|
لعل مما يبعث على التفاؤل أن يلاحظ المرء ما تشهده الساحة العامة من
تزايد النشاطات و المؤسسات التي تعنى بتكريس نهج الحوار و السلم في
العلاقات الفردية و الجماعية على نحو يؤكد تنامي اعتبار العقل
البشري بدروس التاريخ وعبراته و يعكس عزم الإنسان المعاصر على
مناهضة تمادي البعض في انتهاج نهج الاستكبار و اللجوء للقوة و الصراع
في التعامل مع الآخر . و لا يسع العربي الواعي إلا أن يزداد تفاؤلا
و هو يلاحظ الانتقال التدريجي للامة العربية، منذ بعض الوقت، من حالة
النزوع للانعزال و الانكفاء و الارتداد- تحت ضغط تنامي مشاعر
التوجس من الآخر ونزعة النفور من الجديد و التركيز المخل على هواجس
من مثل الغزو الفكري و الاستهداف الثقافي و التآمر السياسي و الطمع
الاقتصادي- الى حالة الإقبال على التفاعل مع الآخر و الجديد تفاعلا
اتسم عموما ، و إن شابه احيانا شئ من او بعض النزوع للتصادم و
الرفض، بالميل للتواصل و التفاعل السلمي و التحاور و الحوار على نحو
ينم عن تنامي الثقة بالنفس و يعكس بدء تبلور رؤية اكثر نضجا لمسالة
العلاقة بالآخر و الموقف من الجديد.
و إن كان هذا التفاؤل يبدو مهددا بما يواجهه حاليا مسار التفاعل
الحواري ومستقبله من تحديات عدة من مثل الانعكاسات السلبية لحركة
العولمة، و الإرهاب، و رهاب الإرهاب، وما يصدر عن أطراف مختلفة
من تصرفات تحول دون تجزر نهج الحوار، فان الأمل كبير في أن يتمكن
حواريّوا الحوار و جمهوره ، من خلال مثل هذه الفعالية التي يقيمها
مشكورا مركز الدراسات الاسلامية في جامعة الزيتونة، من التعاون على
معالجة تلك التحديات و العمل على بلورة و نشر ثقافة الحوار الكفيلة
بتعزيز مسيرة الحوار الصاعدة والحد من احتمالات انتكاستها.
و لعل من بين اهم المسائل التي يتعين أن تعالجها ثقافة الحوار في ما
يتعلق بموضوع هذه الندوة أي" حوار الحضارات و التعايش السلمي" تحديد
مفهوم حوار الحضارات و بيان أهميته و تحديد مقوماته و متطلباته و دفع
ما يلتبس به من شبهات. و تأتى هذه المقاربة إسهاما في ذات الاتجاه
مفهوم حوار
الحضارات:
أن
مفهوم حوار الحضارات مفهوم مركب من مفهوم مضاف اليه هو الحوار و
مفهوم مضاف هو الحضارات. و لعل المفهوم الأساسي هنا هو مفهوم الحوار
حيث أن مفهوم حوار الحضارات لا يعدو أن يكون ضربا من ضروب الحوار . و
لذلك فان من شأن اتضاح مفهوم الحوار أن يساعد على حسن فهم مفهوم حوار
الحضارات.
مفهوم الحوار:
أن
جوهر الحوار هو التبادل السلمي للأفكار والآراء والمعلومات. و من حيث
الشكل يتم هذا التبادل من خلال التفاعل الكلامي و/ أو التفاعل غير
الكلامي.
والمعني بتعبير التفاعل الكلامي هو التفاعل القائم على تبادل الرموز
اللغوية سواء كانت ألفاظا او إشارات لغوية وسواء تم التبادل شفاها او
كتابة وبطريقة مباشرة او غير مباشرة. و عادة ما يكون القصد من
التفاعل الكلامي تبادل الآراء والأفكار والمعلومات بشكل اكثر صراحة
ووضوحا، ويمكن تمييز الحوار القائم على هذا النوع من التفاعل باسم
"الحوار الكلامي" . ويُعرف الحوار الكلامي باسم الكلام او الحديث او
القول او... الخ إذا ما تم التبادل بشكل عفوي و- عادة- غير رسمي،
ويُعرف باسم الحوار إذا كان التبادل متعمدا ومنظما و، أحيانا، رسميا.
