المحاضرات
المؤلفات

 

أصــول مــوقــف الإســـلام مـــن الآخـــر

 

الآخر مفهوم كلى يتسع مدلوله لغوياً لكل ما هو غير الذات ، وغير الذات يشمل كل الوجود بإستثناء الذات المعنية . وعليه فإن الآخر بالنسبة للإسلام هو كل ما فى هذا الوجود مما هو ليس الإسلام نفسه بدءاً بالآخر الدينى أى الديانات غير الإسلام ومرروا بسائر المخلوقات الإلهية كالأنسان وسائر الاحياء والجمادات وإنتهاء بخالق الوجود الله سبحانه وتعالى . بيد أن معنى الإستعمال الشائع للفظ الآخر يميل إلى حصره فى الآخر البشرى لشخص معين . ويتيح مثل هذا المعنى الأستعمالى الشائع ، وربما اختزله البعض اكثر إلى موقف المسلم من غير المسلم فقط.

ولا شك أن الشرع الإسلامى يتضمن بياناً لموقف الإسلام من الآخر سواء الآخر بمعناه اللغوى الواسع أو بمعناه الاستعمالى المحدود . بيد أن اهتمام هذه الورقة يقتصر على تناول موقف الإسلام من الآخربالمعنى الاستعمالى المحدود للأخرى أى الآخر البشرى.

وتختلف مضامين موقف الإسلام من الآخر( البشرى) باختلاف وضع هذا الآخر بالنسبة إلى متغيرات عدة تشمل المتغير الدينى والمتغير العلمى والمتغير الاقتصادى والمتغير البيولوجى . ولذلك فإن موقف الإسلام من المسلم هو غير موقفه من الذى يدين بدين آخر أو ليس له دين ، وبالمثل لا يتطابق موقف الإسلام من العالم مع موقفه من الجاهل ، كما لا يتطابق موقفه من الغنى مع موقفه من الفقير أو المعوز. كذلك يتباين موقف الإسلام من الشخص  مع تباين وضعه البيولوجى سواء من حيث النوع ( ذكر أو أنثى) أو قرابة الدم أو غير ذلك .

  بيد انه مهما اختلفت مواقف الإسلام من الآخر إلا أن هذه المواقف يجمع بينها قواسم مشتركة تمثل فى مجملها ثوابت موقف الإسلام تجاه الآخرأياً كان هذا الآخر . وهذه الثوابت هى بمثابة حقوق عامة يشترك فى حق التمتع بها على السواء كل مفردات أو ما صدقات الآخر بدءاً بالآخر المسلم ومروراً بالآخر المشترك.

 

أساس ثوابت موقف الإسلام من الآخر :

  يستفاد من النصوص الشرعية ذات الصلة بأن الله أراد منذ البدء أن يجعل الإنسان خليفة فى الأرض "إنى جاعل فى الأرض خليفة" والخلافة هى منحة من الله لجنس الإنسان وهو ما يعنى إشتراك كل بنى الإنسان فيها . وتمثل هذه الخلافة المشتركة أساس ثوابت موقف الإنسان من الآخر . وقد تولى بيان هذه الثوابت .

ووفقاً للبيان الشرعى تتمثل ثوابت موقف الإسلام من الآخر فى مجموعة من المبادىء أو الحقوق العامة التى يتعين على كل مسلم بل كل شخص التسليم بها للآخر – كل آخر وبدون أى تمييز . وتانى فى مقدمة هذه الثوابت:

 

حق الآخر فى السيادة فى الأرض :

لقد منح الله كل إنسان ، وبالتالى كل آخر ، حق السيادة فى الأرض . وتمكينا له من سلطة التصرف التى يستلزمها حق السيادة ملك الله الإنسان (ذاتاً وآخراً ) كل ما فى الأرض " خلق لكم جميعاً) ثم سخر اى أخضع وطوع له كل ما ملكه فى الأرض " سخرلكم ما فى السموات وما فى الأرض جميعاً منه " . والضمير فى عبارة لكم فى الآيتين السابقتين يرجع إلى جنس الإنسان وهو ما يعنى أن المستفيد من التمليك والتسخير يشمل الذات والآخر.

