|
مقدمة :
أختلفت
النظرة إلى الصحراء لدى من تعامل فالصورة التى يكونها الرحالة الذين
يجتازونها تختلف عن رؤية من يحيون فيها ورؤية الفنان والشاعر لها لا
تماثل رؤية المغامر أو قاطع الطريق ورؤية الصوفى المتعبد والرهب لا
تقارن بصورة العالم الجغرافى عنها .
لقد كانت
الصحراء مصدر قصائد الشعراء وروايات المبدعين وتأمل المتعبدين نذكر
قصائد امرىء القيس وطرفة بن العبد وذو الرمة فيها . كانت الصحراء
معبر لويس ماسينيون لإكتشاف الإسلام ولورانس للتوغل فى عمق العرب كما
كانت مكان سياحات ابن الفارض للرياضة الروحية.
وقد اخترنا فى
هذا البحث أن نتناول الصحراء فى الشعر العربى او على نحو ادق صورة
الصحراء كما تحددت فى وجدان شاعر عربى هو ذو الرمة ، الذى نعرض
لنظرته الكونية للصحراء فى الفقرات التالية من البحث والتى تعرض على
التوالى :
-
تطور نظرة الشعر العربى للصحراء .
-
وذو الرمة عاشق الصحراء – وصورة الصحراء فى شعره .
-
وخصائص شعرع فى الصحراء – ونظرته الكونية لها.
أولاً : تطور الشعر العربى فى النظرة للصحراء:
يمكننا أن
نشير بإيجاز إلى اهتمام الشعراء العرب بوصف الصحراء حيث كانت موضوعاً
من موضوعات الشعر العربى منذ العصر الجاهلى.
نلتمس بداية
ذلك منذ امرىء القيس ، بل من قبله ملحوظاً . كما ظهرت لدى الآخرين
غير امرىء القيس من مثل : طرفة وأوس وزهير ولبيد ، الذين يزخر شعرهم
بصور لا حصر لها فى وصف الصحراء.
ويقف
الصعاليك والهذليون فو طليعة المبدعين بين شعراء الجاهلية الوصافين
للصحراء . وبقدر ما يحفل شعر الصعاليك بوصف الصحراء وحيوانها الشارد
يحفل شعر الهذليين بمناظر الصيد والصراع الدامى بين حيوان الصجراء
ومن يتربصون به من صيادين. وتستقر تقاليد هذه النهضة الفنية عند
شعراء اواخر العصر الجاهلى للتتجمد فى عصر صدر الإسلام حيث يقل
الإنشغال بتصوير الصحراء للإهتمات بالدعوة والدولة الجديدة ويظل هذا
الجمود مسيطراً على الشعر الأموى ، حيث شغل فحول هذا العصر بالمدح
والهجاء ، والغزل فى الحجاز والبادية ، والسياسة والنقائض فى قصور
الخلفاء والأمراء والولاة . " ولم تيقى سوى المقدمة الموروثة عن
الجاهلين هى المظهر الوحيد الباقى من وصف الصحراء إلى جانب بعض
القصائد التى تظهر بين الحين والحين .
إلى ان ظهرت
حركة بعث وإحياء لشعراء الصحراء عند الرجاز من ناحية: العجاج وروبْه
والزُّفيان؛ الذين نهضوا بفن الرجز وطوروا الأرجوزة الجاهلية إلى
صورة جديدة إلى جانب القصيدة . وتظهر من ناحية أخرى عند شاعرين من
أصحاب القصيد هما : الراعى النميرى " الذى قيل فيه كأنه يعتسف الفلاة
بغير دليل " . حيث لم يكن يحتذى نماذج سابقة ، حين يصف الجانب
الرعوى من حيتة البادية والشاعر الثانى وهو موضوع بحثنا ذو الرمة ؛
الذى يعد رواية للراعى وتلميذاً له ، والذى استطاع ان يرتفع بشعر
الصحراء إلى أعلى قمة وصل إليها هذا الشعر فى تاريخه . حيث تظهره
قصائد مفتوناً بكل جوانب الحياة فى الصحراء.(1).
ثانياً: ذو الرمة عاشق الصحراء
وشاعرنا هو غيلان بن عقبة بن بهيش بن مسعود ( ذى
الرمة)(2).
وهى منطقة خصبة كانت تنزلها أيضاً قبائل تميم ، ومنهم بنو منقر قوم "
مية" صاحبة الشاعر . وقد ولد ذو الرمة فى هذه المنطقة أثناء خلافة
عبد الملك بن مروان . حوالى 77 للهجرة والصورة العامة لحياة ذى الرمة
هى صورة الفتى البدوى ، الذى انتبه البادية العربية فى عزلتها
التقليدية ، عاش فوق رمالها نبتا صحرواياً لم تفلح الحياة الجديدة
المتطورة من حوله فى أن تباعد بينه وبين طبيعته الصحراوية أو تغير
مزاجه البدوى (3) . وكما كتب شوقى ضيف تعبر قصائده عن شاعرية أصيلة
فى نفسه، كما تعبر عن تأثير عميق بحب مية ، وهو دائم الإعلان لهذا
الحب وما يتغلغل منه فى روحه.