وهذا المعنى الأخير، أي التبادل السلمي المتعمد والمنظم للآراء
والمعلومات من خلال الألفاظ اللغوية او،نادرا، من خلال الإشارات
اللغوية، هو ما يتبادر الى الذهن عند إطلاق لفظ الحوار. والحوار بهذا
المعنى المتبادر يمكن أن يتخذ أسماء وأشكالا خاصة مختلفة منها
المفاوضات و المناقشات والمناظرات و المحادثات.
و
الأصل في الحوار الكلامي انه تبادل ثنائي الاتجاه بين طرفين- او
اكثر- يتناوب كلاهما دور المرسل و المستقبل بأقدار متناسبة او شبه
متناسبة و لكن ليست متساوية بالضرورة بل تحتمل الخلل لدرجة ما . أما
إذا تفاقم الخلل وبحيث يتحول طرف ما الى مرسل فقط بينما يتحول الآخر
الى مستقبل فقط فلا تعد مثل هذه العملية حوارا لافتقارها للتبادل. و
على سبيل المثال يصدق على العملية التعليمية وصف الحوار طالما كان
المعلم و المتعلم يتبادلان الإرسال و الاستقبال للمادة العلمية(
تعليم حواري) ولكن لا يصدق عليه وصف الحوار متى ما اختص المعلم
بالإرسال و المتعلم بالاستقبال و تحول التعليم الى "تعليم تلقيني"
كما هو السائد حاليا في بلادنا.
و
في معناه الأخص ينبغي ان يكون للحوار الكلامي هدف موضوعي معين اي
موضوع يراد معالجته . و مع ان مفهوم الحوار ارتبط عند الكثيرين بان
يكون موضوعه حل نزاع ما، غالبا نزاع سياسي او اقتصادي او اجتماعي و
نادرا نزاع او قضية منطقية او فكرية، لا يتعين أن يكون موضوع الحوار
نزاعا او خلافا بل يمكن ان يكون ،و كثيرا ما يكون، موضوعا لا نزاع
فيه و لا خلاف عليه كالحوار في مواضيع التعاون و الحوار التعليمي.
أما إذا دار الكلام حول هدف غير موضوعي و إنما هدف ذاتي يتعلق
بالتأكيد على الذات و فرض مواقفها فهو اقرب الى الجدال- بمعناه
السلبي- منه الى الحوار بمعناه الخاص . و بالمثل، اذا لم يكون
للكلام المتبادل أصلا هدف غير الترويح فهو يعرف عادة باسم الأنس او
الدردشة او...الخ
اما
تعبير التفاعل غير الكلامي فيقصد به هنا التفاعل من خلال تبادل غير
ما يُعرف بالرموز اللغوية، كتبادل المنافع. فسواء صحبه ام لم يصحبه
تبادل للخطاب (الكلام) يتضمن التفاعل غير الكلامي عادة تبادلا غير
مباشر لأفكار أو آراء او معلومات و هو ما يمثل كما سبق القول جوهر
الحوار. وعلى سبيل المثال فان المنافع المتبادلة، سواء كانت سلعا او
خدمات، تعكس او تنقل عادة شيئا ما عن طبيعة وصفات و أحوال مصادرها او
أصحابها مما يؤدي الى تكوين او تبادل أطراف التبادل بعض الانطباعات
او المعرفة او الآراء والأفكار عن بعضها البعض. وهذا النوع من الحوار
القائم على تبادل الاراء والافكار والمعلومات من خلال التفاعل السلمي
غير الكلامي يمكن تسميته بـ " الحوار غير الكلامي" .
و
الحوار، بمفهومه الموضح انفا، يتنافى مع الصدام و يتناقض معه الا
انه لا ينفي الصراع و أن كان يلطفه و يقتضي إدارته بالوسائل السلمية
على نحو يجعله اقرب للتنافس منه للاحتراب و الاقتتال.
