المحاضرات
المؤلفات

 

نظرات أولية في العمل الفكري العربي

 

بمناســــبة العـــيد الـفضي لـمـنتدى الفكــــر العــربي

و بدء العقد الثقافي العربي

تمهـــــــيد

للفكر، و الذي يمثل محور الثقافة، دور أساسي في التوجيه العقدي و السلوكي للانسان و، من ثم، في تحديد موقعه على  متصل  التخلف- الحضارة، و الضعف- القوة، و الانحراف- الاستقامة. و- لذلك-  إذا بدا من المسلمات ان إحداث تغيير حضاري شامل   يتطلب إحداث تغيير في الذات الانسانية لا يبدو ممكنا إحداث التغيير المنشود في الذات الانسانية بدون احداث ما يستلزمه من تغيير فكري. و لاشك ان  ما أبدته الاديان الرئيسة و حركات الاصلاح الاجتماعي الكبيرة، عبر التاريخ، من حرص ملحوظ على مخاطبة العقل انما يعكس ادراكها الواعي لاهمية تغيير او اعادة بناء الفكر في سبيل الوصول الى الغايات الحضارية او الاهداف الدينية و الاصلاحية الكبيرة.

 و بالاضافة الى ما تقدم ، يكتسب الفكر اليوم اهمية  متنامية لعوامل عدة منها:

·     مع تنامي الوعي البشري و انتشار الديمقراطية و الشوري و الرغبة في التعايش و التعامل السلميين و ما ترتب على ذلك من تراجع ملحوظ في اقرار او قبول  اللجوء الى استخدام القوة المادية العنيفة او المسلحة و التوجه المتنامي الى اللجوء الى قوى ووسائل بديلة سلمية او غير عنيفة - كالقوة الاقتصادية و السياسية و الدبلوماسية و التنظيمية و التشريعية- في الشأن العام الوطني و العلاقات الدولية بدأ الفكر يكتسب  دورا متزايدا  لاعتماد تلك القوى و الوسائل البديلة اساسا على حسن التخطيط و الادارة و اتقان فنون الاتصال و مهارات الاقناع المنطقي و ، احيانا، اساليب الجدال الخصومي  و غيرها مما يتطلب ليس القوة المادية الكفيلة بتحقيق الاكراه القسري  و انما  قوة  الفكر و براعة  التفكير و حسن إعمال العقل. و لعل ذلك بعض ما يفسر لنا  ما يلاحظ من تزايد اعتماد سياسات و قرارات القوى العظمى على افكار مراكز صناعة الافكار فيها حتى و لو بدت افكار تلك المراكز لا تنسجم مع توجهات الرأي العام السائد، و من الواضح ان ذلك قد شجع على ازدهار مراكز صناعة الافكار في تلك الدول( مثلا في الولايات المتحدة الامريكية وحدها توجد اكثر من اربعة الاف مركز لصناعة الافكار) بينما تكاد تخلو منها بلادنا.  و لا شك ان ما اتسم به العصر الحديث من تنامي الصراع على العقول و بين الافكار و الثقافات انما يدل بوضوح على تنامي الوعي البشري عموما  بتنامي دور الفكر و الثقافة.  

·     يبدو ان العالم يمر حاليا بوضع، و ربما مرحلة، يشهد فيه الفكر- مفهوما و تكوينا و مسارا- تغيرات و تحولات بنيوية متسارعة و تساؤلات جذرية  تنبئ ان الفكر مقبل على مستقبل مختلف كثيرا عن حاضره فضلا عن ماضيه. و من الواضح ان  المجتمعات/ الثقافات الاكثر اعتناء بالفكر و الاقدر على  استشراف التحولات الناشئة او القادمة في الفكر، في الوقت المناسب،هي التي ستكون في وضع افضل لتأمين دور اقوى  لافكارها  في توجيه تلك التحولات و تشكيل ما سينتج عنها من فكر جديد.

