المحاضرات
المؤلفات

 

الإعلام الثقافي الإسلامي الرشيد : خصائصه و متطلباته

 

تمهيد :

            لا يخفى على أحد ما للإعلام اليوم من تأثير جذري على إبداع الصورة و تكييف الوعي و توجيه الرأي العام. ففي عصر الفضائيات و الشبكات المعلوماتية، لم يعد الإعلام كما كان حاملا محايدا لمضمون ثقافي، بل هو محور الصناعات الثقافية، و أساس الإستراتيجيات المعرفية و مرتكز العلم.

            كما أن التمييز بين وسائل الإعلام و وسائطه المتمايزة الذي كان قائما لم يعد له معنى منذ أن إتحدت الكلمة و الصورة و النص في الشبكة العنكبوتية من خلال تقنيات الإتصال الجديدة.

            إن هذا الوضع الجديد طرح علينا نحن المسلمين تحديات جديدة خطيرة، في مرحلة يتركز النظر علينا، خصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 التي كانت هزة رهيبة كشفت عن عمق الهوة التي تفصلنا عن الغرب، إستغلها أعداء ديننا و أمتنا لإطلاق كل أشكال الدس و التشويه على ثقافتنا  و قيمنا و تراثنا.

            إلا أن إستعراض أشكال الخطاب السائد لدينا يبيّن أن ردة فعلنا لا تزال محدودة و هشة التأثير، لم تصل إلى مستوى التحدي و جديته.

            و سنحاول في هذه المحاضرة تصنيف إتجاهات خطابنا الإعلامي السائد، قبل أن نقدم ما نعتبره خصائص الخطاب البديل المنشود، منتهين إلى الإشارة إلى بعض الآليات العملية الكفيلة بإنجاز و تفعيل هذا الخطاب المطلوب.

1- الخطاب السائد حول الإسلام

            يمكن التمييز داخل هذا الخطاب بين إتجاهات ثلاثة :

أ - خطاب تمجيدي :

            تغلب عليه العاطفة و الإ نطباعية الوجدانية – فهو خطاب ينبع من حرارة الإيمان و وشائج الولاء للمعتقد، أساسه التقديس، لا مكان فيه للتحليل العقلي و المقاربة الموضوعية العلمية.

            فهذا الخطاب مطلوب و مبرر داخل حدود الأمة و بين بني أهل الملة، لكنه محدود التأثير مع من يخالفنا الإعتقاد. و من المؤسف أننا في إعلامنا المتجه للآخر نتبع في الغالب هذا المسلك فنلزمه بمسلماتنا الناجمة عن معتقداتنا، دون إلتزام بما نص عليه الشرع من مطلب الإقناع و الحوار العقلي القائم على التدبر و الجدل الحسن و الحجة القوية، مما يخصل به القرآن الكريم في أغلب سوره كما سيتبين لاحقا.

            و من الأساليب المألوفة في الخطاب التمجيدي تعظيم النفس و المبالغة في تقديس الماضي   و السكوت على أخطائه و زلاته.

            فهنا الخطاب يؤدي إلى عكس المراد منه، لا يصل للآخر، بل يعتبر دليل تعصب و جمود   و إنغلاق.(1)

ب – خطاب صدامي :

            تغلب عليه الحدة و لغة الصراع، لا يرى في الآخر إلا العداوة، يتوهم المؤامرة في كل رأي و موقف،  يعتبر الأمة محاصرة بالأعداء من كل ناحية، و الدين مستهدفا دوما بالدس و التشويه.

            فبالنسبة له كل دراسة إستشراقية هي نوع من الموقف الصليبي، و كل فكر جديد هو غزو ثقافي مرفوض. إنه خطاب يقوم على العقلية التآمرية، و يتغذى من الإحباط و اليأس و من الأزمات و الصراعات القائمة، و لذا له سحره و إغراؤه و إن كان مدمرا إستراتيجيا يؤدي إلى تفاقم الخلافات الحادة التي تعرفها راهنا العلاقات بين العالم الإسلامي و الغرب.(2)

      و من الواضح أن المقولة المسيطرة على هذا الخطاب هي فكرة " صدام الحضارات " التي ظهرت في السياق الأمريكي لدى صامويل هانتغتون، لكنها لقيت الإنتشار المذهل في الساحة العربية الإسلامية و وظفها الخطاب الصدامي للتدليل على مسلمته بحالة العداء الفطرية بين المسلمين  و الآخرين،  على الرغم أن هذه المسلمة تتعارض و المقاربة القرآنية القائمة على التسامح  و الإنفتاح كما سيتبين لاحقا.