وبمفهومه العام الواسع والذي يتمحور حول التبادل السلمي، سواء
الكلامي او غير الكلامي، لا يعد الحوار باي حال من الاحوال ظاهرة
خاصة او مميزة للانسان فقط. و قد يكفي ما تسمح به قدراتنا البشرية
من ملاحظته من مختلف اشكال الحوار بين بعض الكائنات غير البشرية
لاعتبار الحوار سنة كونية و ظاهرة يومية عامة و إن لم يكن في وسعنا
إدراك او ملاحظة بعض و ربما الكثير من اشكالها و مظاهرها. و مما
يرجح – منطقيا- كون الحوار سنة كونية انه بينما من المؤكد أن كل
الكائنات في هذا الكون تحتاج الى بعضها البعض، اذ لا شيء في هذا
الكون يقوم او مكتف بذاته، لا سبيل الى أن تحصل هذه الكائنات على
احتياجاتها او جزء منها من بعضها البعض إلا عن طريق التبادل الذي هو-
طالما جرى سلميا- أساس الحوار وآليّته.
و من غير العسير ملاحظة أن الله قد خلق البشر و بعض، وربما كل،
مخلوقاته منذ البدء مهيئين للحوار حيث زودهم، وإن بدرجات وأشكال
مختلفة، بالمتطلبات الأولية لعملية الحوار وفي مقدمتها القدرات و
الأجهزة العضوية الصوتية و السمعية والذهنية والتي لولاها ربما تعذر
الحوار الكلامي.
و يتم
الحوار في هذا الوجود عادة بين أطراف لها وجودها الخاص كالبشر و
– مبلغ علمي- لا يتم بين أطراف رمزية كالأديان و الثقافات او
اعتبارية كالمؤسسات إلا من خلال أصحابها او اتباعها. و من الواضح
انه بينما لا يتوقع أن يتم الحوار الكلامي بين طرفين لا تجمع بينهما
لغة مشتركة/ مفهومة فان الحوار غير الكلامي يمكن أن يتم بين من تجمع
بينهم لغات مشتركة و من لا تجمع بينهم لغة مشتركة كالإنسان و
الحيوانات.
و من بين
الأطراف المحتملة للحوار : الحضارات والتي يٌعرف الحوار بينها
بالحوار بين الحضارات او حوار الحضارات
حوار
الحضارات:
بناء على ما تمهد عن مفهوم الحوار يمكن القول ان المفهوم العام
لحوار الحضارات هو ذلك الحوار الذي يتم بين الحضارات بتوسط
المنتمين اليها سواء على المستوى الفردي او الجماعي، والشعبي او
الرسمي، وسواء كان حوارا كلاميا ام حوارا غير كلامي، و منظما كان
او غير منظم، و في أي مجال كان وذلك لهدف موضوعي . اما بمعناه
المتبادر و الشائع فان حوار الحضارات يقصد به الحوار الكلامي المنظم
بين اتباع الحضارات لهدف موضوعي.
و لمزيد من التوضيح يمكن ان نورد النقاط التالية :
I.
إن نسب
الحوار الى الحضارات إنما هو من قبيل المجاز اللغوي لان الحضارات
ككيانات رمزية او معنوية لا تتحاور او تتصادم بذاتها و انما تتحاور
او تتصارع او تتصادم من خلال عناصرها البشرية اي من خلال أصحابها
المنتمين اليها .
II.
الانتماء
لحضارة ما شعور ذاتي بالارتباط بتلك الحضارة يولّد لدى المنتمي
دافعا، قد يكون ضعيفا او قويا، للتمسك بها و رغبة ما في إنمائها و
تطويرها و نشرها. و اشتراط تعدد الانتماء الحضاري لأطراف حوار
الحضارات ينفي إمكانية إطلاق وصف حوار الحضارات على الحوار الذي يتم
بين أبناء حضارة واحدة حتى ولو كان هذا الحوار عن الحضارات او عن
حوار الحضارات و كان أطرافها من علماء الحضارات. و بما أن الانتماء
لا يعني بالضرورة التمثيل، إذ أن كل حضارة هي من التشعب و التنوع
الداخلي بحيث يتعذر القول بان منتمين معينين لحضارة ما يمثلونها
تمثيلا دقيقا و شاملا، كما انه ليس بالضرورة أن يكون كل من قد
يٌعتبر – حقا او باطلا - ممثلا لحضارة ما منتميا إليها فان شرط حوار
الحضارات هو ، في ما نرى، الانتماء و ليس التمثيل.