ويضيف جانب
ثانى فى ديوانه، لعله أروع من هذا الخاص بحبه وعشقه، وهو جانب وصف
الصحراء إذ استطاع أن ينفذ فى هذا الوصف إلى لوحات رائعة . دبجتها
براعة شاعر عاشق لا لمية فحسب، بل للصحراء نفسها . وهو فى هذا الجانب
فريد فى الشعر العربى القديم. وأن كان الشعراء من قبله ومن حوله
يصفون الصحراء لكنه انفرد منهم بعشقه لها ، فهو يصفها لا وصف الشاعر
الذى يشاهدها ويعجب بها ، لكن وصف الشاعر الذى يندمج فيها
ويفنى.وشعره من هذه الناحية يمكن أن يعد ذوقاً جديداً فى اللغة
العربية.
توفى فى الأربعين من عمره فى خلافة هشام عبد الملك
117هــ ودفن حسب وصيته فى كثبان حزوى فى رمال الدهناء(4).
كان ذو الرمة عميق الإحساس بالصحراء ، عاش لها حياته
فتى بدوياً لا يستطيع أن ينفصل عنها. وعاش لها حبه عاشقاً يقتنه
سحرها الغامض وسرها المجهول، وعاش لها فنه شاعراً يتغنى بها، ويسجل
فى قصائده أروع صورة رسمها شاعرلها، وعاشت الصحراء فى أعماقه محبوبة
آسرة وقصيدة خالدة. أنه لا يصفها كما يراها بعينيه؟، ولكن يصفها كما
يشعر بها فى أعماقه، فالصورة لا تلتقطها عيناه لتعيداها بعد ذلك كما
هى طبعة طبق الأصل،ولكنها تلتقطها لتبعثا بها إلى أعماق نفسه حيث
تخضع لعمليات معقدة من التلوين والتظليل والتوشيه ، وتمتزج بأصباغ
شتى من العواطف والمشاعر ، لتبعث بعد هذا كله خلقاً جديداً(5).
إن الصحراء
تفتنه حتى لتتراءى له كثبان الرمال كأجساد العذارى ، وأجساد العذارى
ككثبان الرمال ، كما تتراءى شفاه العذارى كأزهار الرمال ، وانفاسهن
كأنفاس الصحراء:
وحٌوُّاً
تٌجلُّى عن عَذِاب كانهــــــا إِذَا نَغْمَة جَاوبَنْهَا
بالجَمَاجِـــــم
ذٌرىَ
أقْحٌوانِ الرمل هَزُّتْ فروَعهٌ صَباً طَلُّة بين
الحٌقوفٌ الَيتَائـــم
كأن الرقاق المٌلْحَمَات
ارتجعنهــا على حَنْوةِ القٌريْاَنِ تحت الهَمَائــم
أنه يحس فى أنفاس صاحباته المعطرة أنفاس زهر الصحراء
ونباتها العطرى، يحسها تارة كنفحات أقاحى الرمال فوق الكثبان البعيدة
المنفردة وقد هزت فروعها(6).
وكما يحس فى
أنفاس صاحباته انفاس ازهار الصحراء يحس فى رضابهن العذب طعم ندى
الرمل التى تمجه السحب فوق أقاح طيبة نمت كثبان مرتفعة:
تبسُّمن عن
غرَّ كأن رٌضَابهَا نَدىَ الرمل مَجًّتهْ اٌلعَهاٌد
القَوَالسٌ
حتى لنحس أننا
أمام شاعر يقف أمام مناظر الصحراء ومظاهر الحياة فيها وقفة العاشق
المفتون ، الذى لا يستطيع إخفاء عواطفه، ولا يملك مداراة مشاعره. وهى
وقفة جعلته يرى فى ضوء الصباح حين يشق ظلمة الليل جواداً أبيض اللون
، ويسمع من خلال دوى الفضاء فى الصحراء اغنيات عذبة ترددها لهوات
المغنين.
كما جعلته
يرى فى فضاء الصحراء العريض الممتد تحت أقدام الإبل صفحة من المرمر
الأبيض تمتد حتى الأفق ناعمة ملساء:
ذاكَ وإنْ يـَعْـرضْ فضـاء مٌنـْكَـرٌ
كأنـــهَ تـحــت الـسٌّـمــام
مــرَمــْرَ
يَــهْــمــاءٌ لا يــجـتـازهـا
الٌمـَغَـّررٌ
إنها رمال الدهناء وطنه الحبيب تحملها الرياح
فتنتشرها فى أرجاء الصحراء، فهى لهذا حبيبة إلى نفسه تتمثل له تارة
فى صورة خيل شقر، وتارة أخرى فى صورة فتاة تجرر ثيابها الطويلة خلفها
. بل حتى تلك الأشواك الجافة التى تنفضها رياح الصيف الحارة فوق
الرمال تتراءى له، كما تراءت حبال الرمال، خيلاً شقر النواصى تنفض
رؤؤسها
(7). إن ذا
الرمة يسكب فى أمثال هذه الصور المنتشرة فى شعره عصارة قلبه الذى
شغفته الصحراء حباً، وذووب روحه الهائمة بها ، وهما حب وهيام يجعلانه
بحق عاشق الصحراء فى تاريخ الشعر العربى كله.
ثالثاً: صور الصحراء فى شعر ذو الرمة
يمكن أن نحدد
خصائص وموضوعات شاعرنا فيما يلى: مقدمات القصيدة حول الصحراء أصبحت
جزء منها ، الرحيل والرحلة وصف الآبل والتغزل فيها ، الرياح والحار
اللافح والليل المظلم ، الآبار المهجورة، السراب، حيوانات الصحراء،
الثور الوحشى والحمر والثيران، ومناظر الصيد.
