المحاضرات
المؤلفات

 

المواد الأدبية والإجتماعية بالتعليم الثانوى بتونس

والتربية على التسامح

 

 عرفت البرامج التعليمية والتربوية التونسية بجدتها وعمقها وبمواكبتها لأحداث المناهج والتقنيات الحديثة فى تكوين الناشئة وتلقينها مبادىء العلوم والآداب والفنون ضمن الحرص على الموائمة بين الأصالة والمعاصرة وخصوصيات الكيان الحضارى ومكتسبات التقدم العلمى والمعرفى.

حتى غدت برامج التعليم فى تونس تحظى بثقة وصيت عالميين ، ولعل ما يشد الانتباه هو أن برامج التعليم فى تونس عرفت عناية ورغبة فى الإصلاح منذ زمن بعيد إذ ظهر فى أوائل القرن العشرين مشروع " إصلاح التعليم الزيتونى" ثم " مشروع تطير برامج التعليم الزيتونى " وإدخال العلوم الحديثة ضمن تجربة " الشعبة العصرية "1 بالجامعة الزيتونية، غداة استقلال البلاد سنة 1956م ، ومثلما تم ذلك فى أغلب البلدان العربية التى حصلت على إستقلالها فى الخمسينات فقد تواصل المد الإصلاحى ضمن التعليم مع دولة الإستقلال التى أولت العلوم والمعارف العصرية المكامة اللائقة ، وهو ما يتواصل فى العهد الجديد الذى أولى التعليم بمختلف شعبه ومراحله المكانة اللائقة ودعم أركانه بما يستجيب لحاجيات التقدم والتحديث والمحافظة على مكونات الشخصية الوطنية والحضارية، غير أن ما يلفت الإنتباه ويستدعى الإهتمام والدراسة هو حضور المنحى الإنسانى التربوى فى برامج التعليم بتونس العهد الجديد هذا المنحى الذى تجلى فى " التربية على التسامح وأخلاقيات السلوك الحضارى " وهو ما سنجعل منه موضوعاً لمقاربتنا هذه التى سنخصص جزءها الأول لبيان أسس الإصلاح التربوى الحديث وأهميته فى تكوين شخصية الفرد وبناء المجتمع المتوازن وسنتخذ مشروع الإصلاح التربوى فى تونس ما بعد تحول السابع من نوفمبر نموذجاً لذلك.

 

1-   المقررات التعليمية والإصلاح التربوى وبناء الشخصية الوطنية الحديثة.

تكاد تجمع المناهج التربوية ونظريات علم النفس وعلم الإجتماع التربوى على أن التعليم المدرسى ثم الثانوى هو الذى يغرس الوعى بالشخصية والإنتماء الحضارى وبمحبة الوطن ، وبمعنى الوطنية ذاتها. إن المدرسةهى موضع إنشاء الأنا ذاتاً مفكرة مؤسسة وذلك منتهى معنى الإنسانى وما التربية فى نهاية الأمر إلا حمل الأنا الفردى على الإرتقاء إلى مرتبة الأنا الجماعى ثم الإنسانى ويكون واعياً متحرراً من الأفكار الجامدة والأقوال الدوغمائية ( الوثوقية) التى قد تؤخذ مأخذ المسلمات والمطلقات وهذا الإرتقاء بالوعى الفردى من نمط فى الوجود والحياة إلى نمط آخر مختلف بالنوع لا بالدرجة يحصل بموجب فعل مطلب " المعرفة " هذا اللفظ العربى الدال فى كل تصاريفه وإشتقاقاته على الإرتفاع موضعاًووظيفة وغاية.

ولما كانت المدرسة تمثل المؤسسة التى فيها تينع إنسانية الإنسان ، فهى مرجع كل القيم بإستمرار كما تمثل مقياساً لحقيقة التوجهات الإنسانية للدول ودالة على ما تطلبه الشعوب من قيم 2 .