       إن هذا التصور الصدامي يفضي بداهة إلى مزيد من تشويه الإسلام و التنفير منه، و يتخذ دليلا على تعصب المسلمين و عدوانيتهم و إنغلاقهم.

ج – خطاب تقليدي تراثي

            عاجز عن فهم مستجدات العصر و متغيرات التاريخ، يختصر الإسلام في بعض تأويلاته و تفسيراته و يبسط القداسة على ما ليس سوى فهم محدود  و نظر مخصوص.

            فمهما كان ثراء تراثنا و تنوعه و جوانب الحيوية و الجمال و العمق فيه، إلا أنه يحمل بصمات الماضي و أحوال الزمن الذي سطر فيه، و لذا لا يمكنه في صيغته الأصلية أن يستقطب أهل هذا العصر و يحقق للأمة مبتغاها في التجدد.

            و مع ذلك فإن هذا الخطاب هو السائد في أعلامنا، خصوصا في البرامج الدينية في قنواتنا الفضائية التي تكرر دون إجتهاد و لا إمعان نظر أحكام  و فتاوى الفقهاء السابقين، فلا تخلو مثلا من حديث عن الرق و من بعض الأحكام التمييزية ضد المرأة، و تكرر أحكام السياسة الشرعية القديمة التي أفرزتها دولة الخلافة المنهارة، و تلوك أحكام المعاملات المالية المرتبطة بالإقتصاد البدوي القيم.

            كما أنها لا تخرج في أدواتها المنهجية عن مقولات الفقهاء القدماء التي لم تعد مألوفة و لا مفهومة لدى المسلم المعاصر، دون إستعانة بالمناهج المعاصرة في العلوم الإنسانية التي تعطي نتائج باهرة و تحقق مكاسب مؤكدة للبحث العلمي.

            فهذا الخطاب، و إن كان تقليديا تراثيا، إلا أنه يوظف لصالح الإتجاهين الأولين التمجيدي المدحي و الصدامي المنغلق.

            إذا كانت إذن هذه الإتجاهات السائدة في خطابنا الإعلامي من حيث تقديمه لصورة الإسلام إلى الآخر لا تجدي نفعا و لا تؤدي الغرض المطلوب منها، فما هي خصائص الخطاب البديل المنشود ؟

2- خصائص الخطاب الإعلامي الرشيد

            لا بد من  التنبيه هنا إلى أن هذا الخطاب و إن كان ينعت بالإعلامي إلا أن وعاءه  ثقافي و كذلك مصدره، فهو إذن مادة ثقافية تنقلها وسائل الإعلام  و تنشرها.

            و هكذا يصبح السؤال متعلقا بمفاهيم و مقولات فكرية تتعين صياغتها من أجل بلورة خطاب  إعلامي رشيد و ناجع يستقطب الآخر، و يقدم له صورة إيجابية عن الإسلام، ترد على الإتهامات  و الشبهات المطروحة حوله، و تبين جوانبه المشرقة الرفيعة كدين رحمة و هداية و تسامح.

            إن الخصائص الأساسية لهذا الخطاب تتمثل في رأينا بالنقاط المحورية التالية :

أ- إبراز الإسلام في بعده الإنساني : أي بصفته دينا يكرم الإنسان و يعلي شأنه و يخوله أمانة الإستحلاف في الأرض. فإذا كان الإسلام دينا خاصا بمن آمن برسالة النبي محمد صلى الله عليه و سلم، إلا أن عبارة إسلام تشمل كل الديانات التوحيدية، بل كل من أسلم وحهه لله و رضي بالعبودية.

            فالتكريم شامل للبشرية كلها، و الإنسان من حيث هو مخلوق نفخ فيه  من روح الله له حق التعظيم و التشريف و لو خالفنا الدين  و الإعتقاد.

            و لذا توجب التحذير في خطابنا الإعلامي من توظيف آيات الوعيد المتعلقة بالجزاء في الآخرة و الآيات المحصورة بسياق الحرب العادلة ضد الظلم لتمرير وهم الحالة العدائية بين المسلمين و غيرهم.

            فالأصل في الإسلام هو البر و الأقساط و التعاون على الخير. و يبين دستور الدولة الإسلامية الأول الذي وضعه الرسول الكريم، صلى الله عليه    و سلم، مثال العلاقة بين المسلمين  و الديانات الأخرى، إذ أقام وحدة و تحالفا بين الجماعة المسلمة و القبائل اليهودية لم ينحل إلا بغدر تلك القبائل و نكثها  بالعهد.