وككل الشعر
الخاضع لتقاليد القصيدة الجاهلية تحتل مناظر الأطلال مقدمات كل قصائد
الديوان الطويلة تقريباً. ويعد ذو الرمة- بدون منازع-اهم شاعر أموى
عنى بمقدمات الأطلال فى شعره. ويمكن القول أن منظر الأطلال فى شعر ذى
الرمة رسوم عافية ، وآثار دراسة لا تبين، ورياح تتعاقب، وأيام غرام
جميلة طوتها الرمال،وشاعر يبكى، ورفاق يشاركونه البكاء تارة، ويدعونه
إلى
الصبر والتجلد
تارة أخرى ، ثم صمت وسكون وذكريات تثير الأسى، وتستنزف الدموع:
وقفتٌ على ربع
لمية ناقَتـى فما زلت أبكى عنده
وأخـاطبه وأسقيه
حتى كاد مما أبثـــه تكلمنى أحجاره وملاعبــــــه
ولا تأتى هذه
المقدمات منفصلة عن موضوعات قصائده، ولكنها جزءاً لا يتجزأ منها. فهى
تدور فى نفس المجال الذى تدور فيه موضوعات قصائده، قسمة بين الحب
والصحراء.
2-
وتنتشر مناظر الرحيل فى شعره ذى الرمة انتشار مقدماته الطللية. فهو
يرسم لها لوحات تنبض بالحياة ، وتفيض بالمشاعر: الشوق والحنين إلى
الحنين إلى الحبيبة الراحلة. وهى مناظر تشغل قسماً كبيراً من شعره
وتمثل لوناً بارزاً فى لوحاته الصحرواية. وفى قصيدته الرائية نرى
صورة رائعة لمنظر من مناظر الرحيل هذه التى تتردد كثيراً فى شعره،
منظر قافلة مية وهى تهوى فى شعاب الصحراء.
3-
كما قتن ذو الرمة بوصف الرحلة فتن أيضاً بوصف الإبل،يصفها ساكنة،
ومتحركة. يوفى كل وصف ناقته الأثيرة لديه "صيدح" التى طالما تغنى بها
فى قصائدها.
لها
أذن حشر وذفرى أسيلة وخد كمرآة الغريبة أسجح
وعينا احم
الروق فرد ومشفر كسبت اليمانى جاهل حين تمرح
فإذنها حادة
دقيقة، وخدها طويل أسيل كأنه مرآة الغريبة التى تتعهدها دائماً
بالجلاء والصقل، وعيناها حادتان كأنهما عينا ثور وحشى منفرد فى
الصحراء ، ومشافرها لينة سهلة تشبه تلك الجلود المدبوغة التى يعنى
بصناعتها أهل اليمن ، وأرجلها سريعة خفيفة كأنها ظل الذئب لا تكاد
العين تلاحقه.
ويقدم لنا
صورة دقيقة لجانب من حياة الإبل ، هى تلك الصلة بين فحولها وإناثها،
وهى صورة لا يمكن أن تصدر- فى مثل هذا الإلحاح على التفاصيل
والجزيئات الدقيقة- إلا عن رجل بدوى خبير بالأبل، وثيق الصلة
بحياتها. ولعل هذه الخبرة التى جعلت صورة الناقة عنده تختلف اختلافاً
واضحاً عن صورة الجمل، لا تتشابهان إلا فى المنظر العام،أما فى
التفاصيل والجزيئات التى تتصل بالطباع والتصرفات فإن الإختلاف يبدو
بعيداً عميق الجذور.
4-
ويرتبط وصف الرحلة عادة بمنظرين ثابتين يترددان كثيراً فى حديثه
عنها:
أما أحدهما
فمنظر الحر اللافح وقد انتشر فوق البادية ، والرياح الحارة تهب على
القافلة فتشوى الرفاق والإبل، والسراب يترقرق بعيداً فى الأفق
فتتراقص فوقه الآكام، وأسراب القطا تتساقط صرعى من الظمأ القاتل الذى
يستبد بها، والقافلة تشق طريقها فى جهد ومشقة وسط الرياح،فلا يجد
الرفاق إلا عمائمهم يلوونها على رؤوسهم، ويحاولون ان يحجبوا بها عن
عيونهم لفحة السموم التى تقذفهم بنيرانها الملتهبة، كما تصك بوهجها
الأليم وجوه الإبل المجهدة وقد أخذ لغامها يسيل من أشداقها فتبدو
كأنها ملثمة بعصائب بيض، والعرق الحميم ينضح من أجسادها فيضرج
أعطافها المهزولة التى رعتها الفيافى.
تموت قطا الفلاة بها أواماً ويهلك فى جوانبها النسيم
وأما الآخر
فمنظر الليل المظلم قد غشى الصحراء، والنوم يداعب الجفون المرهقة
فتميل الرؤوس، وغناء رخيم تتردد أصداؤه ليجدد من نشاط القافلة
المكدودة. وسرعان ما تستلقى الأجساد التى أضمرها السهر والسفر على
الأرض ، بين أيدى التى أناخها أصحابها لتنال هى أيضاً حظمها من النوم
والراحة.