 

العمل الفكري الأهلي المؤسسي

  اذا كان الفكر، عموما، بتلك الاهمية المشار الي بعضها اعلاه بايجاز- نرجو ان لا يكون مخلا-  فان من الطبيعي ان تكون للعمل الفكري والمؤسسات المعنية بالفكر اهمية مشتقة او مماثلة  تتعزز بقدر العطاء الفكري و بقدر التصدي بكفاءة و فعالية للشأن الفكري و قضاياه بما فيها استجلاء كنه الفكر و انماء مضامينه و ترشيد مساره و توجهاته و تفاعلاته وتطوير قدرات و مناهج التفكير.

و من بين اشكال العمل الفكري تمس الحاجة اكثر ، و خاصة في الوطن العربي، الى العمل الفكري الاهلي أي النشاط الذي يقوم به الافراد و المؤسسات الاهلية، سواء التقليدية او الحديثة، بهدف تنمية الفكر و تزكيته و نشره  و تفعيل دوره في  المجتمع. و لعل من الواضح ان نمو  وعي المجتمع العربي باهمية العمل الفكري الاهلي يتناسب طرديا و عكسيا مع نمو و تجدد وعيه  باهمية العمل الاهلي عموما. و من بين ما يمكن ان يعزز اكثر الوعي باهمية العمل الفكري الاهلي  تنمية و عي المجتمع بالعوامل و الاسباب الراهنة / المستجدة التي تستدعي ايلاء المزيد من الاهتمام للعمل الفكري الاهلي . و قد يفيد بهذا الصدد ان نشير الى بعض تلك العوامل :

