المحاضرات
المؤلفات

 

حول مفهوم الوسطية

 

لعله يصح القول بان بداية الدعوة الى  الوسطية تعود الى عصور قديمة  و ربما تزامنت تلك البداية مع بدء الوجود البشري. فبالاضافة الى ما تضمنته الرسالات السماوية من تعاليم و ارشادات تكرس الوسطية، انتشرت في الشرق منذ القرن السادس قبل الميلاد تقريبا دعوة بوذا و التي تمحورت حول  وسطية "الطريق ذي الثماني شعب" و التي انتهت اليها رحلته الممتدة للبحث عن الحكمة، و في الغرب اشتهرت و خاصة في عهد فلاسفة الاغربق مقولة ان الفضيلة وسط بين رذيلتين.

وفي التاريخ المعاصر، انتشرت الدعوة الي الوسطية في الغرب، الاوربي خاصة، تقريبا منذ القرن الثامن عشر والذي نشطت فيه بعض الاتجاهات و الجماعات الدينية و السياسية التي تتبنى و تدعوا الى الوسطية.

 و يبدو ان الدعوة الى الوسطية بدأت  تكتسب زخما في الوطن العربي و العالم الاسلامي عموما مؤخرا جدا . فمع  اتساع النشاط التطرفي/ الارهابي و ما رافقته من جهود محلية و دولية ذات صلة، تنامت الدعوة  الى الوسطية ضمن الدعوة الى  مفاهيم اخرى وثيقة الصلة كمفاهيم الحوار بين الثقافات و الاديان  و التسامح  و ثقافة السلم  بينما تواصلت الدعوة  ايضا الى  بعض المفاهيم التي تتردد منذ ما بعد فترة الاستعمار  و منها مفاهيم   الاصلاح  و الديمقراطية  و الحداثة و العلمانية و العقلانية  و الاسلمة.

ومن الناحية اللغوية، تمثل الوسطية المصدر الصناعي للفظ وسط و الذي تورد المعاجم اللغوية له معاني عدة  ربما يمكن  اجمال اوسعها انتشارا  و استخداما في معنيين رئيسين هما معنى " بين" أي بين شيئين او حالتين  او اكثر او بين طرفي او اطراف ذات الشئ ، و معنى "الخيار او الافضل". و مع ان المعنى الاول- أي بين- هو اساسا معنى ظرفي بحت الا انه يميل في  الاستخدام العام الى اكتساب ظلال  قيمية توحي بأفضلية ما في الوسط او ما هو وسط. ومع ذلك ليس نادرا لغويا استخدام لفظ وسط ومشتقاته بدون تضمينه إيحاءات قيمية و احيانا على نحو ينفي قيمة الافضلية و قد يوحي بعكسها . اما المعنى الثاني- أي الخيار و الافضلية-  فمن الواضح انه معنى معياري قيمي.   

و لا يخفى ان للاستخدام الاصطلاحي للفظ الوسطية  في الوطن العربي و العالم الاسلامي ايضا مفاهيم متعددة و متباينة.  بيد ان التأمل في الادبيات المعاصرة ذات الصلة يفيد ان تلك المفاهيم تتوافر كلها تقريبا على حد ادنى من المضمون المشترك لتتباين بعده سعة و اتساعا و بحيث يتضمن المفهوم الاوسع  المفهوم الاقل سعة  و على نحو يمكن معه  النظر الى  تلك المفاهيم و كأنها دوائر متراكزة- تشترك في مركز واحد- ولكنها  تتباين اتساعا و انكماشا او ضيقا، مع تباين اطوال اقطارها،  لتعكس اقدار او مساحات  التباين و، في نفس الوقت، التقاطع/ التطابق في المفاهيم المناظرة لها.

و يتمثل المضمون المشترك و الذي تتوافر عليه سائر المفاهيم الاصطلاحية المتداولة للوسطية- و تمثله الدائرة الصغرى/ الداخلية-  في الوسطية الدينية و السياسية و خاصة بمعنى  انتفاء التشدد او الغلو الديني و السياسي. و لعل هذا المعنى و الذي يعد الاكثر شيوعا هو اقرب مفاهيم الوسطية الى المعنى اللغوي  الظرفي- أي بين- للفظ وسط. و لا يقدح في ذلك تركيز الاستخدام الشائع للوسطية بهذا المفهوم على لزوم الابتعاد عن طرف واحد هو طرف التشدد و الغلو دون اشارة تذكر الى اقتضاء الوسطية الابتعاد ايضا عن  الطرف المقابل   أي طرف اللامبالاة  و التفريط  (في الالتزامات و المبادئ السياسية و الدينية) اذ يمكن تفهم هذا التركيز عند الاخذ في الاعتبار بما أحاطت  الرواج  المعاصر لهذا المفهوم من ظروف تفسر، و ان كانت لا تعني صواب، هذا التركيز.

