المحاضرات
المؤلفات

 

عالميـــة الإســـلام والســـلام العـــالمــــى

 

       أصبح الخطاب السياسى والإعلامى العالمى منذ أحداث الحادى عشر من سبتمبر يتمحورحول مقولة الإرهاب ، وتركز استعمال هذه المقولة حتى انحصر أو يكاد فى الإسلام. وهكذا أصبحنا وكأننا نشهد تجسيداً لمقولة المفكر الإستراتيجى الأمريكى صامويل هانتنغتون "Samuel Huntington " صدام الحضارات " Clash of Civilizations  والتى أسند فيها للإسلام دور العدو بالنسبة للغرب ، حيث وضع فى الموقع الذى كانت تحتله الشيوعية خلال النصف الثانى من القرن العشرين ، مع كل ما يستوجبه وجود هذا العدو الجديد من مواجهة شاملة بدءاً من تحوير المناهج التعليمية ووصولاً إلى التهديد والحصار وإعلان الحروب . وإذا كان وجود العدو ضرورياً بالنسبة للولايات المتحدة حتى تحافظ على قواها الداخلية فى حالة تحفز دائم وتضمن استمرار نفوذها وهيمنتها على العالم وتسخير واستغلال ثروات الشعوب الأخرى ، فإن هذا العدو الجديد لا يمثل فى حقيقته ما كان عليه العدو خلال الحرب الباردة- الشيوعية- حيث يختلفان على أكثر من صعيد ، فإذا كان للشيوعية قطب يتولى التخطيط والبرمجة والتفاوض   ( الإتحاد السوفياتى سابقاً) وتدور حوله منظومة من الدول والحركات الفاعلة فى الأوساط العمالية والمثقفة عبر العالم ، فإن الإسلام لا يتوفر على مثل ذلك القطب بل هو فسيفساء من الدول إما هى خاضعة بدرجة أو بأخرى لقوى خارجية أو خارجية أو تربطها معها مصالح أكيدة لا يمكن الفكاك منها .وإذا تم الإصرار على مواجهة هذا العدو الجديد فلن تكون إلا فى إطار حرب ساخنة قد تؤدى إلى إحتلال عسكرى مباشر . ومن هنا فإن من مصلحة الإسلام تعزيز أواصر التضامن الداخلى بين مكوناته جميعها وبمختلف مواقعها ونشر رسالته العالمية باعتباره دين سلام للناس جميعاً وخلاص للبشرية من الدمار المادى والمعنوى ، وليس كما تروج له آلة الدعاية الإعلامية عبر العالم من أنه يغذى الإرهاب والعنف والتطرف.

ويكفى فى هذا الإطار التدليل على البعد السلمى والإنسانى للإسلام من خلال الجغرافيا والتاريخ والنصوص الدينية.

1- قراءة فى الجغرافيا :

  هناك تصور شائع فى أذهان المسلمين وغير المسلمين فى لماضى والحاضر بصدد علاقة الإسلام  بالآخر ، ويقوم هذا التصور على دمج نشر الدعوة الإسلامية فى أرجاء العالم بفكرة الجهاد ، أى أن الإسلام ما انتشر فى آسيا وإفريقيا وأوروبا إلا من خلال الغزو أو الفتوحات التى خاضها المسلمون فى مختلف العهود الإسلامية . وطبقاً لنفس التصور فإنه لولا تلك المعارك لمل انتشر الإسلام فى أنحاء الأرض . وقد ساهمت فى ترسيخ ذلك التصور عدة أطراف داخلية وخارجية لم تكن جميعها ذات نوايا سيئة . حيث أن بعضها تحرك من داخل المنظومة الإسلامية ذاتها ليحفز الجماهير على مقاومة الإحتلال الأوربى ، فركز على جانب القوة فى التاريخ الإسلامى ومن أهم مظاهرها الحروب، وفى هذا الإطار ظهرت العديد منم الكتابات والأفلام والمسلسلات التاريخية والدينية، حتى بدا وكأن الإسلام ما كان له أن ينتشر لولا الفتوحات والحروب .