     فالجهاد في الإسلام الذي يكثر الحديث عنه حاليا و يتخذ ذريعة لنعت ديننا بالعنف و العدوانية، هو في جانبه الحزبي محصور بالدفاع المشروع عن الأمة في حالة العدوان و التهديد الخارجي، وهو  في جانبه الأهم جهاد للنفس و منعها من الظلم و الإعتداء على الغير. (3)

          فلا بد من إبراز هذه الجوانب الإنسانية الحضارية التي تربط الإسلام بباقي الحضارات و الثقافات، في ما وراء خصوصياته العقدية و التعبدية.

            فالإسلام أكد قبل غيره من العقائد :

            - وحدة البشر من حيث الأصل

            - وحدة البشر من حيث الثقافة ( النبوة كبداية للثقافة البشرية)

            - إتحاد البشر في الغاية و المقصد

            و هذه المستويات الثلاثة من وحدة الإنسانية هي أساس فلسفة التعارف  و التعايش في الإسلام، و يجب التركيز عليها في خطاب عرض الإسلام و تقديمه للآخر. فلا بد من التمييز بين الخطاب الموجه للنظير في الملة و النظير في الخلق – حسب عبارات الإمام علي، كرم الله وجهه – و لكل من الصلتين حقوقا و واجبات، و الصلة الإنسانية بالمفهوم العام أوسع دائرة و مجالا من صلة التماثل في الدين، حتى و لو كان لأخوة الدين حقوقا أوثق.

            فترشيد خطابنا الإعلامي يقتضي إتباع المنهج القرآني في مخاطبته للبشر بالصيغة الإنسانية الكونية ( " يأيها الناس " ) و البحث عن القواسم المشتركة بين الديانات و الثقافات، و إستحضار قولة الرسول صلى الله عليه  و سلم المشهورة " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ".

            فالدين هو الفضيلة و الخلق القويم و الإحسان للناس، و هذه هي القيم النبيلة التي تشد إليه و تغري بإتباعه، و لا بد من إبرازها في خطابنا الموجه للآخر، بدل تكرير المقولات و الأحكام الموروثة عن تركة الحروب الصليبية و الصراعات الدينية الوسيطة. و من هذه المقولات أحكام أهل الذمة التي لم تعد تتلاءم و مع مفهوم المواطنة داخل الدولة المدنية الحديثة القائمة على معيار المساواة، و كذلك التقسيم بين داري الحرب و السلام الذي إرتبط بنمط الحروب الدينية الوسيطة.

            من هذا المنظور يتوجب إجلاء مركزية مفهوم و قيم التسامح في المرجعية الإسلامية  في دلاليته الداخلية  ( أي داخل إطار المجتمع المسلم )   و الخارجية ( أي ما بين المسلمين و غيرهم ).

            فبالمعنى الأول يتعيّن إبراز مرونة و إتساع دائرة الإنتماء الديني التي إتسعت تاريخيا لعشرات  بل مئات المذاهب و الملل و النحل و الطوائف، تختلف في تأويلاتها للنص و ممارساتها لأحكامه و تشريعاتها.

            فعلى عكس التيار التكفيري المتطرف الرائج حاليا  نصّ الفقهاء على أنه " إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه و يحتمل الإيمان من وجه واحد حمل على الإيمان من وجه واحد حمل على الإيمان، و لا يجوز حمله على الكفر ".

            و بالمعنى الثاني يتعين التنبيه إلى أن الإسلام سبق المدنية الحديثة في نبذ الإكراه العقدي  و فسح المجال أمام علاقات إنسانية تقوم على معيار التعارف بين الشعوب، معتبرا أن الإختلاف مقصد إلهي و المغايرة من الحكمة الخلقية و الإبداع الرباني.

            يوضح هذا المبدأ المفكر التونسي و عالم الإجتماع عبد الوهاب بوحديبة بقوله : " و لا تعتبر النظرة الإسلامية للعالم التعدد و التنوع البشريين من قبيل الحوادث التاريخية أو العيوب و الإنحرافات، و لا حتى من قبيل أسوأ الإحتمالات، بل تعدهما مظهرا من تدبير الله للعالم، و لو شاء لخلق الناس على نفس النمط الموحد. و لكن إقتضت حكمته إختلاف البشر و تعددهم في الكون إزاء سموه و وحدانيته. و تمثل الخلافات بين الأمم و الشعوب و الثقافات المتعددة إختيارا ملازما لمشروع الخلق ذاته، بل تمثل محرك الوجود، لأن التبادل بين البشر.. هو عنصر مكون  لتاريخ العالم  و البشرية ".(4)

ب – إبراز الإسلام في جانبه التنويري :

            أكثر ما يتهم به الإسلام في الخطاب الإعلامي الغربي هو الإنغلاق      و رفض قيم و نظم الحداثة. و لا يساعد خطابنا السائد في الرد على هذا الإتهام الظالم، بل يسلك كما بيننا من قبل خطابا تمجيديا تقليديا صداميا غالبا ما يرى في الحداثة غزوا ثقافيا مرفوضا.