 

ويبدو إنه لهذا الإعتبار طغت على النظم التربوية بعيد الحرب العالمية الثانية 1945 المعايير الإقتصادية سعياً لتجاوز مخلفات ويلات تلك الحرب .  ويوم أعلن غاندى مخططه التربوى سنة 1938 ركزه على أساليب العيش والعمل اليدوى الريفى ووضع من غايات التعليم الأساسى المركزية تعلم الغزل بإعتباره يمكن أن يكون مورد رزق لكل من تخرج من المدرسة الأساسية. ومما جاء فى مقال نشره سنة 1937 فى جريدة " هاريجان " ما يلى :-

 

" إن التربية فى نظرى تستهدف إبراز أطيب ما هو كامن فى الطفل وفى الكهل  من استعدادات جسدية وفكرية وروحية. فلا يبتدى التربية ولا تنتهى كذلك بمجرد رفع الأمية.وذلك لأن تعليم القراءة والكتابة إنما هو مجرد وسيلة لتربية الرجل والمرأة(...) والرأى عندى أن تبدأ تربية الطفل بتعليمه عملاً يدوياً نافعاً يجعله منذ  بداية هذا التعليم عضواً منتجاً فى المجتمع.."3 كذلك فى أمريكا فى بداية وضع نظامها التربوى حيث طغى عليه المعيار الأقتصادى ولم يعن نظامها التربوى بالآداب والفنون إلا فى فترة متأخرة4.

وعليه أمك أن نستنتج أن النظام التربوى يعكس بصفة مباشرة طبيعة الوضع الأجتماعى ودرجة الوعى والتقدم الذهنى والمعرفى الذى عليه ذاك البلد أى درجة النضج الحضارى كما أن نوعية البرامج وإختيار المناهج وغير ذلك تعد من المؤشرات الدالة على الوعى بأهمية التعليم ودوره فى تحقيق مطلب التقدم الحضارى أما بالنسبة إلى الإصلاح التربوى فى تونس فتجدر الإشارة إلى أن له أصولاً تاريخية ومرجعيات حضارية رسختها تقاليد إصلاحية ثابته من ذلك :

-    إلغاء الرق منذ سنة 1842 من ناحية أولى ، وإنشاء المدرسة الحربية بباردو ، ثم المعهد الصادقى فالخلدونية فضلاً عن توالى إصلاحات الجامعة الزيتونية من ناحية ثانية، وما سن من تشريعات دستورية لتنظيم ممارسة الحكم السياسى وفتح عهد جديد من تاريخ البلاد من خلال إرساء " عهد الأمان 1857" وهو ما يمثل شاهداً حياً على الإرتقاء إلى مستوى من الوعى تدرك بموجبه أهم أبعاد التجربة الإنسانية 5، فتحرير الرق دال بذاته على الإيمان بقيمة الحرية والنظر إالى الإنسان من حيث هو كائن حر بالجوهر لا بالعرض . وبالتالى فإن تقسيم البشر إلى عبيد وأحراراً ، خروج عن الحق وغربة عن الذات. ذلك معنى جرى إستخدامه عند مفكرى عصر النهضة واتخذوا منه علامة  الوفاء لقيمنا الحضارية العربية الإسلامية فى صفاء مقاصدها.ولعله يكفى التذكير فى هذا المقام ب : " رسالة التسامح " التى خطها الشيخ أحمد بن الخوجة أو رسالة الشيخ محمد بيرم الخامس الموسومة ب " التحقيق فى مسألة الرقيق " . فقد اكد الشيخ فى الرسالة المذكورة تهافت موقف من "تزيا بزى العلماء والمتجاهلين" الذين اعترضوا تقرباً .

 

للشارع " وإرضاء " لغزو العوام " على قانون منع الرق بالبلاد التونسية وشنعوا به ادعاء منهم أنه أمر " مصادم لحكم شرعى " فضد هؤلاء- وهم كثر فى كل عصر ومصر – بين الشيخ – عقلاً ونقلاً- أن" الرق عارض " وأن " الأصل فى الإنسان الحرية " 6.

 