III.
المعني
بالحضارات في المفهوم المذكور يتحدد عمليا بالحضارات البشرية على
كوكب الأرض. ومع انه ليس في الإمكان نفي احتمال وجود حضارات أخرى
غير بشرية على كوكب الأرض او حضارات بشرية على غير كوكب الأرض الا
أنه لم يتيسر بعد، في ما نعلم، اتصال عملي ثنائي الاتجاه يسمح
بقيام حوار كلامي بين الحضارة البشرية على كوكب الأرض و تلك
الحضارات . ولا يقدح في ذلك ما يكون قد حدث او قد يحدث من بعض
حالات التواصل الفردي الثنائي الاتجاه بين الحضارة البشرية
والحضارات الأخرى كما يروى مثلا عن النبي سليمان او ما يروى، و
العهدة على الرواة، عن حالات الأطباق الطائرة. اما نظريا فان المعني
بالحضارات يتسع ليشمل الحضارات الأخرى المشار اليها. و ربما أمكن
مستقبلا اتساع حوار الحضارات ليشمل عمليا تلك الحضارات.
IV.
تختلف
التعريفات المتداولة للحضارة اتساعا و انكماشا او عمومية و خصوصية .
ولعل من ضمن أوراق هذه الندوة ما قد يختص بتناول المفاهيم المختلفة
للحضارة الأمر الذي يجعلنا نقتصر هنا على القول بان مفهوم حوار
الحضارات يقوم على المعنى العام للحضارة و الذي يحدد الحضارة بذلك
الكل الجامع لمختلف جوانب الوجود الخاص بصاحبها- الإنسان في هذه
الحالة – سواء كنوع او كمجموعات معينة. وتشمل هذه الجوانب ، في ما
تشمل، الثقافة والفكر والفلسفة والمعتقدات او الدين والقيم
والفنون كما تشمل التقاليد والعادات والسلوك و النظم التربوية و
السياسية و القانونية والاقتصادية والمنتجات سواء الأدبية/
المعنوية او المادية و..الخ. و بموجب هذا المفهوم الواسع للحضارة
يتسع مدلول حوار الحضارات ليشمل كل حوار بين الحضارات و في أي جانب
من جوانب الحضارة ، و هو ما يعني أن ما يجعل حوارا ما حوارا بين
الحضارات ليس هو مجاله او موضوعه بقدر ما هو تعدد أطرافه من حيث
الانتماء الحضاري . ومن ثم فان ما يعرف بـ حوار الثقافات وحوار
اللغات و حوار الاديان و ... الخ يندرج ضمن الحوار بين الحضارات
طالما كانت أطرافه تنتمي لحضارات مختلفة . وبالمثل فان حوارات
المؤتمرات والمنظمات الدولية تعد حوارات بين الحضارات سواء كان موضوع
الحوار شانا اقتصاديا او سياسيا او اجتماعيا او أخلاقيا وسواء كان
الموضوع مثار خلاف بين المجموعات الحضارية كبعض المواضيع المتعلقة
بالأسرة والمرأة وحقوق الانسان و الاستنساخ البشري او كان محل إجماع
دولي كسائر المواضيع المجمع عليها في الاتفاقيات الدولية .
V.