5-
وهناك إلى جانب ذلك: منظر الهاجرة المحرقة، ومنظرالليل الموحش، تنتشر
مظاهر الحياة التى يمر بها الشاعر خلال رحلاته بالصحراء انتشارً
واسعاً ، أنه لم يترك مظهراً من مظاهر الحياة فى الصحراء وقع عليه
بصره إلا سجله، على نحو ما نرى فى هذه الأبيات التى يصور فيها منظر
الاستقاء من الآبار بالدلاء:
وبيت بمهواة هتكت سماءه إلى كوكب يزوى له الوجه شاربه
بمعقودة فى نسع رحل تقلقلت إلى الماء حتى انقد غنها
طحالبه(*)
يصور ذو الرمة
الركب الذين يخترقون الصحراء ، فيبعدون فى أعماقها حيث يندر
الماء ويشتد
الظمأ، حتى إذا ما أشرفوا على بئر قديمة مهجورة غائرة الماء، اتخذت
منها العنكبوت بيتاً لها، أخذوا يحاولون الوصول إلى مائها البعيد
الذى تكسوه الطحالب. وها هم يعقدون مزاداتهم فى سيور رحالهم ، ثم
يلقون بها إليها فتهتك نسيج العنكبوت الذى يسد أعلاها ، ثم تأخذ فى
الإنحدار السريع نحو الماء فتقد عنه الطحالب التى تغشيه، حتى إذا ما
جذبوا حبالهم إليهم جاءت الدلال بماء متغير طعمه، وعليها مزق من نسيج
العنكبوت، فيأخذون فى صب الماء فى الحوض القديم القائم حول البئر،
وقد اتنشرت فوق أحجاره آثار الطير التى كانت ترده من قبل ، ثم
يعرضونه على إبلهم التى استبد بها العطش فمنها ما يشرب فيروى ، ومنها
ما يعاف طعمه، ومنها ما يعاف طعمه ، ومنها ما ينال شيئاً منه ثم
ينصرف عنه ، حتى إذا حل وقت الرحيل ملأوا أوعيتهم بالماء ثم علقوها
فى رحالهم ، واندفعوا يستقبلون مرحلة جديدة فى رحلتهم .
6-
من بين المناظر منظران فتن بهما الشاعر فتنة طاغية ، منظر السراب
المترقرق فوق الرمال، ومنظر المياه الآجنة فى أعماق الصحراء البعيدة.
تبدو فيهما تجربة الشاعر وخبرته بحياة الصحراء .
فالسراب تارة
غدران لا تغيض بمائها الصحراء ، وتارة أخرى ثياب رقيقة شفافة تتحرك
فوقها فتكسو أرجائها . وهو تارة بريق كبريق السيف تركض به البيداء
فيكاد يخطف سناه الأبصار، وتتخذ منه أعالى الهضاب عصائب لها ، وهو
تارة ستر خاطة القيظ ومده على طول الأفق ما بين جانبى الصحراء:
تبطنتها
والقيظ . ما بين جالها إلى جالها سترا من الآل ناصح
وهو تارة بحر
تعلو مياهه حينا فتغرق فيها الهضاب، وتنحسر منها. وتارة يلتف حول
رؤوس المرتفعات، ويبدو متحركاً حولها كأنها فلكة مغزل تدور بخيوطها .
وتارة يلتف حول الجبال العلية كأنه حزام من موج تعصب به أوساطها .
وتارة ثوب ينسجه الحر تتنمازع الصحراء أطرافه . وهو – على الحالين –
متحرك دائماً يجرى مرة ويرتد مرة أخرى ، والفضاء يركض به كأنه أعالى
مطر تفيض به تزجيها الرياح .
7-
وهو لم يقف عند منظر الصحراء العام وإنما تجاوزه إلى مظاهرها الحية .
حيوانها الشارد فى أعماقها ، وحشراتها الساربة بين رمالها ، وأشباحها
، فوصف الظباء وصغارها ، والنعام وأفراخه ، وقطعان الحمر والبقر
الوحشية ، ووصف الذئاب والثعالب والضباع ، ووصف القطا والعصفور
والحمام والحبارى والبوم ، ووصف الجنادب والضفادع والحيات والحرباء
والعنكبوت ، كما أشار إلى الجن التى تملاأ القفر- فى زعمهم – وما
تتردد به أرجاؤه من أصواتها الغامضة المخيفة . والناظر فى ديوانه يحس
إحساساً عميقاً بأنه لم يكد يترك شيئاً رآه دون أن يقف عنده ليصفه فى
دقة تلفت النظر وتتنتزع الإعجاب .
وربما كان
الحرباء أشد حيوان من حيوان الصحراء اسئثاراً ل‘هتمام ذى الرمة .
ويتردد وصفه فى شعره ، فهو يذكر ويلح على ذكره فى كثير من قصائده،
وتتعدد الصور التى يرسمها له . وهو لايكرر نفسه وإنما يأتى فى كل
صورة بشىء جديد . والذى لا شك فيه ان صور الحرباء عند على حظ كبير من
الطرافة والإبداع . وأشد ما يلفت نظره منه شيئان : تلونه ، ووقوفه فى
الشمس بلا حراك . فهو يتلون مع الشمس وتتغير الوانه فتارة يبيض وتارة
يخضر ، وقد مد كفيه فى هجيرها فوق أعواد النبات الجاف كانه مذنب رفع
فوق جذع شجرة ليصلب.
وتارة أخرى
تتغير ألوانه من الغبرة إلى الخضرة ، وقد وقف فى الهاجرة كأنه قائم
يصلى للشمس صلاة غريبة لا تكبير فيها ، صلاة تتقلب مع الشمس .