  • ان اهتمام  الحكومات / السلطات الرسمية  بالشأن او العمل الفكري و الثقافي يتسم في اغلب الاحيان بالضعف او محدودية الفاعلية و خاصة على المستوى العملي. و مع ان العصر الحديث شهد، كما سبقت الاشارة، مزيدا من الاهتمام الرسمي/ الحكومي بالفكر و ، من ثم، بالعمل الفكري و الثقافي، الا ان هذا الاهتمام ما زال ضعيفا نسبيا و هو اضعف ما يكون  لدى حكومات و سلطات الوطن العربي و العالم النامي عموما. و صحيح انه احيانا تكون هنالك اسباب و عوامل موضوعية، مثل شح الموارد و تباين اولويات صرفها، وراء ضعف  الاهتمام الرسمي بالعمل الفكري الا انه كثيرا ما تشوب هذه العوامل الموضوعية دوافع ذاتية غير موضوعية مثل الاقتناع او التوهم بانه ليس من المصلحة تشجيع النشاط الفكري. و ايا كانت اسبابه ودوافعه فان  ضعف او محدودية فاعلية  الاهتمام الرسمي بالعمل الفكري يستدعي تعزيز و تفعيل الاهتمام الاهلي  بالعمل الفكري .
  • يعيب اهتمام الحكومات  بالعمل الفكري و الثقافي انه- في الغالب- اهتمام دعوي دعائي موجه اساسا ليس لتنمية الفكر و انما لتوظيف  الفكر لتكريس الوضع الراهن ودعم و ترسيخ الانظمة القائمة و تبرير اعمالها و سلوكياتها سواء السليمة منها او السقيمة. و من هنا كان الشك السائد في فكر السلطة و الثقافة الرسمية و كانت السمعة غير الطيبة لمن عرفوا بفقهاء السلاطين و مفكري السلطة و مثقفيها مع ان من الخطأ الميل الشائع للاشتباه في فكر كل مفكر تعامل مع السلطة او اتصل بالسلطات. و لاشك ان مثل هذا الاتحراف السلبي  بمقاصد العمل الفكري من قبل العمل الفكري الرسمي يتطلب و جود عمل فكري اهلي يتصدى له. و صحيح ان العمل الفكري الاهلي ايضا لا يخلو دائما من النزوع الى السلطة، بيد ان الخطأ ليس في نفس النزوع الى السلطة بقدر ما  هو في اشتهاء السلطة و تسخير الفكر لاشباع او خدمة شهوة السلطة.  و الارجح ان كون الفكر الاهلي ( غير الرسمي)  اكثر تنوعا يقلل من احتمال استغراق ( و افساد) شهوة السلطة لكل تياراته . و في كل الاحوال فان من شأن تفعيل العمل الفكري الاهلي ان يتيح فرصا اوسع لتفاعل و تلاقح الفكر الاهلي  ( غير الرسمي)، بتياراته المعارضة و الموالية و المغايرة، مع  الفكر الرسمي ( الحاكم) على نحو يدعم و يعزز ايجابياتهما و يكشف عن سلبياتهما. 
  • ان الفكر في حد ذاته سلطة و من شأن كل سلطة النزوع الى التركز و النخبوية مصدرا و الانتشار و التوسع مجالا مما يتمخض عن سلبيات عديدة. و الوسيلة الانجع للتقليل من تركز و نخبوية السلطة الفكرية هو نشر الفكر وبسطه بين مختلف فئات المجتمع لانه بقدر انتشار الفكر تتوزع السلطة الفكرية. و لا يخفى ان نشر الفكر على اوسع نطاق ممكن بين مختلف فئات لمجتمع لا يمكن ان يتم من خلال العمل الفكري الرسمي وحده ليس فقط لان الجهات الرسمية قد ترغب عن العمل الفكري او تشجيعه و انما لان كل عمل يستهدف المجتمع كله لا يكفي فيه الجهد الرسمي وحده و لابد من المشاركة الفاعلة للجهد الشعبي و هو ما يستلزم وجود عمل فكري اهلي نشط.
  • يتطلب ترشيد النظام الديمقراطي / الشوروي نشر الفكر ليس فقط لان نشر الفكر يخدم توزيع السلطة – وهو ما يعد شرطا لنجاح الديمقراطية- و انما ايضا لان الفكر ضروري لترشيد السلوك الانساني يما فيه سلوكه الديمقراطي. فبالرغم مما سبقت اليه الاشارة من انه كأي سلطة اخرى تغري سلطة الفكر بطلب المزيد من السلطة و ان الفكر كثيرا ما يعزز النزوع الى السلطة نتيجة الوعي باهميتها في تحقيق الاهداف العامة، الا ان السلطة الفكرية تتميز بانها- على النقيض من السلطات الاخرى  كالسطة المالية و السلطة العسكرية- تنطوي على حافز ذاتي الى حسن استخدام السلطة نتيجة لتشجيع الفكر،  وليس كذلك المال او القوة العسكرية، عقلنة السلوك البشري  بما فيه السلوك السلطوي . و  كلما تأصل و استقام الفكر رغّب عن اشتهاء السلطة و سوء استخدامها و ربما اوقع في النفس الزهد في السلطة تهيبا من العجز عن الوفاء بمسئولياتها. و لا شك ان الدور الايجابي المشار اليه انفا لنشر الفكر في ترشيد النظام الديمقراطي يستحق تداعي المجتمع كله- و ليس السلطات الرسمية وحدها- لنشر الفكر من خلال تنشيط و تفعيل العمل الفكري الاهلي.

و اذا كان ما سبق يوضح اكثر اهمية العمل الفكري الاهلي فان من المؤكد ان هذا العمل الفكري لا تكتمل له اسباب الاستمرارية و الفعالية ما لم تتم مأسسته من خلال تنظيمه و تطويره من صيغة العمل الفردي الى صيغة العمل المؤسسي القائم على التعاون الجماعي المنظم و دعم و رعاية الابداع الفردي. و كان المجتمع العربي قد طور مؤسسات لبعض ما عرفه منذ القدم من اشكال العمل الفكري  بيد ان تلك المؤسسات صارت مع تغير الظروف و الاحوال مؤسسات تقليدية  ضعيفة الفعالية و إن ما زالت بعضها تقوم بادوار اساسية. و لم تبدأ جهود تأسيس مؤسسات حديثة للعمل الفكري الاهلي في الوطن العربي  الا مؤخرا.