            و من الواضح أن الملفات التي تثار الآن بحدة هي ثلاثة :

- موضوع الحرية : أي نقص الحريات الفكرية و السياسية و الفردية في العالم الإسلامي الذي يرجع للخلفية الدينية نفسها.

- موضوع المرأة : أي إتهام الإسلام بإقصاء المرأة و إضطهادها و معاملتها كقاصر لا تتمتع بحق المساواة مع الرجل.

     موضوع العلم و الثقافة و ما يتصل به من قصور في التنمية : أي إرجاع مصاعـب التحديث العلمي و التـقني و الـتأخر في إكـتـساب المـعارف العـــلمية و التقنية إلى عوائق دينية، تحول بين المسلمين و إستغلال أدوات التقدم  و النمو.

إن هذه الإتهامات و الشبهات زائفة و غير دقيقة بطبيعة الحال، إلا أن خطابنا الإعلامي السائد غير فعال في الرد عليها، لأنه يكرر شعارات التمجيد و الدفاع النرجسي غير المقنع، بدل مراعاة الأسلوب العقلاني الموضوعي.

فبخصوص الحرية، يتعين إبراز مركزية مفهوم حرية الإعتقاد في الإسلام الذي نص قبل غيره على عدم جواز الإكراه في الدين، و أعطى الإنسان حق إختيار دينه و أناط المحاسبة على هذا الإختيار بالجزاء الآخروي. و لئن كان وضع العالم الإسلامي لم يسلم خلال تاريخه من مظاهر الإستبداد   و خنق الحريات، يجب أن لا يرجع ذلك إلى الدين الإسلامي و أحكام الشرع. و الخطورة الكبرى هنا هي التمسك  بكتابات السياسة الشرعية القديمة و الأحكام السلطانية لتبرير أشكال تاريخية من الإستبداد مثل  سلطة الحاكم غير المقيدة و مبدأ الطاعة العمياء و البيعة بالإكراه..

كما يتعين نبذ كل التقييدات التي يطرحها راهنا بعض الفقهاء على النظام الديمقراطي سواء بحصر مجال الشورى بتخبة مخصوصة ( أهل الحل    والعقد ) أو رفض حاكمية الشعب بالإستناد لفهم مغلوط لمبدأ الحاكمية الإلهية.

فلا بد لخطابنا الإعلامي إذن من إستيعاب قيمة الحرية و قبول إستحقاقاتها من منظور تنويري كرسه الإسلام و وضع أسسه و منطلقاته.

و بخصوص المرأة، يتوجب كذلك التمييز بين ما كرسته النصوص المرجعية في الإسلام من مبدأ المساواة بين الجنسين و واقع المرأة في المجتمعات الإسلامية الذي يتميز بالحيف و الظلم  و الغبن.

فالخطاب الإعلامي السائد يخطئ خطأ فادحا بتبريره هذا الواقع أو التستر عليه بإضفاء القداسة الدينية عليه، بينما هو في حقيقة الأمر ممارسة بشرية تاريخية تحمل بصمات ثقافة أبوية ذكورية ليست من الإسلام في شيء.

و كذلك الأمر بالنسبة للمدونة الفقهية الوسيطة التي  تعكس أوضاع و عقليات المجتمعات التي دونت فيها، فتكثر فيها الأحكام التمييزية ضد المرأة، و لذا توجب الإحتراز من إعتمادها دون تمحيص و تدقيق.

فالخطاب الإعلامي الرشيد لا بد أن يبرز ما حصلت عليه المرأة من حقوق و مكاسب في الإسلام، بالتركيز على مبدئين أساسيين هما أساس هذه النظرة الإسلامية :

- مبدأ المساواة بين الجنسين في المنزلة الإنسانية و التكليف الشرعي و الحقوق الإجتماعية.

- مبدأ التكافل و التضامن داخل المؤسسة الأسرية التي ليست مدار سلطة و تحكم الرجل بل إطار التآلف و المودة و الرحمة.

فالحقوق التي غنمتها المرأة في العصور الحديثة يجب النظر إليها إيجابيا من هذين المنطلقين اللذين رسما مجالا واسعا لتحرير المرأة.

و بخصوص العلوم و التقنيات، يتعيّن التذكير بالحقيقة التي لا مراء فيها وهي تركيز الإسلام على واجب التدبر و النظر العقلي و إعتبارهما المسلك إلى الإيمان.