تختلف
الحضارات منن حيث درجة التطور، اذ منها المتطورة و منها المتخلفة او
البدائية، كما أن الحضارات عادة ما تمر بمراحل مختلفة من الازدهار و
التطور و النشاط والانكماش و التراجع و الكمون . وقد جرت العادة
اللغوية على إطلاق وصف الحضارة على المتطورة والناشطة منها دون ما
كان منها متخلفة وغير ناشطة بينما غالبا ما يتم تحديد درجات التطور
و التخلف على أساس جوانب الحضارة او مظاهرها المادية كالمكونات
الاقتصادية و التقنية و السياسية( القوة) و العمرانية و ليس على أساس
جوانبها الروحية و الخلقية. و قد أعطى ذلك انطباعا غير دقيق بان
الحضارات غير الناشطة، خاصة في الجانب المادي، لا تعد حضارات قائمة
او حضارات لها وجود و أن المجموعة الحضارية التي تفقد حضارتها مظاهر
التطور المشار اليها تعد مجموعة بدون حضارة و إن احتفظت بالقدر
الأكبر من المكونات الثقافية المتطورة لتلك الحضارة. و قد دفع كل ذلك
البعض الى الاعتقاد بانه لا توجد في الوقت الحالي على كوكب الأرض سوى
حضارة واحدة هي الحضارة الغربية – الأمريكية ونفوا-او كادوا- بناء
على ذلك إمكانية قيام حوار بين الحضارات. و من الواضح أن هذا الموقف
يعكس تأثرا بالاستعمالات الدارجة للمفاهيم و تضييقا لا مبرر له
لمفهوم الحضارة, كما انه ينطوي على خلل في إدراك المعني بحوار
الحضارات و الذي سبق التوضيح بانه يقوم بين المنتمين للحضارات و ليس
بالضرورة مؤسسيها او رموزها في مرحلة ازدهارها . و يتشابه هذا الموقف
في كثير من نواحيه مع موقف من قد يدفعه ما جرت به العادة اللغوية من
إطلاق لفظ المثقفين على فئة معينة من فئات المجتمع - تقديرا لتميزها
بالعمق الثقافي- الى الاستنتاج او الاعتقاد بان باقي فئات المجتمع
لا ثقافة لها و – بالتالي – لا يمكن قيام حوار ثقافي بينها او معها
!!.
VI.
لا شك في
أهمية و ضرورة الحوار الكلامي بين الحضارات وخاصة لبعض مقاصد
الحوار كالتعارف و إزالة سوء الفهم وتصحيح التصورات الخاطئة للآخر
وغير ذلك مما تمس إليه الحاجة في مثل الظروف السائدة اليوم، إلا أن
من الخطأ البين حصر مفهوم حوار الحضارات في هذا المعني فقط لما يعنيه
ذلك من حصر حوار الحضارات في الجانب الخطابي النظري فقط ولما فيه من
إسقاط غير مبرر لكثير من اوجه التفاعل العملي الحواري بين الحضارات
من مفهوم حوار الحضارات مع أن هذه الأوجه لا تقل عن الحوار الخطابي
المنظم أهمية وخاصة من حيث التأثير العملي الإيجابي وتحقيق مقاصد
الحوار العملية و تكريس وتعظيم التفاعل السلمي الإيجابي من خلال
تعزيز ترابط وتشابك المصالح بين الحضارات. و الواقع أن اختزال او حصر
الدعوة الحالية للحوار بين الحضارات في الحوار الخطابي فقط سيكون
اتجاها خاطئا وقد ينتهي الى إجهاض الدعوة لما فيه من سلب الدعوة
مقومات فعاليتها و استمرارها. ومن هنا كان تأكيد المفهوم على
المعنى الشمولي لحوار الحضارات والذي يتسع لكل أشكال و أنواع
الحوار الكلامي و الحوار غير الكلامي.
وبمفهومه الشامل، مثّل الحوار بين الحضارات ملمحا ممتدا عبر التاريخ
البشري ، حيث يفيد التاريخ انه كان هناك دائما قدر من الحوار بين
الحضارات البشرية سواء المتعاقبة او المتزامنة. ويشهد للوجود
التاريخي لهذا الحوار و يؤكده ما نتج عنه من انتقال وتراكم الخبرة
البشرية عبر سلسلة الحضارات البشرية المتعاقبة كما يدل على وجود ه
ماضيا وحاضرا الانتشار الأفقي للخبرة البشرية، وان بأقدار متفاوتة،
في سائر الحضارات البشرية القائمة اليوم على كوكب الارض . و من
الواضح انه لو لم يكن ما كان من الحوار- الرأسي - بين الحضارات
المتعاقبة لتعذر تراكم الخبرة او المعرفة البشرية على النحو الذي
حدث و لربما تعين على سائر الحضارات المتعاقبة أن تبدأ من الصفر
تقريبا، ولو لم يكن ما هو قائم من الحوار – الأفقي- بين الحضارات
المتزامنة لما كانت على ما هي عليه من تشابه واستفادة من بعضها
البعض..