 

منتدى الفكر العربي

  لعل من اولى ثمرات الجهود الرائدة لمأسسة العمل الفكري الاهلي الحديث  في الوطن العربي   " منتدى الفكر العربي" و الذي تأسس في العاصمة الاردنية عام   1981، كمؤسسة اهلية غير ربحية تعنى بالفكر،  و يحتفي هذا العام(2006) بعيده الفضي.

ولاحتفاء  "منتدى الفكر العربي" هذا العام بمرور ربع قرن على  تأسيسه دلالات  تبعث في نفس العربي بعض مشاعر الفخر و الاعتزاز و يعزز لديه دواع التفاؤل و الامل. و من تلك الدلالات ما يعنيه هذا الاحتفاء من ان "منتدى الفكر العربي" قد نجح في الصمود امام عوامل الفناء و التلاشي و حقق قدرا  معتبرا  من الاستمرارية  التي طالما افتقرت اليها، الا قليلا، المؤسسات الاهلية الفكرية و الثقافية الحديثة في الوطن العربي. و اذا كان تردي الوضع المؤسسي عموما، و خاصة قصر عمر المؤسسات الفكرية و الثقافية الاهلية الحديثة، في الوطن العربي جعل مجرد استمرار اي مؤسسة عربية فكرية اهلية حديثة غير ربحية في الحفاظ على بقائها يشكل في حد ذاته  انجازا  فان مما يستحق الثناء  و الاعجاب ان استمرارية "منتدى الفكر العربي" لم تكن استمرارية خاملة بل  ظلت استمرارية حافلة بالنشاطات و الفعاليات الفكرية السنوية و التي تواصلت دون انقطاع على مدى ربع قرن من الزمان. و ازاء ما اشاعه تتابع و اضطراد انهيار و اخفاق  المؤسسات العربية الاهلية الفكرية و الثقافية الحديثة من جو الاحباط و التشاؤم  من شأن الاستمرارية الناشطة التي حققها "منتدى الفكر العربي" و بضع مؤسسات عربية مشابهة ان يعيد للمفكر العربي الثقة في المؤسسات الفكرية و الثقافية الاهلية المستقلة و يجعله اكثر تفاؤلا ازاء مستقبل العمل الفكري الاهلي المؤسسي في العالم العربي.

و تضم انجازات "منتدى الفكر العربي" في الفترة الماضية  اقامة فعاليات عنيت بدراسة و مناقشة عدد من القضايا القومية الحيوية، وعقد سلسلة من الحوارات مع جهات عدة شملت مختلف القوى و الفاعليات  العربية و غير العربية، و اصدار دوريتين، و طبع مداولات بعض فعالياتها و حواراتها  باللغتين العربية و الانجليزية.  و تميز تنظيم المنتدى لفعالياته و حواراته بان معظم تلك الفعاليات و الحوارات تم تنظيمها بالتعاون مع مؤسسات اخرى عربية او اجنبية او دولية فضلا عن عقدها في مدن مختلفة عربية و اجنبية،  و لا تخفى ما لذلك من دلالة واضحة على- اولا- ادراك المنتدى لاهمية التعاون و تعبئة مختلف القوى و الموارد  لخدمة الفكر العربي و- ثانيا، ولعله الاهم-  نجاح المنتدى في خلق علاقات تعاون  مثمرة مع مختلف المؤسسات العربية و الاجنبية. و من الطبيعي ان يكون من ثمرات  ذلك كسب المنتدى ثقة و تقدير المفكرين العرب و استعدادهم للتعاون معه.

و تقف انجازات و نجاحات " منتدى الفكر العربي" شاهدة على جدية  و حكمة سمو الامير الحسن بن طلال و قادة الفكر و التنمية العرب الذين بادروا معه، في وقت لم يكن  فيه الفكر العربي الحديث قد ألف العمل الفكري الاهلي المؤسسي، الى تأسيس هذا المنتدى و رعاية ودعم  نشاطاته على مدى الخمس و العشرين سنة الماضية  مما استحقوا معه، ومعهم ادارة المنتدى و كل من دعمهم، كل التقدير و الاعجاب.

