد"
لكونهم أثروا العافية عن الفتنة وحقن الدماء فنعم ما صنعتم وخير ما
عملتهم باتباع ابن البكون.
ومن الواضح هنا وجود موقف للعامة أو أهل البلاد، الذى
يظهر فى موقف بعضهم من الاحتلال وبعده حين لم يرضوا عن حكم الأتراك
خلال فترة سبعة أعوام من الجوع والشر وأهل الوطن خارجون عن الطاعة
فاجتمعوا مع الترك على الكتابة إلى باشا الجزائر ليجعل لهم حاكماً
عادلاً ففى ذلك تحقيق للأمن فأهل البلاد [الثوار] إذا وجدوا حاكماً
يدخلون كلهم فى طاعته. فكان موقف حاكم الجزائر هو ترك الحرية لهم
ليختاروا من يصلح فلم يروا أصلح من سى فرحات حاكماً عليهم.
2 – المسألة الثانية تتعلق بتلك اللمحات التى يعطينا
فيها المؤلف إشارات موجزة مقتضبة حول ما يمكن أن نسميه المربع الذهبى
والمقصود به ليس بالطبع الدور قبل النهائى فى بطولات كرة القدم، لكن
المراكز الأربعة الأساسية التى تتحرك انطلاقاً منها إحداث تاريخ
قسنطينة وهى: الباى فى قسنطينة والباشا الحاكم فى الجزائر والعدو
الغازى الذى يأتى دائماً من تونس وناس الوطن أو العرب من مواطنى
الولاية.
وتدور هذه الإشارات حول عدل وظلم البايات ومواقف
المواطنين منها وموقفهما من العدو القادم من خارج الحدود وإلى أى هذه
المواقف ينضم الباشا فى الجزائر.
يخبرنا المؤلف عن موقف ناس وأكابر الوطن من الترك بعد
استيلائهم على قسنطينة والفوضى والمجاعة والظلم الذى عم، هذا الموقف
المتمثل فى ضرورة وجود حاكم عادل وهذا يعنى بالنسبة لنا حضور
المواطنين السياسى ومشاركتهم فى اختيار الحاكم (ص7). وهو يصف سى
فرحات هذا الذى اختاره مواطنى قسنطينة بأنه كان ذا عقل ودار كبيرة
فاتفقوا عليه فدخل الناس فى طاعته وأذعنوا لحكمه واذهب عنهم الفتن
وكثر الرزق (ص8).
وقد تكون للباى الحاكم "سيرة مليحه" وهو الوصف الذى
يصف به المؤلف رحم باى (تولى 1077) وهو عم محمد باى فرحات وهو الذى
بنى فى قسنطينة جامع (ص9). أو أن يكون ظالماً مثل دالى باى (توالى
1087) يأخذ أموال الناس بالباطل اشتكى منه أهل قسنطينة إلى الباشا
فقتله. وهذا يمثل رفض المواطنين للظلم واستجابة حاكم الجزائر لمطلبهم
(ص10).
ويصف على خوجه باى (تولى 1104) بأنه رجل مليح أحكامه
بالعدل وسيرته مرضية (ص10). وحين يتناول أحمد باى يذكر أنه صاحب
ديانة وله فى الحروب شجاعة، وكذلك صالح باى الذى كانت سيرته كما كتب
المؤلف سيرة طيبة. كما يذكر لنا وقوع فتنة عظيمة بين صالح باى وناس
قسنطنية الذين أرسلوا للباشا فعين لهم حاكماً آخر.
ويصف حاج مصطفى باى انقليز وهو تركى قديم من قسنطينة
بأنه رجل عاقل وصاحب العرب وولايته تشبه ولاية صالح باى فى الرخاء
والعافية وتمهيد الوطن. وهو وصف يقترب مما يصف به عثمان باى، وكان من
بايات وهران وهو رجل حزم فى أموره يكره الترك من أجل ظلمهم ويحب
العرب. وكذلك على باى بن يوسف وكان عدلاً بين العرب والترك.