وقد سجل لنا التاريخ بعض التفاعلات الحوارية بما فيها الحوار
الكلامي بين عناصر من الحضارات السابقة و خاصة ما تقارب منها زمانيا
ومكانيا. واستطاعت الدراسات التاريخية أن تتعقب بعض العناصر او
المكونات التي انتقلت من حضارة الى اخرى وان تحلل بعض الحضارات الى
جذورها الممتدة داخل حضارات اخرى.
و من
الواضح أن الحوار بين الحضارات تنامى حجما و نوعا عبر التاريخ و لعله
الآن افضل مما كان عليه في أي وقت مضى
و بالتأكيد فان بيان ما كان بين الحضارات من حوار لا يعني نفي او
التقليل من ما كان بينها من صراع وصدام وصل أحيانا درجة الاقتتال
المسلح بين بعض الفئات أو المجموعات الحضارية المتباينة. وفي الواقع
، مهما كان الصدام بين الحضارات أمرا مذموما ومبغضا وكيفما كان
التناقض بينه وبين الحوار إلا أنه يبدو أن بعض حالات الصدام لم تخل
من بعض الآثار الإيجابية على تيسير او توسيع نطاق بعض حالات
الحوار بين الحضارات إن لم يكن بسبب ما هيأته من مزيد من فرص التفاعل
فبسبب ما كشفت للناس عيانا من خطورة الصدام و مآسيه البالغة و،
بالتالي، تنبيهها لهم الى ضرورة استبدال الحوار بالصراع و الى ، كما
تشهد هذه الندوة و مثيلاتها، أهمية الحوار بين الحضارات.
أهمية الحوار بين
الحضارات:
يشير التوضيح الآنف لدور حوار الحضارات في انتقال و تراكم و انتشار
المعرفة البشرية و الخبرة الحضارية الى بعض اهمية حوار الحضارات
و يفيد
الاستقراء العقلي أن الأوضاع او البدائل المحتملة للعلاقات بين
الحضارات لا تتعدى ثلاث احتمالات او بدائل هى السلبية/ الانعزالية
بمعنى كف او امتناع الحضارات او بعضها عن إقامة اى علاقات مع بعضها
البعض ، و التصارع بمعنى انتهاج الحضارات او بعضها علاقات تقوم على
الصراع والتصادم والاقتتال ، والحوار بمعنى انتهاج الحضارات او
بعضها في علاقاتها البينية نهج الحوار بمعناه الواسع الموضح
سابقا. ولا يحتاج العقل البشري سوى قليل من التأمل في التكلفة او
الخسارة التي تترتب حتما على اختيار أي من بديلي السلبية و التصارع،
والكسب او الربح الذي يحققه بديل الحوار ليتبين من أن الحوار بين
الحضارات ضرورة ليس بوسع البشرية الاستغناء عنها طالما انه ليس في
وسعها الاستغناء عن التعاون و الذي هو شكل من أشكال الحوار- بمفهومه
العام- و ثمرة من ثماره.
واذا كان من الواضح أن الحوار بين الحضارات كان عبر التاريخ البشري
، وسيظل حاضرا ومستقبلا، امرا مهما بل ضروريا فان هنالك من
المستجدات والعوامل ما يجعل الحوار بين الحضارات اليوم اكثر اهمية
وضرورة للجنس البشري اكثر من اى وقت مضى . ومن هذه المستجدات
والعوامل :
1- أدت التطورات
التكنولوجية الهائلة التي شهدها العالم مؤخرا الى تقليل المسافات
المكانية و إضعاف القيود الاجتماعية/ القانونية التي تحد من التواصل
بين الحضارات بشكل ادى الى تسهيل وزيادة حجم الانتقال والتداخل(
هجرة و عملا وسياحة) بين مجموعاتها وزيادة سرعة وحجم انتقال
المعلومات والأخبار بينها . وقد نتجت عن مجمل ذلك- في ظل غلبة
الطابع السلبي على مضامين المعلومات والأخبار المنتقلة عبر الحضارات
و شيوع درجات مختلفة من التوتر في العلاقات بين الجماعات الوافدة و
المحلية - زيادة وعي المجموعات الحضارية بالاختلافات في ما بينها.