 

العمل الفكري العربي: التحديات و المستجدات

  مثلت نشاطات المنتدى المشار اليها  اسهاما مقدرا في مجمل الجهود المعاصرة التي سعت  لتجديد و تحديث الفكر العربي. و هي جهود  دفعت اليها، منذ بداياتها الاولي في القرن التاسع عشر الميلادي تقريبا، عوامل مختلفة وشاركت فيها جهات عدة فردية و مؤسسية.  و بفضل تلك الجهود امكن الفكر العربي تبين مدى سوء حاله سواء قياسا بماضيه المزدهر او مقارنة بالفكر الاخر الحديث خاصة الغربي، كما امكنه إدراك ضرورة تجاوز فترة الانتكاس و الجمود الطويلة التي المت به منذ افول حضارته الاخيرة  وكذا  ضرورة تجسير الفجوة القائمة بينه و بين الفكر الغربي الحديث. و نتيجة لهذه  الصحوة بدأ الفكر العربي يعيد تقييم وضعه و واقعه، و يعيد تحديد موقفه من تراثه و من الفكر الاخر عموما و الغربي خصوصا، و يعيد فهم مضامين و نصوص مرجعيته ( البيان الشرعي) و ذلك بحثا عن معادلة فكرية قويمة تحقق له التجدد و النهوض و مواكبة  بل و ريادة العصر من خلال  استيعاب ابداعات و تجليات الفكر الاخر و توظيفها لإنماء قدراته الذاتية.

      و اليوم، لا يسع المرء الا ان يلاحظ بقدر من الارتياح ان تلك الجهود قد بدأت تعطي ثمارها. فقد شهد، و ما زال يشهد، الفكر العربي  حركة، لا تخلو من صراع و ردات فعل تكون عنيفة احيانا، في اتجاه التجدد و التطور. و لعل من مؤشرات ذلك ما يبدو انه بداية انتقال تدريجي للفكر العربي  من الجدال حول تقديس/ تدنيس التراث الى القراءة الموضوعية له، و من وهم او دعوى التطابق بين نصوص مرجعيته و فهمه لتلك النصوص الى التمييز بينهما، و من الموقف المتطرف من الفكر الاخر و خاصة الغربي- تكفيرا  له  و تعاليا عليه او ، في المقابل، انبهارا به و تقليدا اعمى له- الى محاورته بالحسنى.

على ان الفكر العربي و ان بدأ يتغير نحو – في ما نقدر- الاحسن  الا ان استمرار هذه التحسن و تعزيزه وصولا بالفكر العربي  الى موقع الريادة و الابداع  رهن باستمرار و تعزيز جهود تطويره و انمائه.  و  يتطلب ذلك من مختلف الجهات، بما فيها المؤسسات الاهلية، المعنية بالعمل الفكري ليس فقط مواصلة و مضاعفة جهودها الحالية و انما  ايضا – وهو الاهم- تطوير مفهومها للعمل الفكري و اسسه  بما يمكنها من تطوير مقاربة او استجابة اكثر فعالية للتحديات العالقة في الساحة الفكرية العربية  منذ  امد طويل  و ، في نفس الوقت، يمكنها ايضا من حسن استشراف و استيعاب المستجدات الراهنة و المستقبلية ذات الصلة بالفكر و العمل الفكري. و وفقا لاستخدامهما هنا، فان مفهومي التحديات و المستجدات يرمزان الى ما يلاقيه الفكر/ العمل الفكري من اشكالات و  فرص كثيرا ما تكون ، كما سيتضح لاحقا، متداخلة و متشابكة معا. و مع مرور الزمن تتحول المستجدات التي لا تجد الاستجابة المناسبة الى تحديات عالقة.

