ثنائية
الوحدة - التعدد حقيقة كونية
تعد ثنائية الوحدة- التعدد/التنوع احدى المعالم البارزة لهذا الكون
الذي تتحد وتتعدد مختلف وحداته باقدار تتفاوت مع تفاوت مستويات او
دوائر النظر، وبحيث كلما ضاقت دائرة النظر او البحث كلما زادت
الوحدة وقل التعدد ولكن دون أن يتلاشى كليا حتى ولو تناهى صغر دائرة
النظر الى مستوى الذرة وكلما اتسعت دائرة النظر زاد التعدد وقلت
الوحدة ولكن دون أن تتلاشى كليا حتى ولو تعاظمت سعة دائرة النظر
لتتطابق مع الكون كله. وهكذا فان الكون، ككل، ينتظمه قدر من الوحدة
اقل مما ينتطم الذرة بينما يتخلله قدر من التعدد اكبر مما يتخلل
الذرة.
ولا يقتصر وجود ثنائية الوحدة- التعدد على تكوين او تركيب الكون بل
تتجلى هذه الثنائية ايضا في سلوكيات وتفاعلات وحدات هذا الكون . و
تبدو الثنائية واضحة في سلوكيات واستجابات الكائنات الحية وخاصة
الحيوانات الاكثر تطورا والتي وان كانت سلوكياتها تتشابه بل وتبدو
احيانا متطابقة الا انها لا تخلوا من بعض التباين الذي يعكس وجود
قدر من الذاتية السلوكية والتي تتجلى بعض مظاهرها في ما هو معروف من
اشتهار بعض الحيوانات بسلوكيات تميزها عن غيرها.
وهكذا يمكن القول ان ثنائية الوحدة – التعدد خاصية تنبث عميقا في
تكوين الكون و تسم سلوكيات و تفاعلات وحداته.
الانسان وثنائية الوحدة- التعدد
في اتساق مع كونه بعض – وان كان بعضا متميزا- هذا الكون يعكس
الانسان، تكوينا و سلوكا، ذات ثنائية الوحدة – التعدد التي تنتظم
الكون. فتكوينا يشترك البشر كلهم في مكونات عامة توحد بينهم بشكل
يؤسس ويشهد لطرف الوحدة من الثنائية المذكورة . فكل انسان يتكون من
جسد وروح يشترك فيهما البشر كافة . وكل جسد انساني يتوافر على انسجة
وسوائل او اخلاط بيولوجية وأنشطة ووظائف فسيولوجية تمثل بعض القواسم
المشتركة بين كافة الاجساد البشرية. وفي نفس الوقت فان ذات هذه
القواسم المشتركة في التكوين الجسدي للبشر تتمايز من انسان الى اخر
تمايزا فريدا اكتشف العلم أن ، على الاقل، بعض حالاته تصلح اساسا لما
يسمى بالبصمات البشرية مثل بصمة البنان الاكثر شهرة و بصمة الرائحة
التي نستدل عليها بالكلاب و بصمة الحمض النوى التي يعتمد عليها اكثر
العلماء. والظاهر أن هذا التمايز يمتد الى سائر الانسجة البشرية
بقرينة ما هو معلوم من الصعوبات الي تواجهها عمليات الاستزراع
النسيجي و نقل السوائل بين البشر. ومجمل هذه التمايزات برقى لان
يمنح كل انسان ذاتية جسدية ( بيولوجية فسيولوجية) تختلف عن الذاتية
الجسدية للاخر. وهذه الذاتية الجسدية هى اساس طرف التعدد من ثنائية
الوحدة- التعدد على الاقل على مستوى التكوين المادي للانسان.
ومع أن قدراتنا العلمية التجريبية الحالية ،
والتى كشفت لنا بشكل واضح مظاهر ثنائية الوحدة- التعدد على مستوى
المكون الجسدي للانسان، لاتسعف كثيرا عندما يتعلق الامر بالمكون
الروحي للانسان عموما و لاتكفي للتثبت من ثنائية الوحدة- التعدد على
مستوى المكون الروحي للانسان الا أن العجز عن الاثبات لا يعد دليلا
كافيا على انتفاء ما نعجز عن اثباته بوسائلنا المتاحة. ومعلوم أن
الاعتقادات السائدة بهذا الخصوص ، سواء الدينية او الاجتماعية، تميل
الى قياس الروح على الجسد على نحو يفترض ثبوت ثنائية الوحدة- التعدد
للمكون الروحي للانسان ايضا.