8-
يهتم ذى الرمة بوصف حيوان الصحراء الوحشى ، وخاصة الحمر والثيران، فى
معرض وصفة لناقته، حيث جرى التقليد القديم على تشبيهها بحمار الوحش
أو الثور الوحشى، وهو يختار لها عادة أحد منظرين: حياتها العادية
التى تحياها فى الصحراء ، وصراعها الرهيب مع الصيادين.
فدائماص نرى
الحمار بين إناثه التى استبان حملها ، وقد استبد به وبها العطش، وهو
يسعى بها نحو الماء، فى حين نرى الثور منفرداً ، وقد أخذ الظلام
يزحف، والمطر يتساقط، فهو مذعور خائف يحاول جاهداً أن يحتمى ببعض
الشجر . ومع الحمار نرى الصياد بسهامه الزرق الحادة متربصاً به عند
الماء فى إنتظار وروده، وأما مع الثور فنرى الصياد بكلابه السريعة
المدربة على الصيد. وفى الحالتين ينتهى الصراع دائماً بنجاة الحيوان
، خضوعاً لما استقر عليه التقليد النى القديم من الإبقاء على حياة
الحيوان.
وعن تصوير ذى
الرمة الحيوان فى صراعه مع الصيادين نقدم مثالين، أحدهما للحمر
والآخر للثور . وتبدأ اللوحة الأولى بمنظر قطيع من الأتن الوحشية
الطويلة الضامرة ، وقد تطاير عنها شعرها ، لأنها حديثة عهد بالولادة،
وهى منتشرة فى أرجاء الدهناء فى أيام الربيع ترودها وتجول فيها طلباً
للمرعى.
وهناك فى حفرة
بعيدة ضيقة صياد يراصدها، وقد اختبأ فى هذه الحفرة المهجورة حيث
تباينه الأفاعى، وهو يحمل قوسه الفراء المعوجة وسهامه الزرق التى
أعدها حديثاً . وأقبلت الحمر فى أواخر الليل تقصد الماء ، وترامى
إليه صوت خوضها الماء، وبدت له من بين صغار النخل، حتى إذا ما سنحت
له الفرصة رمى بسهامه، فاندفعت الحمر مذعورة وكل صف منها يحاول أن
يتقى السهام بالصف الذى أمامه. وتنتهى اللوحة بمنظر الحمر المذعورة
الهاربة وهى تنجو بحياتها فتثير غباراص شديداً كأنه دخان أجمة ملتفة
اشتعلت فيها النار.
وأما اللوحة
الأخرى فتبدأ بمنظر ثور وحشى نشيط. يتررد فى الصحراء من مكان إلى
مكان، ومن حوله انتشرت ضروب من الرمل . لقد أرخى الظلام عليه شملته
السوداء، وأخذت السحب تتجمع والمطر يتساقط فالتجأ إلى أرطاة بعيدة عن
مهب الريح ، يردها عنها كثيب من الرمل ، يلتمس تحتها الدفء. ويلمع
البرق فى الظلام الحالك فيكشف عن بياض الثور وقد تأنق فى قبائه
الأبيض ، وقطرات المطر تتحدر فوق ظهره الأملس. ولكن الرمال الكثيفة
تنهار تحت قرينه الطويلين ، وتترامى إلى سمعه نبأة خفية يفزع لها،
فيبيت ليلة سهران قلقاً، حتى إذا ما أشرق الصبح يعيد إلى نفسه
السكينة، فيمضى إلى مرعاه ،غافلاً عن تلك الكلاب الضاربة التى خرج
بها صياد تحترف الصيد وتخذ منه وسيلة للعيش. وتبدأ المعركة الرهيبة
بين الثور والكلاب بانقضاضها عليه وفراره أمامها. فإذا هو يخفف من
سرعته ثم يكف منها، وينحرف ناحية الكلاب التى تكون قد أدركته ، ويروح
يطعنها فى صدورها فى عنف وشدة كانه مجاهد يحتسب أجره عند الله وصف
الصحراء فيودع فيه بقية قصيدته ، وبينما تأخذ مية ثلاثين بيتاً نجد
الصحراء تأخذ نحو مائة بيت عمد فيها إلى تصوير ثلاثة مشاهد رائعة ،
وهى مشهد حمار الوحش مع اتنه فى الصحراء ، ثم مشهد ثور الوحش يجرى
فيها، ثم مشهد الظليم مع نعامته وأولاده، وهذا كله يوضع فى القصيدة
لا مدخلاً لغرض من ورائه، كما كان يصنع شعراء الجاهلية غالباً ، فهو
المدخل وهو الغرض جميعاً فى القصيدة.
ولذلك نزعم
أن الصحراء فى ديوان ذى الرمة أهم من صاحبته،فمناظرها ومشاهدها تطغى
عليها طغياناً شديداً، وهو طغيان أراده وعمداً إليه عمداً، حتى يسوى
هذه اللوحات الفاتنة لصحرائه، التى مايزال بيدى ويعيد فى تلوينها ومد
خطوطها وحشد ظلالها وأضوائها .ونحن لا ندخل فى ديوان حتى نحس كأننا
عالماً جديداً ، فهذا كتاب الصحراء قد فتحت لوحاته ، وفى كل لوحة نرى
مشهداً عجباً من مشاهد الصحراء.