و تتعدد تحديات  الفكر العربي  و التي سعى العمل الفكري العربي الحديث، بنجاح محدود حتى الان، الى مقاربتها. و من بين الكثير من التحديات العالقة منذ ما قبل بداية النهضة الفكرية العربية الحديثة اصبحت بعضها، مع مرور الزمن،  اقل او اكثر اهمية من حيث خطورتها او  فوائدها . و لعل من اهم ما يمكن الاشارة اليه هنا من اشكالات الفكر العربي العالقة غلبة الفكر الشفهي، أي غلبة الطابع الشفهي على  حركة او تداول الفكر العربي،  و معلوم ان الفكر الشفهي اقل قدرة على التراكم البناء لاعتماده على ما تجود به الذاكرة فقط و هو ، في نفس الوقت، اكثر عرضة للزوال لمحدودية تطوره وافتقاره للتوثيق؛ و تغلغل  الفكر اللاعقلاني بل  الخرافي ممثلا في تفشي الكثير من المعتقدات الاجتماعية غير السائغة عقلا و بعض المفاهيم و التصورات المناقضة لحقائق العلم اليوم؛ و استفحال الفكر الإمعي الذي يميل الى تقمص او مسايرة الفكر السائد او الاتجاه الصاعد و تجنب التصدي له و ان كان غير سديد؛ و الإنشداد الى  الفكر الموروث و الوقوف عنده و ان تغير الواقع الذي انتجه او استدعاه، و لم يعد يواكب الواقع المعاصر المتولد عن الفكر الحديث؛ و تمكن        الفكر الاقصائي؛ و تخلف- ان لم نقل غياب- الفكر الاستراتيجي/ المستقبلي؛ و ضآلة اسهام، و احيانا تثبيط، الفكر الأنثوي.  

و بالاضافة الى مثل تلك الاشكالات المتعلقة بمضمون الفكر و طابعه و مقدراته يعاني الفكر العربي من اشكالات ظرفية / بيئية لعل من اهمها و اشملها تدني مكانة الفكر في المجتمع العربي المعاصر كما تعكسه مؤشرات عدة منها ميل السلوك العربي عموما لمجافاة مقتضى الفكر السليم( نزوعا الى السلوك التقليدي او الخرافي  او العشوائي  او الانفعالي او الارتدادي )؛ و قلة الاهتمام بالفكر ووسائل كسبه و نشره كما تعكسه محدودية انتاج و توزيع الكتب و الدوريات الفكرية ، و ضعف حظ التنمية الفكرية من المشاريع التنموية الرسمية؛ و ميل الكثيرين بما فيهم جهات رسمية الى اعتبار العمل الفكري والثقافي نوعا من الترف الذهني  و تقضية الفراغ و ربما ادمانا لحياة الابراج العاجية والتهويمات العقلية ؛ و تدني مكانة المفكر في المجتمع العربي ليس ماديا فقط و انما معنويا ايضا كما توضحه هامشية دوره في الحياة العامة و غياب و – كثيرا- تغييب/ اقصاء اسهامه المستقل، او اشتراط  تبعيته، في صنع القرار العام.

 و من غير العسير ملاحظة ضعف استثمار العمل الفكري العربي المعاصر للعديد من الفرص المعنوية و المادية  و التي تتوافر له بعضها منذ قرون عديدة. و تأتي  في مقدمة الفرص المعنوية المتاحة للفكر العربي  قوة و حيوية المرجعية،  و سعة الخبرة الفكرية المستمدة من التفاعلات و النهضات السابقة للفكر العربي .  و من الفرص المادية الموارد المادية الضخمة التي تيسرت لبعض دول الوطن العربي في عصر النفط  و التقدم التقني الهائل ذي الصلة بالعمل الفكري (ثورة الاتصالات  و تقنية المعلومات) الذي شهده العصر الحديث.