غير أن تأمل خريطة العالم الإسلامى تكشف عن خطأ هذا التصور ، ويكفى فى هذا المجال أن نلاحظ ما يلى:

1-  أن عدد البلدان الإسلامية التى يتجاوز سكانها المليار ومائة مليون نسمة أربعة من بينها إندونيسيا وبنغلادش ونيجيريا ، وجميعها لم تصلها جيوش إسلامية ولم تجر فيها حروب بأسم الإسلام ، وإنما اعتنق سكانها الدين الجديد عن طريق الإقتناع والإختيار الحر، حيث تولى نشر الدعوة فيها التجار والمتصوفة ومن جاء معهم أو بعدهم من الدعاة والخطباء ممن تمثلت فيهم قيم ومبادىء الإسلام فاجتنبوا بسلوكهم الناس فدخلوا فى دين الله أفراداً وأفواجاً.

ولنا أن نتصور العالو الإسلامى بدون هذه البلدان وكذا بدون إفريقيا جنوب الصحراء الشرقية وجنوب شرق آسيا، لا شك أنه سيكون عندئذ ديناً محدود الجغرافيا والديمغرافيا . إن الإسلام بإنتشاره فى المناطق جسد بعده العالمى من جهة والسلمى من جهة أخرى.

2-  إن العالم الإسلامى يتوفر على أقليات وطوائف دينية عديدة منها المسيحية بمختلف مذاهبها واليهودية، ولم يقتصر الأمر على أهل الكتاب وإنما أيضاً تعايش المسلمون مع أديان أخرى من غير أهل الكتاب كالهندوسية والبوذية والوثنية ( إفريقيا جنوب الصحراء) . وهذا يدل بما لا يدع مجالاً للشك فى الأندلس بعد سقوط غرناطة سنة 1492 أو فى البلقان وما بالعهد من قدم، إذ رغم المواثيق الدولية لحقوق الإنسان تعرض المسلمون فى بلغاريا مثلاً فى أواسط الثمانينات إلى حملة تطهيرية طالت حتى الأسماء .؟ ولسنا بحاجة إلى تذكير بما تعرضوا له فى البوسنة والهرسك وكوسوفوعلى امتداد التسعينات . أما العالم الإسلامى فإن الأقليات والمذاهب الدينية المختلفة عوملت بإحترام والدليل على ذلك إستمرارية وجودها حتى الآن، بل أنها استطاعت أن تنمو فى ظل الإسلام بفضل ما كان لها من مؤسسات مختلفة وخاصة بمشاركتها الفاعلة فى بناء الحضارة الإسلامية حيث وظفت طاقاتها الإبداعية والفنية والعلمية، كما ساهم أفرادها فى تقلد الوظائف ( المالية مثلاُ من قبل اليهود) بما لا يمكن حدوث مثله فى أى حضارة أخرى سابقة للإسلام أو معاصرة له . وهذا لا يدل على الطابع السلمى للإسلام، وإنما أيضاً على روحه المساواتية والإنسانية.

إن جغرافيا العالم الإسلامى دليل موجه إلى غير المسلمين والمسلمين معاً على:

-    أن الإسلام ما انتشربالعنف والقهر والإكراه ، وما جاء ليقضى على الديانات الأخرى، بل أن الآية القرآنية تعلن للمسلمين صراحةً بأن هو الذى جعل الناس مختلفين فى العقيدة، ولا يجوز بالتالى إكراهم على اعتناق الدين الإسلامى (وَلَوْ شَاءَ رَبّكَ لآمَنَ مَنْ فِى الأرْضٍ كٌلّهُمْ جَمِيعاً ، أَفَأَنْتَ تٌكْرِهٌ النّاسَ حتَّى يَكٌونٌوا مٌؤمِنِينَ ) (1) . ونفس الآية بحرية العقيدة الدينية .

-    إن جغرافيا العالم الإسلامى دليل قاطع على أن الإسلام يقوم على مبادىء أساسية ترتكز على التعايش السلمى وإحترام الآخر والإعتراف به حتى وإن لم يكن مؤمناً، ويمكن استشفاف ذلك من خلال العودة إلى الينابيع أى النصوص الدينية فى حد ذاتها .