 وتتعلق بحق الآخر فى السيادة فى الأرض مجموعة من الحقوق المكفولة شرعاً لكل آخر ، ويمكن ان نشير منها هنا إلى:

1-   للآخر حق الإنتفاع بكل ما ملكه الله وسخره له " لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون"

2-   للآخر حق تعمير الأرض " هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها"

3-  للآخر حق التوطن وحق التنقل الحر فى الأرض . وتؤكد النصوص الشرعية حق الآخر فى التوطن من خلال أحكامها التى تحظر إخراج الآخر من موطنه او الإعتداء على حرمة مسكنه . وبالمثل كفلت النصوص حق الآخر فى التنقل فى الأرض أينما شاء" قل سيروا فى الأرض " و" جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا فى مناكبها "

4-   حق الآخر فى حماية ملكيته " إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم"

 

حق الآخر فى السيادة على النفس:

       خلق الله كل إنسان ، وبالتالى كل آخر، سيد نفسه بأن أكرمة بما تستلزمه السيادة على النفس من حرية الإرادة والتصرف ةالقدرة على الإختيار ، وحرره من الخضوع الحتمى لإرداة ما سواه فى سلوكياته " انا عرضنا الأمانة على السموات والارض فأبين ان يحملنها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً " و" ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها "

      وصوناً لسيادة الآخر غلى نفسه أكد الشرع على :

1-  حظر الإعتداء على سيادة الآخر على نفسه ومنع إكراهه أو إجباره على ما لا يريده أو لم يختره حتى ولو كان ذلك خيراً كثيراً مثل الإيمان بالله أو عبادته " فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر"

2-  منع وسائل الإعتداء والإكراه كالتعذيب" إن الله يعذب الذين يعذبون الناس فى الدنيا" وتأكيداً حرمة الآخر " إن دماءكم واموالكم وأعراضكم حرام عليكم "

3-  فرض السعى لإنقاذ من اكرهوا او انتقضت سيادتهم على أنفسهم من الآخرين " ومالكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء"

4-   حظر تنازل الآخر عن سيادته على نفسه او قبوله الانتفاض منها. فقد منع الشرع تخلى الآخرعن استقلاليته " لا يكن أحدكم إمعة" وحرم على الآخر تمكين نفسه طوعاً من الاسترقاق أو المذلة" من اعطى المذلة من نفسه طائعاً غير مكره فليس  منا" وآمره برفض الاستضعاف ومقاومته والتخلص منه" قالوا كنا مستضعفين فى الأرض قال ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها"

ويتفرع عن حق الآخر فى السيادة على النفس حقوق فرعية عدة منها:

 

1-   حق الآخر فى إستغلال وتنمية ملكاته وقدراته الشخصية المادية( الجسدية) والمعنوية والتعبير عنها

2-   حق الآخر فى إشباع ودوافعه سواء منها الجسدية أو الروحية

3-  حق الآخر فى الخصوصية سواء كانت هذه الخصوصية شئوناً خاصةً لا يحب الآخر أن تكون محل اطلاع أو تطفل الغير أو كانت استعدادات جبلية أو أوضاع خاصة كالخيارات الثقافية يتعين احترامها ومراعاتها عند تقنين الشأن العام . وقد وردت نصوص عدة تمنع التطفل على خصوصيات الآخر أو محاولة قمعها ومنعها من أن تعبر عن نفسها.

 

حق الآخر فى الولاية الخاصة والعامة:

    شرع الله للآخر الحق فى الولاية الخاصة أى الإختصاص بالتصرف فى شئون بعض أفراد المجتمع وأموالهم . فالوالد سواء المسلم أو غير المسلم له الحق فى الولاية على مثلاً- أبنائه، ويخوله هذا الحق تربية أبنائه على ما يراه من الخيارات الثقافية والدينية وتوجيههم سلوكياً وتعليمياً.

    كذلك شرع الله للآخر حق الولاية العامة اى صلاحية او حق العمل على تزكية المجتمع من خلال آلية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . والصلاحية للعمل على تزكية المجتمع هى مما يخوله حق التعمير المتفرع عن  حق الخلافة فى الأرض ، وهو أى حق التعميرحق مشاع لكل الناس وبدون استثناء ولا يقتصر المعنى به على تعمير الطبيعة أو البيئة المادية فقط وإنما يدخل فيه أيضاً تعمير المجتمع ولا يكون تعمير المجتمع بدون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وقد أكدت النصوص الشرعية صراحة على حق الآخر فى الولاية العامة " ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر"و"من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فأن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فقلبه".

 

 حق الآخر فى الأمن والسلام :

  يؤكد الإسلام على حق الآخر فى الأمن والسلام من خلال النصوص التى تمنع الإعتداء على الغير " ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين " و" فإن اعتزلوكم ولم يقاتلوكم والقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً". كذلك أكد دستور المدينة الذى وضعه الرسول صلى الله عليه وسلم ، على حق كل مواطنى المدينة من المسلمين وغيرهم فى الأمن" من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم أو أثم ". والحق فى الأمن كما هو مكفول للآخر داخل المدينة أو الدولة الإسلامية مكفول للآخر خارج المدينة أو الدولة الإسلامية أيضاً " يا أيها الذين إذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً"

 

والأمن الذى يستحقه الآخر شرعاً لا يقتصر على الأمن بمعناه الضيق والمتمثل فى الأمن من الإعتداء البدنى فقط بل يتجاوزه إلى الأمن الشامل والذى يتضمن الأمن المالى ،فمن سرق مال الآخر سواء كان الآخر مسلماً او غير مسلماً يعاقب " السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" كما يتضمن الأمن الغذائى " ليس منا من بات شبعاناً وجاره جائع" و" وفى أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم" . وقد ورد بهذا الخصوص أن الرسول صلى ، قدم مساعدة لمشركى قريش عندما أصابهم القحط كما إنه تصدق على بيت اليهود .