و بالمثل،  تتعدد بل و تتسارع  المستجدات  التي كان و ما زال يتعين على العمل الفكري و الثقافي العربي  استيعابها ليتمكن من حسن توجيه جهوده وتطوير ادائه و تحسين كفاءته. و من بين هكذا مستجدات طرأت على ، او برزت بوضوح اكبر في ، الساحة الفكرية/ الثقافية  مؤخرا يمكن الاشارة  الى :

مستجدات عامة:

1-   تسارُع ، و ان بدرجات متفاوتة من مجتمع الى اخر، معدل التغير الطبيعي للافكار ، سواء في جزئياتها و انساقها  او كلياتها ،  نتيجة عوامل عدة لعل من اهمها تزايد قابلية البشر- مع تنامي و عيهم-  لتغيير افكارهم بشكل طبيعي و سلمي، و تزايد معدل ظهور الافكار الجديدة  مع تنامي ظاهرة تضخم / انفجار المعلومات و تسارع تطور البنى التحتية للفكر، و تنامي تحرر الاجيال الناشئة عن السلطة الفكرية / الثقافية لاجيال الاباء  لعوامل عدة.

2-   تزايد كثافة الاتصال و التفاعل، صراعا و حوارا، بين الافكار عموما بما فيها الفكر العربي. بيد انه ليس تفاعلا متزنا بل هو تفاعل مختل كثيرا كما انه  ليس تفاعلا انتقائيا او اختياريا تماما بل هو تفاعل تلقائي يتعذر التحكم فيه و منعه او تفاديه كليا ، و لا يبعد عن الصواب القول بانه- و خاصة من منظور المجتمعات الاضعف  كمجتمع الفكر العربي- تفاعل حتمي في حده الادنى. و من الواضح ان هذا التفاعل قد:

      i  - كرس تمازج الافكار

       ii - عزز دور الفكر الاخر( العامل/ الفكر الخارجي) في حركة التغيير والتغير داخل سائرالمنظومات الفكرية

      iii- افضى، في ظل التفاوت الشديد في مقدرات التنافس، الى تسارع زوال و تلاشي المنظومات الفكرية و الثقافية للمجتمعات الاقل قدرات

     iv  - كرس ظهور بوادر لبزوغ  فكر كوني يستمد مضامينه من  تلاقح مختلف الافكار  المتفاعلة

3-   تطور نوعي في علوم و مناهج الدراسة العلمية( التجريبية و الميدانية) للفكر و انماط التفكير مثل علم نفس المعرفة و علم النفس الثقافي و علم اجتماع المعرفة و الانثروبولوجي.

مستجدات خاصة :

1-    تنامي الفكر الذي يسوغ ويسوق العنف داخل الفكر العربي الاسلامي المعاصر نتيجة عوامل عدة داخلية و اخرى خارجية و ما اقترن بذلك- و ليس بالضرورة ما نتج عنه كما يروج البعض- من تنامي  لجوء بعض تيارات الفكر السياسي العربي غير الحاكمة( الشعبية)  للعنف الدموي ضد الآخر الوطني و الاجنبي ، داخل و خارج الوطن العربي.  و بالاضافة الى انه قدم مزيدا من الاعذار و المبررات  لتشويه صورة الفكر العربي في الخارج اسهم هذا العنف في تكريس  تحجيم الحرية الفكرية و اشاعة الارهاب الفكري في الداخل. و صحيح ان وجود العنف الدموي غير المشروع  في الوطن العربي سابق لوجود  التيارات المشار اليها و لكنه كان يمارس  سابقا، في التاريخ المعاصر، اساسا من قبل جهات حاكمة  ضد، غالبا، اهداف محلية ( عربية) محددة ( معارضة). كذالك يصح القول ان عنف التيارات غير الحاكمة لم تخل منه الاوطان و الافكار الاخرى المعاصرة  بما فيها الفكر الغربي الليبرالي و اوطانه و لكنه ظل في الغالب، خاصة مؤخرا،  عنفا محلي المسرح و ان لم يخل من تقصد  اهداف اجنبية او عنصرية تتواجد داخل المسرح المحلي؛ و الأرجح ان هذا الاختلاف يعود الى تباين العوامل و الظروف التي تعمل في ظلها فئات او جماعات العنف اكثر مما يعود الى تباين افكار تلك الفئات و الجماعات.

2-   تعقد تشوه صورة الفكر العربي  في ذه