3-   عالمية الإسلام :

إذا كان الخطاب الإلهى فى التوراة وفى الأناجيل موجهاً إلى بنى إسرائيل ، فإن الخطاب القرآنى موجه إلى الإنسان عموماً وفى هذا المعنى يقول الله تعالى مخاطباً نبيه ( َومَا أَرْسَلْنَاكَ إِلىّ كَافّةً للنّاس بَشِيراً ونَذَيِراً) (2) . وبذلك فقد تجاوز الخطاب القرآنى الرابطة الدموية أو الإثنية حيث لم يرد ذكر لقبيلة قريش التى ينتمى إليها النبى محمد صلى الله عليه وسلم ، وإلا مرة واحدة ، ولا نجد ذكراً للعرب عموماً ن وإنما هو خطاب عابر للإنتماءات القديمة ومنفتح نحو البشرية جمعاء إذ يتوجه مباشرة إلى الجذر المشترك بين بنى الإنسان ألا وهو انحدارهم من أصل واحد ( يَا أََيٌّهَا النٌّاسٌ إِنٌّا خَلَقْنَاكٌمْ مِنْ ذَكَرٍوَأٌنْثَى وَجَعْلَنَاكٌمْ شٌعٌوبّاً وقَبَائِلَ ِلتَعَارَفٌوا ، إِنٌّ أَكْرَمَكٌمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكٌمْ، إِنٌّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرّ) (3) . وبالتالى فهم ينحدرون جميعاً من ذكر وأنثى أى أنهم يشكلون عائلة واحدة وإن العلاقة بينهم على الأخوة البشرية ، وفى إطار تلك الاخوة يعيش الناس فى سلام وتربط بينهم أواصر المحبة والتعاون . وكذلك فإن الخطاب القرآنى قد سما عن المحيط الذى انزل فيه ليتوجه إلى الإنسانية جمعاء بما فيها من إختلاف وتمايز حتى تحقق هدفاً سامياً يتمثل فى التعارف والتنافس على الخير والتقوى .

وبالإضافة إلى الأخوة فإن الحياة البشرية تقوم اساساً على الخرية التى منحها الله للبشر ( متى استبعدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟) ، فقد خلق الله الإنسان حراً ومفكراً ، حيث تحمل الامانة التى عرضها الله على السموات والارض والجبال وسائر المخلوقات فأبينها، إلا الإنسان فقد قبلها، فمنحه الله الحرية الكاملة فى أن يختار ما يريد وزوده بما يمكنه من ممارسة هذه الحرية أى العقل ( إِنٌّا عَرَضنْاَ الأَمَانَةَعَلَى السٌّموَاتِ وَالأَرْضِ وَالجِبَال فَأبَيَنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانٌ إِنٌّهٌ كَاَنَ ظََلٌوماً جَهٌولاً) (4). إن هذا المعنى العميق للحرية يستوجب تمكين الأفراد من ممارسة حرياتهم الفكرية والدينية، وهو ما يكلفه الإسلام ويعتبر ركناً من أركان بعده العالمى.

 إن الإسلام يعتبر الحياة الإنسانية وحدة متماسكة الحلقات ، ولا غرور فهو آخر الديانات ونبيه خاتم الأنبياء والمرسلين ، وهو يعد البشرية كلها بشرية واحدة، والمسلمون مكلفون إزاءها بتبعات البلاغ والشهادة يقول تعالى: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكٌمْ أٌمٌّةً وَسَطاً لِتَكٌوٌنوا شٌهَدَاءَ عَلَى النٌّاس)(5). وهو ما يؤكد هذا المنحنى الإنسانى والعالمى للإسلام ، مع ما يتطلبه ذلك من التكامل والتضامن وإزالة أسباب الفرقة والخصام والنزاع بين الأفراد وبين الجماعات والشعوب والأمم.

إن رسالة الإسلام عامة للبشرية جمعاء يدعوها إلى ترقية العل والفكر وإصلاح الحياة وتدعيم الحضارة البشرية ، وهذه المعانى تتوفر عليها عبارة الرحمة التى جاءت فى إطار وصف الله رسالة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، إِلاّ رَحْمَةّ ِللْعَالَمِين)(6). ورسالته بالتالى إليهم جميعاً كما جاء فى الآية الكريمة : (قٌلْ يَا أَيٌّهَا النٌّاسٌ : إنى رَسٌولٌ الله إِلَيْكٌمْ جَميِعاً )(7)، وكذلك : (إِنْ هٌوَإلاّ ذِكْرّ لِلْعَالَمِين)(8)، وبالتالى فهذا الخطاب لم يقتصر على شعب دون آخر أو أمة دون غيرها هو للبشرية جمعاء.

 إن هذا الخطاب المتوجه إلى البشرية جمعاء يشكل ركيزة أساسية فى البعد العالمى للإسلام ، وهو من جهة أخرى دعوة ملحة لتحقيق السلام على وجه الارض .