ويشعر من يقرأ
ديوانه أن حيوانات الصحراء أصبحت جزءاً من نفسه ، ولذلك كان يبدع فى
وصفها، فهو يصف رحلاتها فى الصحراء، وكأنه يصف رحلاته هو، اماهى
فصادية تطلب الماء ، وأما هو فصاد يطلب مية . وقد تولد للحيوانات فيه
أثناء هذا الوصف كثير من العواطف، ولعله من اجل ذلك كان لا يدع
الفرصة لسهام الصائد ولا لكلابه ان تصيدها ، وربما كان لنفسه
اللاشاعرة أثر فى ذلك ،فإنه لا يستطيع أن يحصل على حبه، وكذلك الصائد
لا يستطيع أن يصل إلى صيده.
وإذا أردنا
أن نعطى مثالاً على هذا علينا أن نرجع ثانية إلى الوراء ثور الوحش،
فى القصيدة الأولى فإننا نرى ذى الرمة يصف نفسه وهواجسه. وما يصاحبه
فى أثناء ذلك من اضطراب وقلق خوفاً من الإنسان وكلابه التى يرسلها
عليه . ويستمر ذى الرمة حتى يصله بهذه الكلاب، فيقرمنها بادىء الأمر
، ثم يعود ، وقد استشعر كرامته، فأنف أن يهرب من المعركة. وذى الرمة
فى ذلك مثل الثور نفسية البدوى الذى يرى الهروب من المعركة عاراً.
وكا ينفث فى
الثور نفسية البدوى المعتز بنفسه نراه ينفث فيه غيره من الحيوان كل
ما يضطرب فى نفسه هو من قلق ووساوس إزاء حب مية . وكان ذى الرمة
ماهراً حقاً فى بث العواطف والحركات النفسية فى الحيوان، وقد صور فى
لوحة الظليم ونعامته حنو الأب والأم وأبنائهما أو أفراخهما تصويراص
طريفاً، فهما يخشيان عليهما ان تمتد لها سباع الليل، أو برد السماء ،
وهما لذلك يعدوان إليهما عدواً سريعاً .
وتبدأ الصورة
بمنظر ظليم ضخم يمشى على رجلين قويتين كأنه بيت من بيوت العرب قائم
على عمودين طويلين من شجر العشر الضخم لم يتقشر عنهما اللحاء ، وهو
عائد فى السماء – بعد أن نال حظه من نبات الربيع الرطب – غلى حيث ترك
فراخه. إنه منهمك فى مرعاه وقد اختفى رأسه الدقيق بين النبات ،
ولولا أنه يرفعه من حين إلى حين لأنكرته ولم تعرفه . ثم ها هو ذا
قطيفته السوداء كأنه حبشى، وهو يحث الخطى إلى صغاره كأنه بعير أضله
صاحباه وعليه أحمال لم يحكم ربطها فهى مضطربة توشك أن تقع ، حتى إذا
ما أمسى على مرمى البصر من فراخه فاجأته ريح شديدة عاتية تحمل معها
الحصى والتراب ، وأخذت الغيوم الراعدة تحجب الأفق، فإذا أنثاه التى
يختلط السواد فى ريشها بالبياض تعترض طريقه وهى تعدو مسرعة كانها دلو
انقطع حبلها لكثرة ما جذبه ماتحها فهوت إلى البئر، وإذا هما يندفعان
فى عدو سريع كانهما ينتبهان الأرض بينهما انتباهاً، فقد اشتد عصف
الريح ، وانهمر المطر ن ودوى صوت الرعد ، واخذ الليل يزحف سريعاً.
وإنهما
يبذلان كل ما فى طاقتهما من عدو حتى لتوشك جلودهما أن تنشق عنهما ،
وغنهما يعلوان النجاد ثم يندفعان إلى السفوح فيثيران الغبار من شدة
الجرى، لأنهما يخافان على الصغار الصاخبة – إن دخل عليهما الظلام
دونها- سباع الليل الضاربة وقسوة الطبيعة الثائرة. وتختم الصورة
بمنظر الصغار التى لم ينبت الريش على أجسادها السود العرية، والتى لا
مأوى لها إلا ذلك الرمل الناعم، وإلا حنان الأم البرة بهم والأب
المشفق عليهم، وبدت أشداقها المفتوحة التى لم ينبت لها زغب كأنها
صدوع فى أعواد نبع فوق رؤوس الجبال ، وأعناقها الطويلة كأنها نبات
رملى تساقطت عنه أوراقه ، وارتفعت على رؤوسه الثمار.
التجسيم
والتركيز والحشد فى الصورة ، وذى الرمة لا يكاد يسبقه فيه شاعر عربى،
واستمع عليه إليه يقول :
وما قِلنٌَ
إلا ساعةً فى مغٌْوَرٍ وما بِـتن إلا تلك والصبح أدْرَعٌ
فالإبل لم
تسترح فى رحلتها إلا قليلاً ، قالت ساعة او بعض ساعة، وباتت ساعة او
بعض ساعة لم تبت إلا فى أعقاب الليل، حين أحذت أضواء الصباح تتبلج فى
الآفاق.
الصور السمعية
فى الصحراء تجسم هى الأخرى كما تجسم الصور البصرية.