3- المسألة الثالثة وتتعلق بالعلاقة مع تونس. وهى
تنقسم إلى علاقات جوار يحدث فيها التعايش أحياناً والحرب أحياناً
أخرى وهنا نجد أنفسنا أمام حالتين لا ثالث لهما، الأولى حالة غزو
والى تونس لولاية قسنطينة مثلما حدث فى عهد حسين باى والحالة الثانية
هى غزو قسنطينة وسيطرتها على تونس ومن ذلك استيلاء حسن باى بوكمية
على تونس ويصف المؤلف ذلك أنه أخذها (أى لتونس) بغير حرب ولا قتال
ولا معارضة. وأيضاً فى عهد الباى رزق العين، الذى قاتل حاكم تونس مما
جعله يهرب ويطلب أهلها الأمان حتى يتمكنوا من خداع باى قسنطينة.
ويحدثنا المؤلف المجهول عن هذه الحالات ففى الحالة الأولى يكون موقف
أهل البلاد رفض الغزو وصد الاحتلال وعدم قبول التسليم له مثلما حدث
فى غزو الشريف نوار، فكان موقف القسنطينين "نحن لا نسلم بلادنا
ونقاتلكم حتى نهزمكم أو نموت جميعاً" وحين يعرض لغزو قسنطينة لغيرها
يوضح استيلائها بسهولة على أراضى العدو وخضوع أهله للفاتح القسنطينى.
ويؤكد هذا الاتجاه، الإعلاء من قدر قسنطينة إلحاق
المؤلف للقصائد الثلاثة التى تتناول قسنطينة بالإشارة وأهلها بالمديح
الخليق بها. مما يجعلنا ننتقل إلى المخطوط الثانى الذى كتبه الشيخ
الحاج أحمد بن المبارك العطار وهو تحت عنوان "تاريخ قسنطينة" وابن
المبارك العطار ممن يشير إليهم صاحب العمل السابق "فريدة منسية فى
تاريخ دخول الترك بلد قسنطينة". إلا أن عمله الحالى الذى تعرض له
أوسع زمانياً من الـ "فريدة المنسية" يتناول "كل" تاريخ قسنطينة ولا
يتوقف عند فترة الحكم الأتراك.
ثالثاً: ابن المبارك وتاريخ قسنطيية:
يقدم لنا المؤلف الشيخ الحاج فى كتابه بعض أخبار
قسنطينة انطلاقاً من واجب علمى يستشعره وهو عدم الوقوف على مثل هذا
التاريخ لأحد من العلماء من قبل، وقصور المراجع التى تتناول هذا
الموضوع، وعلى هذا فهو، وكما يتضح من المخطوط السابق الذى تناولناه
وما جاء فى نهايته التى يشير فيها إلى اعتماده على ابن المبارك فإن
هذا العمل أسبق زمانياً من مخطوط "فريدة منسية فى تاريخ دخول الترك
بلد قسنطينة". وهو يعرض كما ذكرنا لموضوعات أكثر تنوعاً واتساعاً.
وسوف نتوقف أمام بعض الموضوعات التى تناولها بهدف بيان صورة قسنطينة
عند أبنائها.
1 – بناء قسنطينة:
يذكر لنا ابن المبارك العطار اختلاف الأقوال حول من
بناها ويحدد هذه الاختلافات هذه الأقوال فى :
- من بناها هو الذى بنى القسطنطينية العظمى
وقام بالبناء عامله على أفريقية ونسبها إليه وقيل غير ذلك.
- أنها مدينة قديمة بناها الذى بنى قرطاجنة
بقرب تونس وكان فيها كرسى أفريقية.
- ويضيف من عندياته ناسباً ذلك إلى أصحاب التاريخ
دون تحديد من هم قائلاً ذكر أصحاب التاريخ أن قرطاجنة بنيت زمن
إبراهيم الخليل "وهى عامرة لم تطفى لها نار".
- ويصفها بأنها كانت فى سالف الزمان تسمى الحصن
الأفريقى ويضرب بها المثل فى التحصن، وهى مبنية على جبل والهواء يحيط
بها من كل جهة "كما الخاتم فى الأصبع" أو يقول: المدينة مبنية على
أقواس وبناء عظيم إلى باب الوادى".
ويظهر أن المؤلف يعرض ويقارن ويناقش الآراء المختلفة
التى قيلت فى المدينة حيث يخبرنا أن "القول أن المدينة كلها بنيت على
فراغ قول لا يصح". ويحدد لنا طريقة بنائها وبناء مرافقها، فأهلها إذا
أرادوا بناء بئر أو ساقية لماء المطر أو أزبال المدينة كسروا الجبل
بالبارود والمعاول.