4-   دين السلام العالمى:

يتجسد الإرتباط العضوى بين السلام والإسلام فى أكثر من مظهر حيث أن السلام هو أحد أسماء الله الحسنى ، وفى ذلك دعوة للمسلمين حتى يتمنوا هذه القيمة السامية . كما أن الإسلام والسلام يشتركان فى نفس الجذر اللغوى ، ويتجاوز الأمر ذلك ليرتبط بالشعائر الدينية حيث أن الفرد المسلم مكلف بذكر السلام يومياً  إثر كل صلاة ملتفتاً إلى اليمين ثم إلى اليسار قائلا: السلام عليكم . كما ورد ذكرالسلام أو السلم فى القرآن الكريم فى 140 آية، بل أن الإسلام اتخذ السلام شعاراً وتحية للمسلم فى الدنيا والىخرة.

كل ذلك يدل على أن السلام هو الظاهرة الصحية للعلاقة بين المجتمعات البشرية فى نظر الإسلام ،فى حين أن الحرب حالة إستثنائية حتى أن القتال وصف بأنه " كره للمؤمنين ، وأطلق عليه أسم الجهاد لأنه نوع من المعاناة. غير أن السلام لا يعنى الإستسلام والخنوع أو تقبل الإستعباد والإستغلال ، إذ فى هذه الحالة يتعارض مع التحرر ، ويصبح حائلاً  دون تحقيق كرامةً الإنسان . ولذلك فرضت الحرب فى الإسلام من أجل السلام الحقيقى للفرد والمجموعة ،من أجل السلام الروحى والمادى ، الداخلى والخارجى . ومع ذلك فقد نعتت بالجهاد الأصغر ،تمييزاً لها عن عمل آخر أكثر أهمية سمى بالجهاد الاكبر ، وهو جهاد من أجل البناء والتعمير فى الأرض وتحقيق إنسانية الإنسان الخليفة.

أما الحرب فإنما هى من أجل رد الأمور إلى نصابها ، إذ شرعت مثلاً من أجل مناصرة المطلوم (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المٌؤْمِنِينَ إقْتتَلٌوا فَأَصِلحٌوا بَيْنَهٌمَا ، فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهٌمَا عَلَى الأٌخْرَى  فَقَاتِلٌوا الّتِى تَبْغِى حَتّى تَفِىءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ ) (9)، أى أنها حرب من أجل السلم وهى تستهدف التوجه إلى تطهير العلاقة بين الجماعات حتى لا ترتكز على الظلم والعدوان . وإذا توفرت فى الإثناء شروط الخيار السلمى ، فالنص القرآنى واضح فى هذا الشأن ( وَإِنْ جَنَحٌوا لِلسٌّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوكٌّلْ عَلَى الله ) (10) . ذلك أن الإسلام يؤثرالسلم على الحرب ، وإن الصلح أصل عام مقرر فى الإسلام مع ما يقترن به مكن الود والصفاء والعهد والإطمئنان والثقة ، وأما الحرب فهى أمر طارىء على أصل العلاقات السلمية مع غير المسلمين ، لكن الفقهاء قيدوا مبدأ  الميل إلى السلم بعدم إغتصاب أو إحتلال أراضى إسلامية وضمان حرية إبلاغ الرسالة إلى العالمين .