ولعل ذلك ما
جعل ذا الرمة يمثل لنا فى ديوانه أصوات من يصفهم من الإنسان
والحيوان، يقول فى احد هذه الصور:
للجن
بالليل فى حافاتها زجل كما تناوح يومَ الريح عيشوم
هَنّــا
وهَنّــا ومَنْ هَنٌّا لَهْنٌ بها ذات الشمائل والأَيمان
هينوم
دوية
ودجــا ليـل كـأنهـمــا يمُّ تراطن فى حافاته الــروم
فهو يسمع للجن
فى الفلاة صوتاص كصوت الريح حين تهب عاصفة على نبات العيشوم ، تسمع
ولا تفهم ، وإن الصوت ليتجسم فى سمعه قليلاً، هو كأنه صوت روم
يتراطنون فى حافات يم. أو كما يقول هو يترامى إليه من هنا وهنا ومن
هنا. وما أظن كلمات كما يقول شوقى ضيف تستطيع ان تمثل اضطرابه وخوفه
وقلقه أثناء سراه فى ظلمات الليل كهذه الكلمات المكررة مع إختلاف
خفيف فى تحريك الهاءات.
فى قصائد
تشخيص واسع ، إذ نراه يرسم الصخور كأنها خيل وإبل متحركة ، أو النجوم
كأنها ظباء وبقر، أو النهار وقت الغروب كأنه شخص تتعثر فى حلقه
حشرجات الموت. وفيها أيضاً هذا التجسيم والتركيز، الذى يصور الزمن
الماضى كانه ظل كرم، والذى يجعل الليل المظلم الداجى كأنه خندق ، كما
يجعل السراب يجلله الغبار كأنه ثوب تلبسه الصحراء، وتلبس من فوقه
معطف صوف رمادى اللون.
إن أهم صفة
تتراءى لمن يقرأ ديوانه هى صفة الربط بين الصور المتباعدة، فمن أهم
ما يميزه أنه كان صاحب مخيلة رابطة ، وهى مخيلة من طراز لا نألفه عند
شعراء العرب. اما عند ذى الرمة فقد صدر عنها كثير من صورة الطريفة
التى رسمها.
خامساً: النظرة الكونية للصحراء
بعد ان عرضنا
لصوروصف الصحراء عند ذى الرمة الذى كان شعره قصائد غزل فى الصحراء
اكثر من كونها وصفاً لها وقدمنا صور الصحراء المختلفة فى قصائده على
تنوعها وتعددها وطرافتها، أشرنا إلى خصائص شعر الصحراء عنده من
تصويرها فى لوحات تجسم الحركة والصوت تبث فيها الحياة . نصل إلى
النظرة الكونية للصحراء عند شاعر الصحراء صاحب القدرة على الربط بين
كل ما فيها من كائنات ، إنسان وحيوان وجماد تكاد تجعل من شاعر صاحب
رؤية شبيهة برؤية وحدة الوجود . ولاحظ كلمة " تكاد " و" شبيهة " فى
الجملة الأخيرة فنحن إزاء شاعر صاحب مخيلة ولسنا إزاء فيلسوف. إلا
أنه شاعر تشبع بما فى حضارته من تقاليد جديدة التى أطلع عليها فى
الحواضرالتى زارها . مما اسهم فى صقل مخيلته التى اعادت تشكيل
العناصر المختلفى. فلم يكن ذى الرمة يحاكى الصحراء بل يعيد تشكيل
عناصرها فى لوحات فنية.
وهذه الصفة
عنده تدلنا دلالة قاطعة على أنه كان يحس الكون كله إحساساً لا مكان
له ولا زمان، ونحن نؤمن بأن ذلك كان نتيجة نظرة عميقة فى الكون، وهى
نظرة هيأتها الأبحاث العقلية الجديدة فى عصره، فإذا بذى الرمة يشعر
فى أعماق نفسه بالصلة التامة ، بل بالربط التام بين وحدات الطبيعة فى
سمائها وارضها، وبرها وبحرها ، وصخورها وسفنها ، وظبائها ونجومها
وصدفها. وهذا الإحساس العميق بالكون هو الذى تقاربت فيه صور الأشياء
، بل كادت تتحد استمع إلى أقواله:
كأن
مطايانا بكل مفازة قراقير فى صحراء دجلة تسبح
والقراقير:
السفن، وتشبيه المطايا قديم كما نعلم ،ولكن الجديد هنا إضافة الصحراء
إلى دجلة . فالأمواج تضاف إلى الفلاة، والصحراء تضاف إلى دجلة لتعبر
عن متسع الماء هناك. وانت مهما حاولت ان تفهم هذه الصورة فلن تستطيع
فهمها إلا إذا ارتددت إلى فكرة الإحساس بالكون كله إحساساً يحدث
الصلة الواضحة بين صوره. واستمع إليه يقول فى وصف ظباء ، تلعب فى
فلاة:
كأن
بلادهن سماء ليل تكشف عن كواكبها الغيوم
فالفلاة تشبه
السماء لا من حيث الظباء والنجوم فحسب، بل ايضاَ من حيث الغيوم، ففى
الأرض آفاق تخرج منها هذه الظباء كما تخرج النجوم من غيوم السماء،
واستمع إلى قوله:
كانّ
أدمْانهَا والشمس جَانحةٌ وَدْعٌ بأرجائها فضَ
ومنَظْومٌ
فالفلاة لا
تشبه السماء فى غيومها ونجومها فحسب، بل هى تشبه أيضاَ البحر بودعه
ولأصدافه متجمعة ومنثورة. فلا فارق فى صوره بين بر وبحر وأرض وسماء .