و من هذا المبدأ نشأت المعارف و العلوم  التي أبدعها المسلمون للتحكم في الطبيعة و إستثمارها  بصفتها مسخرة للإنسان، فأبدعوا المنهج التجريبي، و تجاوزوا التراث اليوناني القديم، و بذا مهدوا للعلوم الحديثة كما أثبت مؤرخو العلم الأوروبيون.

فتأخر المسلمين في العلوم و التقنيات ليس راجعا لعوائق دينية، بل هو مرتبط بعوامل موضوعية معروفة عائدة لتركة عصور الإنحطاط التي تأخر فيها المسلمون عن الركب في الوقت الذي بدأت حركة الإكتشافات الجغرافية الأوروبية و ما تلاها من عهود الإستعمار، فقامت  النهضة الأوروبية على مكاسب هذه الهيمنة الواسعة.

ج – إبراز الإسلام في جانبه الروحاني القيمي

            من الواضح أن أكثر ما يجذب الآخرين إلى الإسلام هو روحانيته الثرية و منظومته الأخلاقية القائمة على قيم التراحم و التضامن و البر و والوفاء و الإيثار وهي القيم التي يحتاجها الإنسان المعاصر في مرحلة تفاقم فيها الجدب الروحي و سادت فيها ثقافة الإستهلاك و الأنانية  و الفردية، و تلاشت فيها قيم التآزر و التآخي.

            فالخطاب الإعلامي السائد لا يجتهد في إبلاغ هذه الصورة و تقديمها التقديم الصحيح، بل يركز على مواضيع الصدام و التمايز التي تتصل بالجوانب السياسية.

            و لذا يتعين على الإعلام الإسلامي الرشيد أن يكشف عن الجوانب المشرقة في الروحانية الإسلامية التي إعتنى بها بعض كبار المستشرقين و المتخصصين في الدراسات الإسلامية من أمثال ماسينيون و جاك بيرك..

            فالروحانية الإسلامية تقوم على مبادئ بسيطة سهلة تنسجم و الفطرة  و لا تعارض المنطق و تجمع بين التأمل العقلي و حرارة العاطفة و تتأسس على العلاقة المباشرة بين الرب الخالق و عباده التي هي علاقة حب و رحمة، كما أن العبادات التي تتفرع عنها سهلة الأداء محدودة العدد، لا رهبانية فيها   و لا غلو و لا تشدد، تناسب الإنسان المعاصر المثقل بالهموم و المسؤوليات.

            و كذلك حال القيم السلوكية و المعايير الأخلاقية ، لا تعقيد فيها و لا تشديد، لا ترهق الفرد بالأوامر القاسية، تتيح له مجالا واسعا للحرية، و تعترف برغباته و غرائزه، و تتعامل معه بواقعية  و مرونة، و تترك مجالا للخطأ الملازم للبشر  فتمحوه بالتوبة و الإستغفار.

            و لا بد هنا من توجيه النظر إلى الأدب العرفاني الروحي العميق و الثري الذي يزخر بقيم الجمال و المحبة و التسامح، فهو أبلغ دليل على الجوانب الإنسانية و الروحانية الرفيعة في الإسلام التي تستقطب الإنسان الغربي المعاصر و تقربه من الدين الحنيف.(5)

3- آليات الخطاب الإعلامي الرشيد

            نقف في هذه الورقة على ثلاث آليات من آليات إنتاج الخطاب الإعلامي الرشيد  و نشره :

أ- الإعلام الفضائي :

            فلئن كانت الساحة العربية شهدت في الأعوام الأخيرة إنتشارا مذهلا للقنوات الفضائية العامة و المتخصصة، و من بينها قنوات خاصة بالبرامج الإسلامية، إلا أن الخطاب الذي تقدمه هذه القنوات لا يزال سطحيا و ضعيف التأثير خصوصا خارج العالم الإسلامي. فبعد أحداث 11 سبتمبر برزت الحاجة الماسة إلى إبلاغ صوت الإسلام و المسلمين للغرب في مقابل نغمة التطرف و التشدد الرائجة، إلا أن محطاتنا التلفزية لم  تعتن إلا قليلا بهذا المطلب، و سلكت في أغلب الأحيان مسلك التعبئة الأيديولوجية و التثوير العاطفي، فضلا عن كونها لم تعتن إلا نادرا بالبث باللغات الأجنبية خصوصا اللغات العالمية الأكثر إنتشارا مثل الإنقليزية و الفرنسية و الإسبانية.