من جهة أخرى وعلى عكس ما قد يتصور العامة أو يصور الحاقدون على الإسلام فإن الحرب لم تشرع لفرض الإسلام على الناس ، والدليل على ذلك أن الله تعالى يعلن بكل وضوح ك ( وَلَوْ شَاءَ رَبٌّكَ لآمَنَ مَنْ فِى الأَرْضِ كُلّهمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تٌكْرِه النّاسَ حَتّى يَكٌونٌوا مٌؤْمِنِين)(11). وحتى فى خضم الفتوحات ما كان الإسلام أن ينتشر بالسيف، وإنما بالحوار والعدل ، فقد اتبع المسلمون المنهج السلمى فى الدعوة اقتداء وإيماناً بما أمر الله به ، ولكن الكيانات المجاورة أرادت أن تحول دون وصوله إلى الشعوب  التى تحكمها بل أن تلك الكيانات أعدت العدة لقتالب المسلمين وتدمير الإسلام فى مهده فكانت الفتوحات من أجل إبلاغ الرسالة إلى الناس جميعاً، ولهم الحرية بعد ذلك فى أن يعتنقوها أم لا، وانى للمسلمين أن يفرضوا على الناس اعتناق دينهم وهم يقرؤون فى كتابهم المقدس أن ( لاَ إِكْرَاهَ فِى الدٌّين )(12) ، بل أى دين أو عقيدة يمكن لها أن تترسخ فى القلوب بالقوة والإكراه ( إِنٌّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنّ الله يَهْدِى مَن يشَاءٌ ، وَهٌوَ أَعْلَمٌ بِالمٌهتَْديِن)(13) . إن المسلمين لم يلزموا أحداً بدخول دينهم ، وإن الدعوة قامت على الحوار والعقل ، والإسلام ينتعش وينمو وينتشر فى جو السلام والحرية وليس بالإكراه والعنف والدماء ( وَلَوْ شَاءَ رَبّكَ لَجَعَلَ النًّاسَ أٌمُّةً وَاحِدةً وَلاَ يَزَالٌونَ مٌخْتَلِفِين)(14). وبذلك فإن الإسلام يقر بإستمرارية الإختلاف بين البشر وهو بالتالى لا يهدف إلى إخضاع العالم كله إلى نظام واحد ، ولا إلى جعل الناس كافة مسلمين ، بل يهدف إلى إزالة جميع العقبات التى تعيق تقدم البشرية أو تحول دون حدوث عملية التفاعل الحضلرى والتقدم الإنسانى والرقى الإجتماعى مع ما يعنيه ذلك من ضرورة إقامة تعاون فى المجال الدولى وتبادل للمنافع فى دائرة الخير اللإنسانى العام تدعيماً للحضارةالإنسانمية ( وَتَعاوَنٌوا عَلََى الِبرُّ وَالتُّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعٌدْوَان )(15)، والخطاب هنا موجه إلى الناس كافة على اختلاف إنتماءهم العرقية والثقافية والحضارية بأن لا يتعاونوا عل الإثم والعدوان ومن ضمن ذلك إعلا الحروب وظلم بعضهم بعضنا .

ويتوجه الخطاب القرآنى إلى المسلمين حاثاً على نشر السلام (وَلاَ تَقٌولٌوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكٌمٌ السُّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً ، تَبْتَغٌونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدٌّنْيَا)(16)، وأصرح من ذلك قوله تعالى : ( فَإِنْ اعْتَزَلٌوكٌمْ فَلَمْ يٌقَاتِلٌوكٌمْ، وَأَلْقَوْا إِلْيٌكم السُّلمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيِهِمِ سَبِيلاً)(17)، بل أن القرآن أوضح مشروعية إقامة علاقات ودية فى ظل السلام مع شعوب العالم فقال تعالى : ( لاَ يَنْهَاٌكٌم اللهٌ عَنِ الٌّذَينَ لَمْ يٌقَاتِلٌوكٌمْ فِى الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجٌوكٌم مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهٌمْ وَتَقٌسْطِوٌا إِلَيهِمْ ، إِنُّ الله يٌحِبٌّ المٌقْسِطِين) (18).

الخاتمة:

إن التحدى الأكبر الذى يواجه الإسلام منذ وضعت الحرب الباردة أوزارها  وخاصة منذ الحادى عشر من سبتمبر هو أنه أصبح العدو المنشود والمطلوب . وهذا ما يبرز من خلال نظرية صاموئيل هانتنغون ، وممن زاد الأمر تعقيداً أن بعض المنسبين إلى الإسلام جسدوا بالفعل الجانب الآخر من تلك النظرية وقدموا الإسلام فى ثوب عدوانى لا يمكن له أن يتعايش مع الآخرين على عكس ما يقدمه التاريخ الإسلامى نفسه ، وكأن كلا الطرفين يود للإسلام أن يتجه نحو الإنغلاق والإنطواء على الذات ويتخلى بالتالى عن صبغته العالمية والسلمية.

    إن عالمية الإسلام تفرض على معتنقيه :

-    أن يجسموا هذه العالمية وذلك بإبلاغه إلى الناس جميعاً حتى يكونوا بالفعل شهداء عليهم ( وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكٌمْ أٌمٌّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شٌهَدَاءَ عَلَى النٌّاسِ وَيَكٌون الرّسٌولٌ عَلْيكٌم ْشَهِيداً) (19)، وهذا يتطلب :

-          الإحاطة بثقافات وحضارات ولغات الأمم والشعوب الأخرى وعاداتها وتقاليدها وتواريخها.

-    إعادة قراءة الإسلام بما يتماشى مع تطلعات البشرية المعاصرة ويستجيب لآمالها فى تحقيق السلم والسعادة والرفاه . وهو ما يساعد  ولا شك على تغيير الصورة الرائجة عن الغسلام اليوم .