وزيادة الوعي بالاختلافات يكون عادة مدعاة للنفور و يقود احيانا الى
النزاع والصراع والصدام ما لم تتم معالجة تلك الاختلافات وبيان
إيجابياتها و اهمية النظر اليها كمصادر تنوع و إثراء للخبرة البشرية
و ليس كمبررات للاستخفاف او اسباب للنفور والصدام و هو ما لا يمكن أن
يتم بدون تشجيع التحاور و تكريس ثقافة الحوار.
من جانب آخر تمخض التطور التكنولوجي عن امتلاك بعض الحضارات او بعض
عناصرها اليوم قدرات أعلى، بما لا يقاس بقدراتها في أي وقت مضي،
على إلحاق تدمير شامل وإبادة واسعة ببعضها البعض . وما لم يتم
تكثيف الحوار بين الحضارات ستزداد حتما احتمالات نشوء حالات سوء
التفاهم بين الحضارات مما قد يدفع بعضها الى استخدام قدراتها
التدميرية و إساءة استخدام الفتوحات العلمية الأخيرة في مجالات من
مثل الهندسة الوراثية و الذكاء الاصطناعي في استباق الصراعات
الحضارية او العرقية المحتملة .
2- تشير الدراسات
الى انه نتيجة لعوامل عدة ربما اهمها تزايد وتيرة العولمة اصبحت
الحضارات اكثر عرضة للزوال . وتكشف بعض الاحصاءات ذات الصلة أن
حوالي 25 لغة تندثر كل عام وان نصف لغات العالم المحلية في طريقها
الى الزوال. ومعلوم انه مع زوال اللغات تضمحل ثقافات اهلها وقد
تزول تماما و مع زوال اللغات والثقافات لابد أن الحضارات المعنية
ستكون اكثر عرضة للزوال . وتفيد متابعة ردود الأفعال بهذا الصدد أن
احتمال تأثر اللغات والثقافات بتسارع وتيرة العولمة – على النمط
الامريكي- اصبح هما يؤرق ليس فقط أصحاب اللغات والثقافات المحلية
بل ايضا حتي أصحاب لغات وثقافات حققت قدرا كبيرا من الانتشار
العالمي من مثل الفرنسية . و تتمثل اهمية الحوار بين الحضارات بهذا
الصدد في أن هذا الحوار وان كان من غير المرجح أن يتمكن من أن
يوقف تماما زوال اللغات والثقافات الا أنه بالتأكيد يمكن أن يساهم
في الحد من الآثار السلبية لمثل هذا الزوال على مجمل الحضارة
البشرية .
3- أن استمرار
التوترات والنزاعات المسلحة في التخوم المشتركة للحضارات وبين
الأطراف ذات الانتماءات الثقافية او الدينية او الطائفية المختلفة
داخل المجوعات الحضارية وتزايد الكراهية والإجراءات المضادة والعنف
ضد جاليات و اتباع او مصالح الحضارات الأخرى ابرز بوضوح دور العامل
الثقافي/ الحضاري في الصراعات و شجع نظريات و دعوات وربما
استراتيجيات غير معلنة للصراع بين الحضارات و أغرى قيادة الحضارة
السائدة في الساحة الدولية باللجوء الى اجراءات استباقية غير مبررة
تثير اتباع الحضارات الاخرى بل وبعض اتباع الحضارة السائدة نفسها و
أتاح المزيد من الظروف الملائمة لظهور و تنامي الجماعات المتطرفة
التي تنشر ثقافة العداء و تغذي مشاعر الكراهية للاخر الحضاري .
والشواهد على كل ذلك معلومة وكثير منها ماثلة للعيان. و في ظل ما
ث |