   فلا بد إذن من إنشاء قنوات فضائية ناطقة بهذه اللغات تتوفر فيها المقاييس العالمية من إحتراف  و مهنية، تقدم الصورة الناصعة للإسلام في أبعاده التي ذكرنا من قبل أي الجوانب الإنسانية و التنويرية و الروحانية القيمية، و بنهج العقلانية الموضوعية و البرهان العلمي و المنطق التحليلي.

            فلا يكفي فتح القنوات و تمويلها، بل لا بد لكي تكون ناجعة مؤثرة من توفر شرطين ضروريين : الخطاب الثقافي الرشيد و الحرفية المهنية العالية.

ب – الوسائط المعلوماتية

            من شبكات أنترنت و إنتاج ألكتروني، فلا يخفي على أحد أنها اليوم أساس الإعلام، و حامل الثقافة الأساسي و إطار الإتصال القائم بين بني البشر.

            و مع الأسف الشديد، فإن حضور الثقافة العربية الإسلامية في هذه الوسائط  هامشيا ضعيفا لا يكاد يذكر، لا يتجاوز غالبا حيز الترويج الدعائي الساذج و المبسط

            و لو توجب بذل المال و الخبرة و الجهد لإستغلال هذه الأداة الجديدة الأكثر تأثيرا و نجاعة من كل أدوات الإتصال الأخرى لتقديم صورة إيجابية  و مشرقة عن ديننا و حضارتنا و قيمنا. و لن يتأتي ذلك دون الإستثمار المالي و البشري في الصناعات الألكترونية و تقنيات الذكاء الصناعي التي تتصدر اليوم حقلي الصناعة و التجارة من حيث المردود.

            في هذا السياق، يتعين تصميم مواقع جذابة و ثرية تعرض مادة إعلامية رصينة باللغات العالمية الأساسية، و تفتح نوافذ للحوار الموضوعي مع الآخر.

            و من المؤسف أن الإتجاهات المتطرفة تهيمن اليوم على هذه المواقع و تتخذها وسيلة لنشر ثقافة الكراهية و العنف. و من ثم توجب محاربة هذه المواقع بتقديم البديل السليم الذي لا يزال مفقودا.

 

ج – الترجمة

            تشكل الترجمة إلى اللغات الأجنبية الشرط اللازم لتقديم ديننا و حضارتنا للآخرين من خلال الوسائط الإعلامية المختلفة التي وقفنا عند بعضها.

            و من الواضح  أن حركة الترجمة لا تزال ضعيفة محدودة التأثير في السياق العربي الإسلامي، مما يفسر عجزنا الفادح عن إبلاغ صورتنا الموضوعية للآخر.

            فإعلامنا الناطق بلغاتنا القومية لا يصل للآخر و لا يؤثر فيه بداهة،     و من ثم توجب منح الترجمة أهمية خاصة، بتكوين المترجمين من و إلى اللغات العالمية الأساسية بما فيها بعض أكثر اللغات إنتشارا التي لا نكاد نترجم إليها بشئ  مثل الصينية و الهندية.

4. نحو إستراتجية لتطوير الخطاب الإعلامي الإسلامي الرشيد

            لا يخفى أن تنفيذ ما يتم إقتراحه من إستراتيجية للإعلام الثقافي الإسلامي يتطلب ليس فقط تبني الإستراتيجية المقترحة من قبل الجهات المعنية و إنما أيضا توافر الإرادة الحقيقية و الجادة و المقدرات المادية و البشرية و التقنية الضرورية لتنفيذ الإستراتيجية. و الواقع أن ذلك يشكل عقبة كبيرة    و لعلها الكبرى في العالم الإسلامي. و قد يفيد في التغلب على تلك العقبة تكوين هيئة إدارية / تنفيذية تضم الجهات الرسمية، القطرية و الإقليمية، و الجهات الشعبية ذات الصلة و الإهتمام تتولى بلورة و تعزيز الإرادة الجادة و التي إذا ما توافرت رسميا و شعبيا لابد ستنجح يوما في توفير المقدرات المادية و البشرية و التقنية اللازمة لتنفيذ الإستراتيجية.