-    إستغلال التطورات التكنولوجية الهامة وما يعرفه العالم من ثورة اتصالية لإبراز الصورة الإنسانية للإسلام وإبلاغها إلى الناس جميعاً، ولا شك ان الفضائيات والإنترنت كفيلة بهذه المهمة.

-    وهكذا فإن الإسلام حتى يتقدم يجب أن يتحمل رسالته العلماء والمفكرون والمثقفون المتشبعون بمبادئه والقادرون على إبلاغها إلى الناس  جميعاً ، إن هؤلاء هم الذين يجب أن يعيدوا رسم صورة جديدة للمسلم ذلك الذى يسلم الناس من يده ولسانه . ومما يزيد الأمر إلحاحاً أن صورة المسلم أصبحت الآن مرادفة للتعصب والعنف والإرهاب . إن تلك الصورة السلبية تتطلب إعادة تقديم الإسلام من جديد وإبراز قيمة الإنسانية السامية وإرساء جسور الحوار بين الحضارات والثقافات المختلفة بإتجاه إيجاد تناغم إنسانى بينها وتفويت الفرصة على دعاة الصدام بين الحضارات والذين يستهدفون فى الحقيقة جوهر الإسلام وتهميشه.

وبعد فإن الصورة السلبية لا يمكن أن تتغير تكماماً مادامت البلدان الإسلامية فى أسفل السلم بين بلدان  العالم فى مجال التنمية البشرية ، حيث الأمية والفقر والمرض وكذا التبعية والمديونية والتفاوت الإجتماعى والجهوى والدكتاتورية وغياب الحريات ، ذلك أن تحسين الأداء فى إطار التنمية البيشرية فى العالم الإسلامى من شأنه أن يدفع الآخرين إلى إحترام الإسلام حضارة وثقافة والنظر إليه على إنه ملك للإنسانية جمعاء ، وإلا فإن تلك السلبيات ستستمر لصيقة بالإسلام والمسلمين .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)            يونس 99.

(2)            سبأ 28.

(3)            الحجرات 13.

(4)            الأحزاب 72.

(5)            البقرة 143.

(6)            الأنبياء107.

(7)            الأعراف 158.

(8)             صَ 87.

(9)            الحجرات 9.

(10)      الأنفال 61.

(11)      يونس 99.

(12)      البقرة 256.

(13)      القصص 56.

(14)      هود 118.

(15)      المائدة2.

(16)      النساء 94.

(17)      النساء 90.

(18)      الممتحنة 8.

(19)      البقرة 143.

  

                                        * * * * *

                                         المراجع :

 

-         البناء ، جمال " الإسلام دين العالمية لا العولمة"، فى ، الإسلام والعولمة ، الدار القومية العربية ، القاهرة ، 1999، ص 141-150.

-         د. الجمالى ، محمد فاضل ، " عناية القرآن بكرامة الإنسان " ، فى، الملتقى الإسلامى المسيحى الثالث : حقوق الإنسان ، منشورات مركز الدراسات والأبحاث الإقتصادية والإجتماعية – تونس 1985،ص252.

-         د. الزحيلى ، محمد مصطفى ، " الإسلام والذمة ، فى، معاملة غير المسلمين فى الإسلام ، منشورات المجمع الملكى لبحوث الحضارة الإسلامية ، عمان 1989، الجزء 1، ص 109-172.

 

-         د. الزحيلى، وهبة، " موقف الإسلام من غير المسلمين خارج المجتمع الإسلامى " ، فى ، معاملة غير المسلمين فى الإسلام ، نفس المرجع، ص245-342.

 

-         الشهابى ، إبراهيم يحيى ، " مفهوم الحرب والسلام فى الإسلام " ، منشورات مؤسسة ني للطباعة والنشر ، ليبيا ،1990.

 

-         د. عريبى، محمد ياسين، " الدين والسلام : الإيمان والسلام فى الإسلام " فى " الملتقى الإسلامى المسيحى الثالث ، نفس المرجع ص 253-266.

 

-         القطان ، إبراهيم، " التسامح والعصبية الدينية" فى ، الملتقى الإسلامى المسيحى الثالث ، نفس المرجع ص53-67.

 

-         هانتيجتون ، صموئيل بي ، ترجمة مجدى شرشر، الغسلام والغرب: آفاق الصدام، مكتبة مدبولى القاهرة، 1995.

      

  محاضرات أخرى