ولعلنا بذلك نستطيع أت نفهم قوله السابق فى وصف الثور حين عاد الكلاب
يصارعها، إذ يقول:
حتى إذا دومت
فى الأرض راجعه كبر ولو شاء نجى نفسه الهرب
فقد عبر
بالتدويم عن دوران الكلاب فى الصحراء ، والتدويم إنما يكون للطير فى
السماء . ولامه بعض اللغويين أن وضع التدويم فى غير مكانه ، وهم كما
يذكر شوقى ضيف الملمون، لأنهم لم يفهموا أنه كان يصدر عن إحساس عميق
بالكون. ومن صور هذا الإحساس الدقيق أن نراه يتصور نبتاً التفت
أصوله، وكثرت فروعه، وتراكمت أعشابه، فبدا فيه سواد الخضرة كأنه
الليل.
وهذا كله
مصدره الإحساس الشامل بالكون، وهو إحساس جاء من تامل عميق، يمثل كل
ما حصل عليه الذهن العربى فى العصر الأموى من فكر أوجد لديه هذه
النظرة الكونية . ونحن لا نقرؤه حتى نحس بجماله وان شاعراً قديماً لم
يستطع أن يجاريه فى هذا الميدان، لان ذهن ذى الرمة كان من هذه
الأذهان القليلة التى تعكس فيها مناظر الطبيعة، وكأنها رؤى حالمة.
فإذا الشىء تعقد المشابهة بينه وبين ابعد الأشياء عنه ، وكان هناك
خيوطاً واصلة فى مخيلة الشاعر تغيب عن الأشخاص العاديين.
ومن غير شك
كان يستوحى ذى الرمة الشعر القديم وصوره ، ولكنه عرف كيف ينفذ من
خلال ذلك إلى طريقة جديدة فى وصف صحرائه ، استطاع ان يصنع من خلالها
هذه اللوحات التى تدل دلالة واضحة على أن الشعر العربى تطور فى هذا
العصر تطور لم يقف عند السطح والظاهر فحسب، بل تناول الداخل ، وتناول
النفس وأحاسيسها، فانطبعت فيه روح تأمل واسعة فى الطبيعة. وهى روح
كانت تتأثر بالحضارة الجديدة ونظرتها الكونية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) المهواة :
البئر . والسماء: أعلى البيت . والكوكب: مخرج الماء . يريد بيت
العنكبوت. وتقلقلت : أسرعت فى الإنحدار. ويريد بالمعقودة فى نسع
الرحل الوعاء الذى شدوه فى حبل الرحل ليتخذوا منه دلواً.
الهوامش:
1-
د. يوسف خليف: ذى الرمة شاعر الحب والصحراء ، دار المعارف بمصر
،القاهرة، المقدمة ص 5-7.
2-
يختلف الرواة فى سبب تلقيبه بذى الرمة فيزعم البعض لأن محبوبته هى
التى لقبيته بهذا اللقب وذلك أنه مر بخبائها فاستسقاها الماء وكان
على كتفه رمة وهى قطعة من حبل فأتته بالماء وقالت أشرب يا ذا الرمة
فلقب بذلك. وزعم البعض أنه لقب بذلك لقوله بعض شعره " أشعث باقى رمة
التقليد" وزعم آخرون أنه كان يصيبه فى صغره فزع فأتت به أمه معلم
القبيلة فكتب له معاذة فى جلد غليظ وعلقتها أمه على يساره ومرت به
يوماً على معلمه الحصين لتسمعه بعض شعره، فلما سمعه قال أحسن ذى
الرمة " انظر الأغانى عن شوقى ضيف: التطور والتجديد فى الشعر الأموى
، دار المعارف، ط3،القاهرة 1965 ص243.
3-
ينتهى نسبه إلى قبيلة عدى بن مناة، إحدى قبائل الرباب المضرية، وهى
قبائل تنزل منطقة" الدهناء" عند التفافها حول إقليم اليمامة، الذى
يمثل القسم الجنوبى الشرقى من نجد د. يوسف خليف ، ص25.
4-
مارس فنون الشعر من هجاء ضد هشام المرئى الشاعر ، مدح بلال بن أبى
بردة حفيد أبى موسى الأشعرى، الذى تولى شرطة البصرة 109 هجرية. زار
البصرة والكوفة واصبهان ونال شهرة واسعة وصيتاً عريضاً واتصال بالوسط
الأدبى بالبصرة والكوفة. انظر تفصيلات ما يتعلق بحياته فى شوقى ضيف
الذى يؤكد على الجوانب الدينية فى حياته السابق ص 244- 245.
5-
د. يوسف خليف، ص 250.
6-
فالصحراء- فى حقيقة الأمر- هى المحبوبة الأولى والأخيرة فى حياة ذى
الرمة ، ولم تكن وصيته الأخيرة بأن تضم رمالها الناعمة جسده إلا
تعبيراً عن هذا الحب الذى استقر فى أعماقه فلم يفارقها حتى النهاية،
ولم تكن تلك المتعددة التى تعلق بها الرواة، وربطوا فيها بين موته
وبين الصحراء إلا صدى لما استقر فى أذهانهم عنهذا الحب الذى أخلص لها
ويعتبر الباحثون أن شعره فى الصحراء ضرباً من الغزل أكثر مما هو
ضرباً من الوصف . المرجع السابق ص 253.
7-
المرجع نفسه ص 255-256.
|