وفي اتساق مع و ربما امتدادا لثنائية الوحدة- التعدد التي تبدو
متجزرة في تكوين الانسان يعكس سلوك الانسان واستجاباته ايضا ثنائية
وحدة – تعدد مماثلة . فالبشر كلهم تجمع بينهم سلوكيات عامة توحد
بينهم منها سلوكيات اولية يشاركون فيها سائر الحيوانات مثل التنفس
والاقتيات والتألم ومنها سلوكيات ربما يختصون بها مثل الضحك والصراع
النفسي . والبشر كلهم معرضون للمرض والموت ويمتلكون القدرة على
التعلم ويخافون ما يؤذيهم و يرجون ما يمتعهم و ...الخ. و تؤسس وتشهد
هذه السلوكيات العامة المشتركة لطرف الوحدة من ثنائية الوحدة –
التعدد السلوكية لدى الانسان. على ان هذه السلوكيات العامة المشتركة
لا تنفك تتكشف لدى كل انسان عن سمات خاصة تميزها عن نظيرها من
سلوكيات غيره. وهكذا فانه وان كان البشر كلهم يضحكون الا أن لكل
انسان ضحكته المميزة صوتا وحركة ( حركات الجسم وقسمات الوجه المصاحبة
للضحك) وبالمثل وان كان البشر كلهم معرضون للمرض الا أن استجاباتهم
لاسباب الامراض واعراض اصابتهم بها و طرق تعاملهم معها لا تتطابق
تماما وان كانت تتشابه كثيرا. وقد يتشابه سلوك البشر كلهم او بعضهم
في موقف معين ومع ذلك فان التأمل في ذلك السلوك يكشف عن تعددية
واضحة، وحتى في السلوك الجماعي الذي ياتيه البشر او بعضهم في وقت
واحد ومكان واحد ووفق حركات وهيئات واقوال محددة يجتهدون في تمثلها ،
كالصلاة الجماعية مثلا، يبقى لكل مشارك سلوكه المباين لسلوك غيره و
صلاته المختلفة عن صلاة غيره. وتؤسس وتشهد هذه التمايزات لطرف
التعددية من ثنائية الوحدة- التعدد في السلوك الانساني.
واذا كان ما تمهد تعلق اكثر بتتبع تجليات وحدة وتعدد الانسان
كنوع اي على المستوى الجمعي المبني على المقارنة بين افراد النوع
البشري ليس من العسير تبين تجليات وحدة و تعدد الانسان كفرد, أي على
مستوى الانسان او الشخص الواحد، ايضا . فمن حيث التكوين باستطاعة
العين المجردة ملاحظة تعدد تكوين الانسان الفرد مظهريا او خارجيا من
خلال ملاحظة تعدد جوارحه وتعدد( تغير) شكله العام عبر مراحل عمره
ومع اختلاف حالاته و اوضاعه الصحية. على أن تعدد تكوين الانسان الفرد
ليس امر مظهريا او خارجيا فقط بل هو يتجلى بوضوح ايضا في بنائه
الداخلي كما يؤكده العلماء ويلاحظونه من خلال وسائلهم التي تكشف لهم
مظاهر تعدد انسجة الانسان الفرد واختلافها عن بعضها البعض باختلاف
مواضعها في الجسم الواحد واختلاف وظائفها واختلاف المراحل العمرية
لنفس الانسان . وبالرغم من هذا التعدد الجلي مظهريا و داخليا يتوافر
تكوين الانسان الفرد مظهريا على ملامح مشتركة تحقق له وحدة مميزة
مظهريا تيسر التعرف عليه رغم اختلاف حالاته كما يتوافر على مكونات
وسمات توحد بين انسجته الداخلية المختلفة مما يسهل تعرفها على بعضها
البعض ويحول دون رفضها او محاربتها لبعضها البعض على نحو ما ترفض
الانسجة الاخرى و تحارب المواد الغريبة.
وبالمثل فان سلوك الانسان الفرد يتعدد بتعدد المواقف والمؤثرات
كما يتعدد بتعدد مراحله العمرية وبحيث يمكن ملاحظة تطور سلوك الفرد
في تزامن مع مراحل نموه من سلوك طفولي الى سلوك صبياني فسلوك راشد قد
ينتهي بالانتكاسة الى سلوك خرافي. ومع ذلك فان هذه التعددية الواضحة
في سلوك الانسان الفرد لا تنفي ولا تلغي حقيقة اتسام سلوك الانسان
الفرد في مجمله بسمات خاصة توحد بين اطرافه وبحيث يمكن الحديث عن "
شخصية سلوكية" واحدة لكل فرد يمكن بناء على دراستها استكشاف التوقعات
او الاسقاطات المستقبلية لاتجاهات سلوك هذا الفرد.