ويصف آثارها حيث كان يحيط بها سور عظيم من كل ناحية،
وقد انهدم لطول زمانه وأن بقيت آثاره إلى اليوم، وكان بها سبع قناطر
[يحدد لنا مواقعها] وقد انهدمت واختلف الرواة فى سبب هدم القناطر.
يذكر لنا سبب الهدم حتى يتسنى له تفصيل تاريخ قسنطينة، يقول هناك رأى
أنها هدمت بسب طول الزمان، ورأى آخر أنها هدمت فى زمن الكاهنة، التى
سيتحدث عنها فيما بعد.
ويواصل المؤلف بيان آثار المدينة ففيها ساقية بديعة
بنيت تحت الأرض بهندسة وميزان وأقواس غاية الإتقان. وبها من جهة
المغرب برج بقيت منه بقية يعرف ببرج أسوس كانت فى غاية العلو
والارتفاع ، أعلاه فناره، ويرجح أنه من بقايا الملوك الحفصيين ويرتبط
ذلك بحصانة المدينة وأن دلل على ذلك ببراهين خطابية يقول:
يقال أن حكماؤها الأوائل العارفون بوضع الطلاسم وعلم
النجوم جعلوا باب الوداى بحيث لا يدخلها عدو. ويضيف: مقيد على ظهر
كتاب أنها غزيت ثمانين مرة فلم يدخلها عدو ولا نال منها غازى. بسبب
سور بداخل باب الوداى".
2 – علاقتها بجيرانها:
ويتابع ابن المبارك بالتفصيل تاريخ قسنطينة ويشير إلى
فترات كانت فيها تحت طاعة سلاطين المسلمين: المرابطين والموحدين وبنى
مرين وتارة تحت طاعة سلاطين تونس إلى أن دخلها الأتراك الجزائريون
فقد غازها أبو عنان المرينى وغازها مراد باى بن على باى حاكم تونس
عام 1112 وهو الذى ضرب القلعة وبعث بمدافعها إلى تونس وحين خرجت محلة
الجزائر لنصرتها رحل عنها مراد باى. وهنا يظهر غلبة الطابع الثقافى
للجزائر على الطابع العسكرى لتونس. ففى مقابل تخريب مراد باى للبلد
وأزل ما فيها إلى تونس جلب الجزائريون إليها حين دخلوها كتاب البخارى
وكتاب الشفاء ومصحف القرآن العظيم (ص263).
يوضح لنا المؤلف صمود قسنطينة وطردها للغزاة سواء
القادمين من المغرب أو تونس، فحين غازها الشريف الأحرش وهو مغربى
يزعم أنه من شرفاء فاس عام 1219 كان حاكمها عثمان باى، خرج إليه قائد
الدار الحاج بن أحمد بن الابيض وانضم إليه ناس قسنطينة انهزم الشريف
وفر هارباً.
ويصف صمود قسنطينة أمام حملات وحصار حمودة باشا تونس
ورجاله فلم يقدروا عليها، رغم أنه ليس بها باى ولا خليفة ولا عسكر
سوى أهل البلد وقليل من الأتراك. هنا خرجت جماعة عظيمة من الجزائر
معها أحمد أغا ولقيت حسين باى ووصلوا جميعاً إلى قسنطينة وقاتلوا
التوانسه حتى انتصروا.
يقول المؤلف: "لم يدخل أحد هذه المدينة وكل من أرادها
بسوء رجع عليه إلى أن كتب الله دخول الجند الفرنسوية إليها عام 1253.
3 – ويحدثنا المؤلف عن التوافق والصلح والوئام بين
القوى الاجتماعية والسياسية فى قسنطينة الذى يحدد مشاركة كل منها فى
الحكم: الأتراك والعرب والقبائل. "حيث يكون تصريف الوطن بينهم
الثلاث: ابن على شيخ العرب، وشيخ نجع الحنانشة والحاكم التركى، الذين
اتفقوا على الصلح وتعاهدوا عليه. وظل هذا الوضع على تلك الصورة حتى
وقت المؤلف، فالباى إذا أتته خلعة الولاية من الجزائر يتقلدها هو
أولاً ثم بعده شيخ العرب وبعده شيخ الحنانشه، فولاياتهما كما يقول
كولاية الباى (ص288) المهم هو تباين الاتجاهات التى أبداها أهل
قسنطينة من الصلح مع الترك فهناك من أذعن ورضى عن دخولهما قسنطينة
مثل العالم الجليل سيدى عبد الكريم البكون مقابل من أمتنع ولم يقبل
التسليم مثل سيدى عبد المؤمن، الشيخ الكبير النسيب الشهير. فهو من
الذين قابلوا الترك بالعداوة ثلاث سنين ثم غدر به وقتل مكراً وكان
شيخ ركب الحجاز فتولى بعده المشيخة ابن البكون، والذى أصبح ولذريته
المزايا العديدة حتى زمان المؤلف كما يخبرنا لرضاه وقبوله دخول الترك
للولاية.