وهكذا ضمن سياق هذا المسار الإصلاحى الذى عرفته تونس منذ العصــــر الحديث وجسمته مقالات مفكرى تيار النهضة وزعماء الإصلاح جاء مشروع الإصلاح التربوى فى تونس العهد الجديد مواصلة لهذا المسار والتزاماً بإيجاد ذلك التوافق بين الوسائل والغايات، وليتنزل بذلك مشروع الإصلاح التربوى فى صلب القيم والمبادىء الحديثة : الحقيقة والحريّـــة والقـــّوة. الأولى تطلب بالعلم والثانية تجسم يترسيخ الديمقراطيـّة فى المجتمع والثالثة تقاس بنجاح العمــــــــــل التنموى.فإذا كانت الحريّة على مستوى الفرد والديمقراطية على مستوى المجتمع مطلباً مركزياً يتوسط إليه بالتربية كان من الضرورى ، وفاء لتلك القيم نفســـها  ، أن يتم الإصلاح تصوراً وإنجازاً على أيدى علماء البلاد أنفسهم من ناحيـــة وأن تشارك فيه كلّ القوى الحية العاملة فى صلب المجتمع المدنــى من ناحية أخرى  ، وهذان المعنيان قد أكدهما رئيس الدولة حينما قال " ذلك ما جعلنا نولى مســألة الإصلاح التربوى الأهمية القصوى فى صلب مشاغل العهد الجديد فأوكلنا إلى أولى الأمر ، من مربّين وعلماء أكفاء، أمانة تدبّر شؤون الجهاز التــــربـــوى والخروج بالمدرسة مما تردّت فيه بسبب اضطراب الإختيارات      وتوالــــــى الأجتهادات المتناقضة ، مما حال دون الإرتقاء بها إلى الآمال المرجوّة منها.  ولقد تبين بعد إستشارة مختلف الجهات العلمية والإجتماعية والسياسية أنه لابد  من تجاوز الإصلاحات الظرفية والجزئية إلى تغيير جذرى شامل لنظامنــــــا التربوى لنعيد تأسيسه وفق مقتضيات المرحلة الجديدة من تاريخنا بكل أبعادها الثقافية والإقتصادية 7.

 

II – إصلاح التعليم والتربية على أخلاقيات التسامح والحوار

 

     إن الإصلاح التربوى العميق الذى عرفته  تونس منذ الإستقلال وتدعم مع سياسة العهد الجديد لم يكن فحسب مجرد إصلاح هدفه مواكبة أحداث  المستجدات العلمية والمعرفية والانخراط  فى ركب الحداثة بل هدف إلى إعداد المواطن المدنى وبناء الناشئة وتكوين جيل من الإطارات العلمية والثقافية والإداريّـــــــــة يؤمن بضرورة الحوار والتعايش مع الآخر المختلف ويرى التسامح قيمة ضرورية فى شتى مجالات الحياة التربوية والسياسية والإجتماعية بل هو يتخذ منها منطلقاً للتواصل وللتعايش ، ويراهن عليها وسيلة وأداة للحوار مع الآخر ولتنظيم مجال الحياة معه أو لفض النزاعات والخلافات حول الحقوق المدنية والسياسية فى بعدها الإجتماعى أو الوطنى المحلى أو فى بعدها الدولى.

 

وهكذا أصبح " عهد قرطاج للتسامح " الذى أمضت عليه تونس العهد الجديد سنة 1995 8 ، على مستوى دولى أممى ودعت بموجبه إلى إرساء قيمة الحوار بين الأديان والحضارات وترسيخ مبدأ التسامح والإعتراف بالآخر المختلف أخلاقيات حياة وتربية وإجتماع يتم تربية الناشئة عليها منذ رياض الأطفال مروراً بالتعليم الابتدائى فالإعدادى الثانوى فالعالى الأكاديمى المتخصص حيث تم التركيز على العناية بثقافة حقوق الإنسان والتسامح وتدريسها ببعض شعب التعليم العالى فى مجال الآداب والحضارة والعلوم الإنسانية والتفكير الإسلامى والفلسفة.

 لكن وبإعتبار أن موضوع هذه الورقة يتعلق بالتربية على أخلاقيات التسامح والحوار فى المواد الإجتماعية المقررة فى التعليم الأساسى والثانوى أرتأنيا أن نهتم ببعض النماذج من البرامج المدرسية المدرجة فى هذا الغرض ، ونتناولها بالدراسة والتحليل مع تبيين القيم الأساسية الواردة بها والتى تدل دلالة كافية على الوعى بأهمية التربية على أخلاقيات التسامح والحوار والإعتراف بالمختلف ، بإعتبار ذلك أمسى ركيزة للمشروع الحضارى والثقافى لتونس التغيير.