وهكذا يبدو واضحا ان ثنائية الوحدة- التعدد بقدر
ما هي ظاهرة كونية هي ايضا ظاهرة انسانية اذ انها تنبث في تكوين
الانسان و بنيانه الجسدي و، ربما، الروحي وتصبغ سلوكه وتفاعلاته
وتنعكس على فكره و ثقافاته .
تناسبية ثنائية الوحدة – التعدد
لعل ما يلفت الانتباه ويستحق التأمل اكثر في ما يتعلق بثنائية
الوحدة- التعدد ليس هو فقط كونها، كما يستفاد مما تمهد، ظاهرة
مستحكمة في هذا الكون، طبيعة وانسانا، وانما ما تنطوي عليه من تلاؤم
و تناسب محكم. فقد شاء الله أن يكون طرفا الثنائية بأقدار محكمة تحقق
التوازن والتناسب بينهما على نحو يعزز ملاءمة الثنائية للكون و
الانسان . ولعله يكفي لتبين ذلك تصور الاثار المحتملة لحدوث اختلال
في التناسب او التوازن المذكور.
ولست ادري أن كان يصح واقعيا افتراض خلل مطلق يسفر عن وحدة مطلقة
ستعني بالضرورة أن يكون الوجود كله شيئا واحدا( لا يمكن أن يكون
سلوكا) غير مركب( كل مركب متعدد) ومتطابقا شكلا و جوهرا أو يسفر عن
تعدد( اختلاف) مطلق ينتفي معه أي مظهر من مظاهر الوحدة كالتكرر ولو
على مستوى اصغر وحدة مادية او سلوكية.
ولو افترضنا اختلالا جزئيا يسفر عن ضمور خاصية او طرف الوحدة لصالح
تضخم وسيادة خاصية او طرف التعدد لربما تعسر على العقل البشري العمل
بكفاءته المعهودة اذ من الملاحظ أن العقل البشري يصيبه الكلل اذا ما
زاد التعدد ( وهو ما يعني زيادة عدد المتغيرات) في الموضوع محل البحث
عن الحد الخارج عن قدرة العقل البشري. ومن المتصور انه بقدر ضمور
خاصية الوحدة يفترض أن تتعسر امكانية استنتاج القوانين والسنن او
الاحكام العلمية والمعرفية مما يؤدي الى صعوبة تقدم العلم او نمو
المعرفة البشرية. ولست ادري كيف كانت ستبدو الحياة وكيف كان سيكون
التفاعل الاجتماعي لو تضخمت التعددية وطغت حتى اصبح لكل انسان لغته
و فكره و دينه المختلف عما لغيره !! . وبالمثل لو افترضنا اختلالا
جزئيا يسفر عن ضمور خاصية او طرف التعدد لصالح تضخم وسيادة خاصية او
طرف الوحدة لربما ادى الى اختلالات من مثل تعسر اوتعذر التعارف بين
البشر على نحو يتعذر معه ، مثلا، استمرار الكيان الاسري، وافقار
العقل البشري من خلال حرمانه من التعدد البيئي (المادي والفكري)
المثري للتفكير. ولما نجا من الاختلال الجمال الطبيعي الذي طالما
ألهم الشعراء وادهش العلماء ودفع السياح الى اثراء اقتصاديات
الدول.ولست ادري كيف كانت ستبدو الطبيعة لو طغت عليها خاصية الوحدة
حتى توحدت اشكالها والوانها وفقدت الزهور- ضمن باقي الطبيعة- تعدد
اشكالها والوانها!! بل لما سلم من الاختلال الجمال المعنوي للحياة,
ولست ادري كيف كانت ستبدو الحياة لو طغت عليها خاصية الوحدة حتى
توحدت ،مثلا، اعمار البشر، و بالتالي، اصبح معلوما لكل شخص ساعة
موته!!
واضح أن ثنائية الوحدة – التعدد تتجلى في هذا الوجود بتوازن و تناسب
محكمين حتى انه يبدو انه لو توحد ما هو متعدد في هذا الوجود او
تعدد ما هو موحد او متوحد فيه لاختل التوازن و زال التناسب.