4 – ويشير المؤلف إلى قضية انحسار الحكم فى عائلة
واحدة بقوله كانت ولاية قسنطنية لأولاد فرحات باى، منهم على خواجه
المتقدم ذكره، وغيره يتوارثونها بينهم. وهم من أسرة عربية، إلا أنه
حين ظهر عجزهم وضعفهم عن مقاومة العربان وأهل الوطن جاء حاكم تركى من
عسكر الجزائر هو حسين كليانى يصفه المؤلف أنه كان بطلاً شجاعاً.
استطاع أن يدبر أمر الرعية أحسن تدبير، وإطاعه الجميع، بنى الجامع
الأعظم بسوق الغزل وهو الجامع الذى صار اليوم (على عهد المؤلف) متعبد
الفرنسيس. وقد استطاع حسين كليانى مهاجمة تونس فى صراعها مع الجزائر
واستولى عليها.
وقد تولى بعده حسن باى بوحنك، وهو كما يصفه أن
المبارك رجلاً داهية، اجتمع مع الولى الصالح الشيخ الشلجى فى حاجة
عرضت له عنده وهنا يلجأ المؤلف إلى تجسيم صفات الولى الصالح، وقدراته
بشكل يوضح لنا مدى إيمانه بكرامات الأولياء، فإذا أهوال عظيمة أحاطت
بحسن باى حين استهان بالشيخ، حيث رأى نفسه جالساً على هواء عظيم
والنار تشتعل تحته وشاهد ما لا طاقة له على رؤيته، فاستغاث بالشيخ
وحسنت نيته فيه واعتقد فى كرامة الأولياء فإغاثه وإعطاءه الباى داراً
وأرضاً وجعل له زاوية ببلد أولاد عبد النور لازالت موجودة ومعروفه
بأسمه حتى الآن. وحسن باى بوحنك هو الذى بنى الجامع الأخضر وجعله
عليه أوقافاً وحين مات دفن به.
ويتوقف عند حسن باى أزرق عين، الذى تولى خاله ولاية
الجزائر فارتفعت منزلته وعلت كلمته وقويت العداوة بين باشا تونس
وباشا الجزائر الذى عزم على غزو تونس وقتل حاكمها فى عام 1169.
ويحدثنا عن تولى صالح باى مكان أحمد باى فى عام 1185،
وقد حسنت أيامه وبلغ ما لم يبلغ من هو أكبر منه من ولاة الجزائر
وولاة تونس وجمع من الأموال ما لم يجمعه غيره، وبنى جامع سيدى
الكتانى وغرس البساتين المعتبرة وكانت له اليد العليا على صاحب تونس
وغيره. قام بتعمير البلاد وبناء القنطرة التى أحضر لها المهندسين من
بلاط النصارى. وأنفق عليها أموالاً عظيمة وسعدت الناس فى دولته ودام
حكمه نحو 22 سنة وأخباره مشهوره وصداقاته مأثورة.
وقد خرج صالح باى على طاعة باشا الجزائر، أى استقل
بولاية قسنطينة وتمتع أهل البلد بمزايا عديدة تتمثل فى أوامره إلى
جنوده بحسن المعاملة وتشجيعه لفتح الأسواق والبيع والشراء بلا خوف.
مما أثار حاكم الجزائر الذى غضب غضباً شديداً ,أراد تجهيز الجيوش
لمحاربته وتخريب قسنطينة. إلا أنه عدل عن ذلك بتعيين حاكم جديد هو
حسين باى الذى ولاه على قسنطينة وسار إليها فى قوة من العسكر
والعربان لملاقاة صالح باى الذى أراد أن يستعين أهل البلدة لنصرته
على الوالى الجديد الذى عينه باشا الجزائر فلم يجيبوه إلى ذلك كما
يقول المؤلف لم يرضوا بالخروج عن طاعة الجزائر ووقعت الفتنة وانحاز
الأتراك إلى صالح باى ثم سرعان ما انفضوا عنه فلم يبق معه إلا القليل
وتم النصر للباى الجديد الذى دخل قسنطينة وتم له الأمر.