            و لا بد أن تحرص هيئة تنفيذ الإستراتيجية على حشد كل الجهات التي أحالت إليها الإستراتيجية دورا ما في العمل الإعلامي الثقافي الإسلامي. و من المتصور في ضوء ما تمهّد أن تتضمن تلك الجهات بالإضافة إلى السلطات الرسمية المجتمع الإسلامي بمختلف منظماته المدنية و التجمعات (الجاليات) الإسلامية و العربية و مؤسساتها خارج العالم الإسلامي. و حيث أن القطاع الخاص يمكن أن يتفوق على القطاع العام في تنفيذ كثير من جوانب إستراتيجية الإعلام الثقافي الإسلامي يلزم أن تحرص الإستراتيجية و هيئتها التنفيذية على ضرورة تشجيع للقطاع الخاص و السماح له و تمكينه من الإستثمار في مختلف مجالات العمل  الإعلامي الثقافي و بدون إستثناء و ذلك مع إيجاد الموجهات التي تشجع على حسن الجمع بين المكسب التجاري و الإلتزام الثقافي و عدم التضحية بالمبادئ و القيم الثقافية الإسلامية في سبيل الكسب التجاري الرخيص

            و هناك جهة طالما أخفق، و كثيرا ما أغفل، العالم الإسلامي و العربي في الإستفادة منها على الوجه الأكمل وهي المنظمات و القوى الدولية المدنية  و الرسمية و الأمم المتحدة. و نحسب أن من الخطأ البين الإفتراض بأنه يتعين تنفيذ إستراتيجية الإعلام الثقافي الإسلامي من خلال المنظمات و القوى الإسلامية و العربية فقط ذلك أنه يمكن الإستعانة في تنفيذ قدر لا بأس به من إستراتجية الإعلام الثقافي الإسلامي ببعض المنظمات و المؤسسات و القوى الدولية و الإقليمية المدنية و الرسمية غير الإسلامية و غير العربية و الأمم المتحدة بل و بعض الدول و الحكومات غير الإسلامية. فبالإضافة إلى بعض منظمات الأمم المتحدة التخصصية هنالك منظمات و قوى غير إسلامية تسعى لتحقيق أهداف وثيقة الصلة بأهداف الإعلام الثقافي الإسلامي و بمتطلبات البيئة المناسبة للعمل الثقافي الإسلامي و ذلك من مثل مناهضة الهيمنة الثقافية الأحادية، و الحفاظ على التنوع الثقافي الدولي، و تصحيح التدفق الإعلامي الأحادي الإتجاه، و تشجيع الحوار الحضاري و الثقافي، و إحترام الخصوصيات الثقافية، و تضييق الفجوة الرقمية. و لا شك أن من شأن التعاون مع المنظمات و القوى غير الإسلامية المعنية في تحقيق الأهداف المشار إليها أن يسهم في معالجة الكثير من التحديات الخارجية و بعض الإختلالات التي يواجهها أو يعاني منها الإعلام الثقافي الإسلامي و يجنب الجهات الإسلامية عبء التصدي بمفردها لتلك التحديات.

            على أنه  مهما تسنى من أمر تنفيذ إستراتجية معينة للإعلام الثقافي الإسلامي، و بأي قدر من التعاون المحلي و الدولي، تبقى هنالك حقيقة أساسية وهي أن المعالجة الأمثل و الأشمل للوضع الإعلامي الثقافي الإسلامي لن تتسنى فقط بمجرد إحكام وضع و تنفيذ إستراتجية مثلى للإعلام الثقافي الإسلامي بل لا بد من رفد تلك الإستراتجية بأمور أخرى لها أثرها على الإعلام الثقافي الإسلامي. و من تلك الأمور :

 

1- يمثل الإعلام الثقافي الإسلامي جزءا لا يتجزأ من الإعلام و الثقافة الإسلاميين بينما يمثل الإعلام و الثقافة جزءا لا يتجزأ من  مجمل الواقع الإسلامي. و هذا التشابك الوثيق و المعقد بين مختلف جوانب الحياة الإسلامية و ما يتبعه من تبادل التأثير و التأثر بين هذه الجوانب يجعل مدى تدهور أو تطور أي جانب يرتبط لدرجة كبيرة بمدى تدهور و تطور الجوانب الأخرى. و مما يعنيه ذلك أن إختلالات الإعلام الثقافي الإسلامي و التي سبق إستعراض بعضها هي في الواقع إختلالات وثيقة الصلة بالإختلال العام الذي يعاني منه المجتمع العربي الإسلامي و خاصة في المجالين الإعلامي و الثقافي. و إذا كان ذلك كذلك يغدو واضحا أن أي جهد ينشد إصلاح و تطوير الوضع الإعلامي الثقافي الإسلامي لن تكتمل له أسباب النجاح بدون جهد مماثل لإصلاح و تطوير الجوانب الأخرى ذات الصلة. و لذلك فإنه لا بد لبلوغ الغاية القصوى في تطوير الوضع الإعلامي الثقافي الإسلامي من رفد إستراتيجية تفعيل الإعلام الثقافي الإسلامي بإستراتيجية لتطوير و تفعيل الإعلام الإسلامي و أخرى لتطوير و تجديد الثقافة الإسلامية. و بالمثل لن يتسنى التطوير الأمثل للإعلام و الثقافة الإسلاميين دون رفد إستراتيجيتي تطويرهما بإستراتيجية حضارية شاملة تهدف إلى تطوير مختلف جوانب المجتمع الإسلامي الإقتصادية و السياسية و الإجتماعية  و بما يكفل إستئناف العالم الإسلامي لمسيرته الحضارية التصاعدية.