يجد الناظر فى الكتاب المدرسى الجامع " للمواد الإجتماعية وهى التاريخ، الجغرافيا ، التربية المدنية المخصصة لتلامذة السنة الثامنة أساسى " 9 . إهتماماً مركزاً على ثقافة المجتمع المدنى فى أبعادها التاريخّية والحقوقيّة والجمعاتّية ففى التاريخ هناك عناية بالتاريخ للبلاد التونسية فى عهودها الكبرى الأغلبيّة والموحديّة والحفصيّة والحسينيّة من خلال محيطها العربى الإسلامى مشرقاً ومغرباً وفى فلكها المتوسطى وهو ما من شأنه أن يدعم أو اصر الإنتماء الحضارى ويركز عناصر الهويّة الحضاريّة العربيّة الإسلاميّة لدى الناشئة، فدراسة تاريخ البلاد التونسيّة من خلال الوقوف على عناصر التواصل ولحظات التقاطع مع ما يجرى فى سائر البلاد العربيّة والإسلاميّة شرقاً وغرباً يوصل لفكرة الإتنماء الحضارى العربى الإسلامى ويكشف حتماً عن مظاهر التأثير والتأثر التى عرفتها تونس عبر تاريخها وعرفها مجتمعها غير أنّ هذا المجتمع التائق إلى التقدّم والتحرّر والإنخراط بجدية وعمق فى مسار التقدّم الكونى للمجتمعات يحق له أن يعرف ناشئته" الخصائص العامة للعالم المتقدّم" وهو ما نجده محوراً أولياً ضمن برنامج مادة الجغرافيا حيث التركيز على دراسة الخصائص السكانيّة والإقتصاديّة والإجتماعيّة للعالم المتقدّم وتتم دراسة البلدان الثلاثة : الولايات المتحدة الأمريكيّة واليابان وفرنسا بإعتبارها نماذج حيّة تعكس مدى التقدم الحضارى الذى عرفته البلدان المتقدمة كونياً والتى تطمح بلدان العالم الثالث والبلدان السائرة فى طريق النموّ إلى النسج على منوالها ، ويبدو أن هاجس ترسيخ ثقافة التقدم يحظى بمكانة بارزة فى هذا المحور حيث تم إدراج نص وثيقة  يتعلق موضوعها بـــــ: البحث العلمى والتكنولوجيا فى الإتحاد الأوروبى . 10

أما محور التربية المدنية فنجد هاجس ترسيخ ثقافة المواطنة والمجتمع المدنى حاضراً بكثافة : فأول محور يتعلق بالدولة حيث تتم دراسة أركانها : الشعب، الإقليم، السلطة 11. وما شد إنتباهنا فى هذا الدرس أن هناك مقتطفاً من مؤلف الباحث والمفكر الإستراتيجى الدكتور سعد الدين إبراهيم : " المجتمع والدولة فى الوطن العربى يتعلق بتعريف الدولة من حيث هى كيان سياسى قانونى ذو سلطة سياسية معترف بها فى رقعة جغرافية محددة على مجموعة بشرية معينة 12.

 

أما فى المحور الثانى المتعلق بتنظيم الحياة السياسية فى تونس فتتجلى فيه أكثر فكرة التربية على أخلاقيات التعايش الحضارى والتسامح.

 

فالدرس السادس ضمن هذا المحور موضوعه : " الأطراف الإجتماعية: الجمعيات وكما ثابت فى الفكر الحقوقى والقانونى الحديث تعد " الجمعيات " عند وجودها فى تركيبة اجتماعية معينة علامة تقدم وتمدن وانخراط جدى فى الحداثة بمعناها السياسى والحقوقى الحضارى والجمعيات كما تم تعريفها ضمن هذا الدرس إقتباساً من قانون الجمعيات مفردها " جمعية" والجمعية هى الإتفاقية التى يحصل بمقتضاها بين شخصين أو أكثر جمع معلوماتهم أو نشاطهم بصفة دائمة ولغايات المادية ويتوافق هذا الكتاب المدرسى المشار إليه أعلاه وهو: " على الدولة ضمان الحريات الأساسية ... كحرية الإجتماع ، وحرية تكوين الجمعيات على أن تمارس  تلك الحريات فى نطاق القانون " ولهذا سند  فى ميثاق: " العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية".  وهو كالآتى : " لكل فرد حق فى حرية تكوين الجمعيات مع آخرين بما فى ذلك حقّ إنشاء النقابات والانضمام إليها من أجل حماية مصالحه . ولا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحقّ إلا تلك التى ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية فى مجتمع ديمقراطى لصيانة الأمن القومى أو السلامة العامة أو النظام العام ... أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم 13.