رابعاً: تعقـيبات
لعلنا بدأنا بإعلان الرغبة فى قراءة مخطوطات تاريخ
قسنطينة عبر رؤية كلية فلسفية وتوصلنا إلى عدة سمات تميز توجهات
أصحاب هذه المخطوطات يظهر بعضها من العنوان، إلا وهو الحضور أو
الاحتلال التركى، الذى يمثل شرعية الحكم فلا يوجد فى المخطوطات أية
جمل أو عبارات مباشرة واضحة أو غير مباشرة تشير إلى الترك باعتبارهم
محتلين أو غزاة رغم كونهم ليسوا بعرب، هم مسلمون وهذا يكفى لإكسابهم
الشرعية صحيح قد يكون هناك بعض الانتقادات إلى هذا الحاكم أو ذاك،
إلا أن هذه الانتقادات ليست لسبب كونه تركيا أو غير تركى بل بسبب
ظلمه أو عدله، حضور مهارته السياسية وغيانها، دهائه ومكره.
ويترتب على ذلك أن باشا الجزائر وهو ممثل السلطان
العثمانى، هو الذى يعين الولاة ويعزلهم ويساندهم ويؤازرهم فى رد
الغزاة الطامعين فى ولايتهم أو يدفعهم بالمال والعتاد والجند والسلاح
لمهاجمة جيرانهم. كما يتدخل فى تقليب بعضهم على بعض من خلال الدسيسة
أو القتل بالإضافة للعزل. وكانت طاعته واجبة فهو الحاكم الأعلى وممثل
السلطان ولا يجوز الخروج على طاعته. ومن هنا الارتباط السياسى
والإدارى بين قسنطنية والجزائر فالأولى تتبع الثانية.
الملاحظة الثانية التى تظهر لنا هى أنه رغم محاولتنا
وقراءة تاريخ قسنطينة قراءة اجتماعية شاملة فإن المؤلف يبنى عمله على
الأشخاص سواء أكانوا حكاماً: الباشا والباى أو أعياناً شيوخ أو
أولياء صالحين. فالشخصية التى تكاد أن تكون هى الشخصية المحورية فى
المخطوطين هى شخصية الشيخ البكون الذى يستمع الجميع لآرائه ويطيعون
أقواله وهو الناصح الأمين المسموع الكلمة يثنى عليه الباشا الحاكم فى
الجزائر وذلك لموقفه من الأتراك وترحيبه بدخولهم قسنطينة بغير قتال
وذلك من أجل حقن الدماء ووأد الفتنة. ويظهر التاريخ الشخصى ليس فقط
فى وجود شخصية محورية هى الحاكم التركى فى الجزائر، الذى يدير
الأحداث ويختار حكام ولاية قسنطينة ولكن أيضاً فى استمرار الحكم فى
عائلة واحده يخلف السابق فيها اللاحق. وتلك سمة عامة نلاحظها فى
أيامنا هذه.
الملاحظة الثالثة أن شخصية الوطن، ناس الوطن أكابر
الوطن، الشيوخ، الأولياء الصالحون، القبائل، العربان لها دورها
الكبير فى توجيه الأحداث ومناصرة الحكام وطاعتهم أو عدم الاستجابة
لهم ورفض الانصياع لما يدعونه.
الملاحظة الرابعة هى حضور قسنطينة القوى بتاريخها
وآثارها وأسواقها وأسوارها وأبراجها ومساجدها وأبوابها وقلاعها
وجبالها كسد منيع وحصن قوى ضد كل الغزاة لا يستطيع أحداً منهم غزوها
مهما بذل من جهد، فهى ليست فى متناول أى مغامر يحلم بدخولها وإلا لقى
الصعوبات والقتال الذى لا ينجو منه.
الملاحظة الخامسة والأخيرة الخاصة بالحضور الثقافى
بالإضافة للحضور التاريخى السياسى للحكام والأحداث والمعارك والحضور
الع |