 

2- مهما أمكن للإعلام الثقافي الإسلامي من  نجاح في الترويج لصورة إيجابية للثقافة الإسلامية و المسلمين فإن مدى فعالية ذلك النجاح في تصحيح الصورة السلبية السائدة عنهما في العالم الخارجي سيبقى رهنا بمدى نجاح العالم الإسلامي  في تجسيد ذات الثقافة الإسلامية التي يروج لها إعلامه الثقافي على أرض الواقع الإسلامي. فإذا ما تسنى للمجتمع الإسلامي أن يتحول إلى نموذج واقعي لذات الثقافة و القيم و الأخلاقيات و المبادئ الإسلامية الصحيحة التي يتباهون بها و يصدح بها خطابهم و إعلامهم فإن وسائل الإعلام الدولي (أولا) ستحرم من الصور الواقعية السلبية التي تبثها عن المجتمع الإسلامي دعما للصورة السلبية التي تروجها عنهم، و (ثانيا) ستواجه هذه الوسائل بأدلة واقعية لا يمكن إنكارها تدحض الصورة السلبية التي تروجها عن المجتمع الإسلامي و على نحو يهدد بتقويض مصداقيتها و (ثالثا) لا يستبعد أن تسارع بعض هذه الوسائل – و لو من باب الولع بتغطية ما هو مختلف أو لأسباب إعلامية مشابهة أو إمتثالا للموضوعية و العقلانية – أو تضطر – حفاظا على مصداقيتها مثلا – إلى نقل الصور الثقافية الإيجابية التي يجسدها المجتمع الإسلامي و بذلك يتحول بعض الإعلام الدولي إلى إعلام داعم للإعلام الثقافي الإسلامي و شاهد يحظى بقبول الجمهور الخارجي. أما إذا فشل المجتمع الإسلامي في تجسيد مضامين الثقافة الإسلامية التي يراد الترويج لها إعلاميا و إستمرت الفجوة الواسعة بين خطابه أو إعلامه الثقافي من جهة و واقعه الثقافي المكشوف للإعلام الدولي من جهة أخرى فإن الأرجح أن يتبخر خطابه أو إعلامه الثقافي في سماء الأثير الإعلامي دون أن يكون له صدى يذكر في اذان أو أسماع الجماهير المستهدفة بل لا يستبعد أن يعود هكذا إعلام، مهما -  بل و بقدر ما – كان منمقا و عاليا، وبالا على المجتمع الإسلامي و على صورته و صورة ثقافته من حيث أنه سيتيح أو يقدم دليلا آخر على بعض ما يروجه الإعلام الدولي من صور أو دعاوى سلبية عن المسلمين  و ثقافتهم كالإفتقار للمصداقية و الفة الكذب و قول ما لا يفعلون.

            إن الخلاصة التي يمكن الوصول إليها هنا هي : إن تجديد الخطاب الإعلامي الإسلامي الرشيد يقتضي في آن واحد العمل على تجديد الخطاب الثقافي و الحضاري الذي هو مضمونه و التفاعل الإيجابي مع إسترا تيجيات الإعلام البديل المطروحة في السياق العالمي الذي تنتمي إليه.

------------------------------------------

(1)  من مظاهر الخطاب التمجيدي راجع مؤلفات الشيخ محمد الغزالي و يوسف القرضاوي

(2) من مظاهر الخطاب الصدامي راجع :

محمد قطب : جاهلية القرن العشرين ، دار الشروق طبعة 1993، و الكتاب مصدر لكثير من الأفكار المعادية للغرب.

(3) حول الجهاد في الإسلام راجع :

الشيخ محمد مهدي شمس الدين : فقه العنف المسلح في الإسلام، المؤسسة الدولية للدراسات – بيروت 2001.

(4) عبد الوهاب بوحديبة : " القصد في الغيرية "

 منشورات كرسي اليونسكو – تونس 1998، و قضايا إسلامية معاصرة  العدد 22 – شتاء 2002 ( ص 228 )  

(5) من نماذج هذا الأدب العرفاني الجميل كتابات محمد إقبال، راجع له :

تجديد الفكر الديني في الإسلام ترجمة عباس محمود – لجنة التأليف و الترجمة و النشر مصر 1955.

  محاضرات أخرى