     ومما يتفرع عن حق الآخر فى الأمن حقه فى الدفاع عن النفس وحقه فى الهجرة واللجوء.

 

حق الآخر فى العدل:

يمثل العدل القيمة العليا فى الإسلام ومن ثم فهو يجب لكل إنسان ، وبالتالى لكل آخر، وجوباً مطلقاً غير مقيد بأى شرط أو قيد " إن الله يأمر بالعدل" فالعدل يجب للذكر والأنثى وللصغير والكبير وللمسلم وغير المسلم وللصديق والعدو وفى الدنيا والأخرى" لا يحرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا" . وقد أوجب الله على نفسه أن يحقق العدل المطلق للناس كافة يوم القيامة" ونضع الموازين القسط ليوم  القيامة فلا تظلم نفس شيئأ"

 ومما يتفرع عن حق الآخر فى العدل حقه فى المساواة ، فالأصل فى الإسلام المساواة بين الناس كافة " الناس سواسية" ،وحقه فى القضاء العادل"وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " ، وحقه فى النصرة إذا ما ظلمتم أو استضعف " ومالكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء "

 

حق الآخر فى التكريم:

 لقد كرم الله جنس الإنسان" ولقد كرمنا بنى آدم " وواضح من استعمال النص المذكور لصيغة الإضافة " بنى آدم " والتى تعد لغوياً من صيغ العموم أن هذا التكريم شامل لعموم أو كل أبناء آدم ، ويلزم عن ذلك وجوب التكريم لكل آخر مؤمناً كان أم كافراص وحياً كان أم ميتاً، وهذا المعنى هو ما اكده الرسول صلى الله عليه وسلم بسلوكه الفعلى فى ما يروى عنه إنه ذات مرة استقام واقفاً إكراماً لجنازة فقيل له انه يهودى فرد قائلاً "أليست نفساً؟" وهو رد واضح الدلالة على أن الآخر يستحق التكريم لمجرد كونه إنساناً.

   وتكريم الآخر يقتضى عدم إهانته أو احتقاره " لا يسخر قوم من قوم " ، واتباع الحسنى فى استيفاء الحقوق منه"وأن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله " و" وإن كان ذوعسرة فنظرة إلى ميسرة" ، والسماحة فى معاملته " رحم الله رجلاً سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى"، وعدم سبه حياً أو ميتاً" انك امرؤ فيك جاهلية" و" ولا تنابذوا بالألقاب" و" لا تسبوا امواتكم" ، واحترام حريته فى الإعتقاد وعدم سب معتقداته " لا إكراه ى الدين " و" لكم دينكم ولي دينى" و" لا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم "

 

 حق الآخر فى البيان الشرعى :

  لقد خلق الله الإنسان واستخلقه فى الأرض . ولكى يمارس الإنسان هذه الخلافة بالصورة المثلى كان لابد من أن يعرف أولاً ما هى هذه الخلافة وكيف يؤديها. ومع أن بوسع الإنسان أن يعرف  شيئاً من ذلك بعقله الذى وهبه الله إلا انه يظل دائماً فى حاجة إلى بيان إلهى يؤكد له معرفته ويكملها له . وقد جعل الله هذا البيان حقاً لكل إنسان ولكل آخربدليل انه جعل هذا البيان شرطاً فى إقامة الحجة على الإنسان " رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس حجة بعد الرسل " . وإيفاء بهذا الحق أرسل الله رسله ببيانه" لقد ارسلنا رسلنا بالينات وأنزلنا معهم الكتاب ليبينوا للناس ما أنزل إليهم " ثم كلف المؤمنين بأن ينشروا البيان الذى أنزله حتى يصل للناس كافة اى يصل لكل إنسان ولكل آخر.

تلك أهم ثوابت موقف الإسلام من الآخر وهى ثابتة شرعاً لكل آخر بغض النظر عن جنسه أو عرقة أو لونه أو دينه او وطنه . وهى بمثاية حقوق ثابته لكل آخر فرد وفى نفس الوقت توفر السند الشرعى للحقوق الثايته لكل آخر جماعة حق تقرير المصير للشعوب.

 

  محاضرات أخرى