ونجد الدرس الثامن من هذا المحورذاته مختصاً بالتعددية السياسية والإجتماعية ودورها فى التنمية وبناء المجتمع ولعل فى التعريف الذى قدّم به للدرس المتعلق بالتعدادية بإعتبارها مقوماً للنطام السياسى ما من شأنه أن يربى الناشئة على ملكة التمييز الإيجابى بين تنوع الآراء والمصالح فى المجتمع ، ويجعل من ضمان تعدّدها شرطاً للحرية ، وهو المعنى الذى يحيل عليه المقتطف المدرج من بيان السابع من نوفمبر: فشعبنا جدير بحياة سياسيّة متطوّرة ومنظمة تعتمد بحق تعددية الأحزاب السياسية والتنظيمات الشعبية " ما من شأنه ؟أن يبين معانى الرسالة التربوية ونبل التربية على الثقافى السياسية المدنية 14.

 

III- التسامح وأخلاقيات الحوار

 

أما فى خصوص ما يتعلق بالتربية على التسامح وبناء أخلاقيات الحوار من خلال برامج التربية الدينية والتفكير الإسلامى فإن هذا المسعى النبيل يبدو واضحاً وثابتاً فى مختلف برامج سنوات التعليم الأساسى والثانوى ، ومن الممكن أن تتناول بالدراسة هنا برنامج " التفكير الإسلامى " المخصص لتلامذة السنة الأولى من التعليم الثانوى 15 ، حيث المزاوجة بين التعريف بمبادىء الدين الحنيف الإسلام والتبصير بأركان العقيدة والإيمان من ناحية، والتطرق إلى القيم النبيلة وأخلاقيات الحوار التى يشتمل عليها هذا الدين الحنيف كما تأكد ذلك فى أى الذكر الحكيم (القرآن) وصحيح الأحاديث النبوية (السنّة) ولعلنا إذا نظرنا فى المحاور الدروس نجدها تكتشف عن ذلك فأول درس حول أركان العقيدة 16، والدرس الثانى حول الإمان بإعتباره عقيدة وممارسة 17، ثم الإيمان وحسن المعاملة ثمّ تكامل العقل والنقل فى إثبات حقيقة الغيب 18 ونلاحظ هنا النظرة الثاقبة التى تقوم على الإعتراف بتكامل العقل والشرع فى بناء المعرفة بالغيب أى العالم الإلهى( الماورائى) ، ثم طبيعة العلاقات الأسرية ، ثم دور الأسرة فى الإرتقاء بالعلاقات الإجتماعية ثمّ وضمن محور الهدى القرآنى نجد درس " المجادلة بالحسنى" حيث تمّ إدراج الآيات 41-42-43-44-45-46-47 من سورة مريم مع أسئلة وملاحطات من شأنها أن تحقق الغرض المطلوب ومن هذه الأسئلة :

 

1-   إستخراج مظاهر الرفق والتلطف فى دعوة إبراهيم لأبيه

2-   تتبع مواطن التدّرج والإستدلال العقلى فى مجادلة إبراهيم لأبيه،

وقد تم تدعيم أهداف هذا الدرس بقوله تعالى : ادع إلى سبيل ربكّ بالحكمة والموعظة الحسنة ، وجادلهم بالتى هى أحسن " ( سورة النحلالآية 125)

 وبعد هذا نجد درس " آداب الحوار " ودعم ذلك بآيات قرآنية كقوله تعالى :" ولا تستوى الحسنة ولا السيّئة ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولىّ حميم " (فصلت الآية 34) وأحاديث نبوية فى الغرض كقوله صلى الله عليه وسلّم: لاتقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغوا ولا تحاسد وكونوا عباد الله إخواناً ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث " ( الترمذى كتاب البرّ والصلة) كذلك أقوال لباحثين ومفكرين فى الغرض من ذلك قول على حرب " الحوار لا يثمر بين طرفين إلا إذا كان كل منهما يملك الإستعداد لقبول الآخر وتقبل النقد . الحوار مفيد بقدر ما يؤدى إلى استبعاد العنف وإلى تقليص فرص النزاعات أو بالأحرى قدر ما يسهم فى تشكيل مجتمع سلمى مفتوح ".

واختتم هذا الدرس كلّ ذلك بأسلئة ذات أهمية مثل بأى معنى يكون الحور ضرورة لا إختياراً ؟ ص 33 من كتاب التفكير الإسلامى.