مصدر توازن وتناسب ثنائية الوحدة - التعدد
يعزو العلماء التوازن والتناسب الملحوظ بين طرفي
ثنائية الوحدة – التعدد في التكوين الانساني الى عاملين اساسين
يتحكمان في تجليات الوحدة والتعدد و هما المورثات (الجينات) والبيئة
. ولعله يمكن ، بالمثل، عزو ثنائية الوحدة – التعدد في السلوك
الانساني ، في حدود ما نعلم حتى الان، الى عاملين اساسيين يشكلان او
يوجهان تجلياتها وهما النفس – النفس البشرية- والبيئة . وربما لان
النفس البشرية تتوافر على عنصر الارادة التي يوجه الانسان من خلالها
سلوكه بينما تعمل المورثات بشكل لا ارادي لا دخل لارادة الانسان فيه
يبدو ان ثنائية الوحدة – التعدد تميل اكثر الى التعدد في حالة
السلوك بينما تميل اكثر الى الوحدة في حالة التكوين الجسدي مما جعل
البشر اكثر تشابها تكوينا اي شكلا منهم سلوكا.
ونحسب ان الذين يميلون الى التعمق في التفكير و
البحث عن ما وراء العوامل المذكورة او الاسباب المباشرة لن يجدوا
صعوبة ، أن احسنوا التفكير والتحرر من دواعي التعصب، في التحقق من أن
تلك العوامل لا تعدو أن تكون ادوات اوجدها و يوجهها خالق هذا الوجود
و مدبره . فهو المصدر النهائي لوحدة البشر اذ خلقهم كلهم بأنفس
تتوافر على خصائص وابعاد مشتركة توحد بينها حتى يصح اعتبارها من هذا
الجانب نفسا اعتباريا واحدة ( خلقكم من نفس واحدة)، و هو نفسه –
سبحانه وتعالى- المصدر النهائي لتعددية الانسان ماديا ( جسديا)
و معنويا( سلوكا) بما اودع فيه من اسباب الاختلاف و حباه به من ارادة
حرة تكرس الاختلاف ( ومن اياته خلق السموات والارض واختلاف ألسنتكم و
ألوانكم)
مقتضى ثنائية الوحدة – التعدد
اذا ما اتضح أن ثنائية الوحدة- التعدد ظاهرة
كونية، و حقيقة يبديها بجلاء تكوين الانسان و يعكسها سلوكه، وتبين
انها تدبير الهي مقصود بدا واضحا لزوم مراعاة الانسان دائما وفي
مختلف المجالات لهذه الثنائية ليكتمل فهمه للوجود ولنفسه ويتسع علمه
و معرفته و يستقيم فكره ونهجه ويسدد عمله وتعامله مع الغير ويرتقي
أداؤه. ولذلك فان، مثلا، الطبيب الذي يضع في اعتباره أن ثنائية
الوحدة – التعدد تلازم الانسان حتى في مرضه يكون اقدر على التشخيص
الادق للمرض والعلاج الانجع للمريض من الاخر الذي يشخص المرض و يعالج
المريض من منظور الوحدة القائم على أن المرض المعين اعراضه واحدة
وان المرضي يستجيبون بطريقة واحدة لنفس العلاج. وغالبا ما يرتد تجاهل
اهمية ثنائية الوحدة- التعدد سلبا على البشر وهو ما يفسر لنا تزايد
تحذير العلماء من الاخطار المحتملة لتعامل البشر مع الطبيعة بشكل يضر
بالتعدد ( التنوع) البيئي .
وبمثل ما يتعين مراعاة ثنائية الوحدة- التعدد عند التعامل مع المكون
المادي لهذا الوجود، سواء كان هذا المكون هو الطبيعة او جسد
الانسان، تتعين مراعاتها عند التعامل مع النفس البشرية والعقل البشري
والتجمع البشري. ولعل اهمية المراعاة هنا اكبر نظرا لعوامل عدة منها
أن مراعاة ثنائية الوحدة – التعدد في المجال المادي تتم عادة من خلال
قوانين طبيعية اودعها الله في الكون ما لم يحدث تدخل خارجي غالبا من
جانب الانسان بينما ترك امر مراعاة تلك الثنائية وضبط توازن طرفيها
في المجال الاجتماعي للارادة البشرية الحرة ، ومنها محدودية العلم
البشري في المجال الاجتماعي و النفسي مقارنة بما احرزه العلم البشري
من تقدم في المجال المادي ومحدودية العلم تنذر باحتمال استفحال اضرار
عدم مراعاة الثنائية قبل أن نكتشفها او نعلم بها، ومنها أن الميل
لتجاهل ثنائية الوحدة- التعدد في المجال الاجتماعي اكبر لارتباط
التقرير ( اخذ القرارات ) في هذا المجال بضغط المصالح بشكل اكبر.
على انه يصح القول بأن المراعاة الكاملة لمقتضى ثنائية الوحدة-
التعدد قد لا يكون متيسرا عمليا وان توفرت الارادة لذلك. و على سبيل
المثال فان المراعاة المثلى لثنائية الوحدة- التعدد في المجال
التعليمي تتطلب مراعاة السياسات التعليمية لخاصية التعددية بقدر
مراعاتها لخاصية الوحدة من خلال تبني مناهج تعليمية موحدة ولكنها
مرنة مرونة تستوعب متطلبات ليس فقط التعددية النوعية ( الذكورة
والانوثة) وانما ايضا، بقدر الامكان، التعددية الفردية ( تعددية
واختلاف القدرات والاستعدادات) داخل كل نوع لأنه كلما امكن التحديد
الدقيق للاستعدادات الذاتية لكل فرد وتقديم التعليم لكل فرد بناء على
استعداداته الذاتية كلما ارتفعت نسبة نجاح العملية التعليمية . ومن
الواضح أن عملا من هذا القبيل يتطلب مدخلات تفوق تحمل ميزانيات اكثر
الدول
الفشل في استيعاب ثنائية الوحدة- التعدد
رغم الاهمية المشار اليها لمراعاة ثنائية الوحدة - التعدد فان الواقع
هو انه ، غالبا بسبب العوامل المشار اليها انفا، كثيرا ما فشل البشر
في استيعاب حقيقة و مقتضى ثنائية الوحدة – التعدد ، خاصة على المستوى
الاجتماعي. وقد تمثل هذا الفشل عادة في الاخلال بمراعاة التوازن
المطلوب بين طرفي الثنائية من خلال الجنوح الى تضخيم او تغليب الوحدة
غالبا و التعدد احيانا.
ومن ضمن افرازات و تداعيات سوء فهم ثنائية الوحدة
– التعدد والحكمة منها في هذا الوجود مقولات او ممارسات التمييز ،
كالتمييز العرقي والتمييز الطبقي( البروليتاريا في الماركسية
والبرجوازية في الراسمالية) والتمييز الطائفي والتمييز الديني و
التمييز النوعي( ضد المرأة غالبا كما في المجتمعات التقليدية)، والتي
يجمع بينها كلها انها تضخم مظاهراو حقيقة التعددية البيولوجية او
الثقافية بين البشر و تتجاهل او تقلل من تجليات او حقيقة الوحدة
البيولوجية والثقافية بينهم. ومن هذا المنظور لا تختلف عن هذه
المقولات تلك الدعوات او المواقف التي تناهض المساواة بين البشر
وترفض الديمقراطية- لما تستلزمها من مساواة بين البشر- بدعوى أن
المساواة بين البشر لا تتفق مع حقيقة تعددية البشر تكوينا وسلوكا.
وفي المقابل كانت هناك دائما اتجاهات وميول لتجاوز
او تجاهل حقيقة تعددية البشر تكوينا وثقافة. و ربما كان من ابرز تلك
الاتجاهات تاريخيا محاولات البعض حمل الآخرين بالقوة على اعتناق غير
دياناتهم في مناهضة لاعقلانية لحقيقة التعدد الديني . ولعله لا يختلف
عن تلك المحاولات التاريخية كثيرا المحاولات المعاصرة التي استهدفت
فرض نظم جماعية ( كالماركسية و بعض التوجهات الدينية المتشددة)
تتجاهل حقيقة التعددية ولا محاولات بسط، وان بغير طريقة القسر
المادي، ثقافة معينة ( كالغربية) على العالم كله. كذلك ظهرت نظريات
او دعوات قائمة على تجاهل او التقليل من حقيقة التعددية في هذا الكون
من مثل النظريات التي حاولت ترويج التفسير الحيواني للانسان او دعوة
المساواة بين الرجال والنساء على نحو يتجاهل تماما تعددية
تكوينهما. |