 

وضمن المحور ذاته تمّ إدراج درس : " أثر الحوار فى تحقيق التواصل بين الأجيال 19  وفى باب الهدى النبوى نجد عناية " بالنبوة" 20 وبمختلف الأنبياء وكذلك تمّ تخصيص درس لبيان " دورالأنبياء فى الإرتقاء بالوعى البشرى.

 

هكذا إذن تتضح لنا مدى العناية بترسيم الحوار وأخلاقيات الإعتراف والإحترام وهو ما يحتاجه واقعنا اليوم سواء على الصعيد الوطنى المحلى أو الكونى العالمى إذ التربية على التسامح وأخلاقيات الحوار تساهم فى نحت مجتمعات حياتها مؤسسة على الإحترام المتبادل وتقّل بها نسبة العنف كذلك على الصعيد الخارجى يمكن أن تكون علاقتنا مع الآخر المختلف فى ديانته ولغته وحضارته علاقة محبة وتعاون من أجل حياة كريمة للبشرية جمعاء.

 

                              الــــــهـــــوامـــــــــــــش

 

(1)     أنظر مثلاً كتاب الطاهر حداد : التعليم الإسلامى وحركة الإصلاح فى جامع الزيتونية، تقديم وتحقيق محمّد أنور بوسنينة ، الدار التونسية للنشر ، 1981 الحياة العلمّية فى جامع الزيتونية ، المجلة الزيتونية قلم التحرير ، الجزء الثامن ، م5 ديسمبر 1944 ص 212 وأنظر تعليق حمادى الساحلى على موقف الشيخ الفاضل بن عاشور من إصلاح التعليم الزيتونى ، ضمن كتابه فصول فى التاريخ والحضارة ، دار العرب الإسلامى 1992 ، ص152 وما بعدها .

 

(2)     انظر ، حمادى بن جاء بالله ، ملحمة الإصلاح التربوى فى تونس العهد الجديد ضمن كتاب الثورة الهادئة ، منشورات مؤسسة عبد الكريم بن عبد الله تونس 1992،ص 341.

 

(3)            الشاذلى الفيتورى المجلة العربية للتربية ، المجلد الثالث العدد 2 سبتمبر 1983 ص 98 وما بعدها .

 

(4)            انظر H.Taylor,la philosophie de l.education americaines

( فلسفة التربية الأمريكية المعاصرة )

In l.activite philosophique contemporaine en France et aux Etat Unis et indes publiees sous ls direction M.Farbeur,parise PVF 1948

نقلاً عن حمادى بن جاء بالله ، المرجع السابق ،ص 345

 

(5)     حول هذه الإصلاحات انظر إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان ، ابن أبى ضياف ، منشورات وزارة الثقافة تونس ، 1999، ج4.

 

(6)            انظر نص الرسالة فى كتاب محمد بيرم الخامس ، بيبليوغرافية تحليلية مع      ثلاث رسائل نادرة . إعداد المنصف بن عبد الجليل وكمال عمران ، منشورات المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات بيت الحكمة تونس 1989 ص289-318. وانظر نص رسالة الشيخ احمد بن الخوجة ملحقة بكتاب حفناوى عمايرية ، فجر التنوير العربى ، نقوش عربية 1999.

(7)            انظر نص خطاب رئيس الجمهورية التونسية زين العابدين بن على فى الاحتفال بعيد العلم 12 جويلية 1990.

(8)            انظر نص عهد قرطاج وقراءاته والشروح المنجزة عليه من منشورات بيت الحكمة قرطاج 1995 بتقديم للأستاذ الدكتور عبد الوهاب بوحديبة.

(9)            المواد الإجتماعية : التربية المدنية ، التاريخ ، الجغرافيا بإشراف وزارة التربية والتكوين ، منشورات المركز الوطنى البيداغوجى، تونس 2005 .

(10)      م،ن،ص 89.

(11)      م،ن،ص 148-151.

(12)      م،ن،ص 149.

(13)      م،ن،ص 169

(14)      م،ن،ص 176.

(15)      صدر هذا الكتاب بإشراف وزارة التربية والتكوين ، المركز القومى البيداغوجى.

(16)      م،ن،ص 9 .

(17)      م،ن،ص15- 29.

(18 مكرر) التفكير الإسلامى ص 29-30.

(19) م،ن،ص 35.

(20) م،ن،ص 46.

 

  محاضرات أخرى