ولعل أوسع مفهوم للوسطية – و تمثله الدائرة الكبرى/ الخارجية-  هو ذاك الذي يعتبر الوسطية بمثابة مرجعية او قيمة عليا و معيار حاكم يتعين الاحتكام اليه في تحديد الانسب او الاصلح قولا و فكرا و فقها و موقفا ووضعا و خلقا و سلوكا عمليا . و من الواضح ان هذا المفهوم يصور الوسطية و ينصبها منهجا شاملا للحياة.

و ، كما سبقت الاشارة, توجد بين المفهومين المذكورين مفاهيم عدة للوسطية تتفاوت مضامينها قربا و بعدا من مضموني هذين المفهومين.

وتتباين و جهات النظر في ما يتعلق بتقييم المفاهيم المطروحة للوسطية. و كما شأن التباين حول  تحديد  مفاهيم الوسطية، يعكس التباين في  تقييم المفاهيم المطروحة للوسطية بعض  ذات الصعوبات و الاشكالات التي  يواجهها عادة تحديد  وتقييم مفاهيم الرموز الاصطلاحية الشائعة. و هذه الصعوبات و الاشكالات  منها الموضوعية و منها غير الموضوعية و التي، أي غير الموضوعية، يعود بعضها الى اسباب  من مثل  رغبة او محاولة البعض توظيف المفاهيم الاصطلاحية و تشكيلها  بما يخدم اهدافا  او معتقدات او  ثقافات او مواقف مسبقة معينة  و ذلك  ادراكا منهم لأهمية و خطورة  اداة المصطلحات في الصراعات الثقافية و  دورها البالغ التأثير في تشكيل الوعي و – من ثم- توجيه السلوك البشري ضمن نطاق انتشارها. و لعله ليس من العسير ملاحظة ما افضت اليه مثل هذه الاسباب غير العقلانية الى ظهور ما يشبه ان يكون حرب مصطلحات.

 و يفيد الاطلاع  على مجمل ما هو مطروح  من مفاهيم للوسطية  و تقييمات لها  ان ما تمس اليه الحاجة اكثر ربما  ليس هو تقديم تقييم اخر لمفاهيم الوسطية او تقييماتها او اضافة مفهوم اخر للوسطية  الى مفاهيمها العديدة المطروحة بقدر ما هو محاولة  بلورة الاسس العامة التي من شأن الاتفاق عليها اولا  الاسهام  في  تحقيق فهم  و تقييم افضلين  للمفاهيم المطروحة بهدف  الوصول الى مفهوم/ مفاهيم  اقل اختلالا و ادنى لبسا و تلبيسا.  و نحسب ان  من اهم تلك الاسس:

§         ضرورة التمييز بين مفهوم الوسطية كمصطلح علمي يصلح  اداة انتاج معرفي و اداة تحليل علمي  وبين مفهوم الوسطية كمبدأ او شعار دعوي ايديولوجي يرفعه و يدعو اليه البعض ، ادعاء او صدقا، و يواجهه البعض، عن حسن نية او لغرض في انفسهم، بشعار او اخر  يزعمون أولويته. و تعود هذه الضرورة – ضرورة التمييز- الى تعذر الجمع بينهما جمعا سليما. فالوسطية  كمصطلح علمي ليس من المستبعد، و خاصة ما امكن ابعاد عملية الاصطلاح  عن محاولات التوظيف الايديولوجي او المصلحي، إمكان تحقيق قدر من التواضع و الاتفاق على مفهوم  لها يكفي لجعلها اداة معرفية مفيدة. اما الوسطية كمبدأ او شعار فلا يمكن ان يكون مفهومه الا مفهوما ايديولوجيا تبشيريا بحتا و اقصائيا بطبيعته حيث  يختلف الناس ازاءه  ليس فقط بقدر اختلاف ايديولوجياتهم و معتقداتهم العامة بل و مصالحهم احيانا و انما ايضا بقدر تشظي و تفرع  تلك الايديولوجيات والمعتقدات. و قد تحيل نوبات التشظي الايديولوجي محاولة تحديد مفهوم شعار الوسطية نفسها مصدرا اخر من مصادر التشظي مما ينتج عنه ما يشبه دائرة خبيثة تتوالد فيها مفاهيم الوسطية و الايديولوجيات عن بعضها البعض.

§          في مفهومها او استخدامها الاصطلاحي، تعد الوسطية اساسا مصطلحا وضعيا و ليس تعريفا او مصطلحا شرعيا او عرفيا . فالمقصود من الوسطية هنا  ليس  دلالتها المعجمية و لعلها- بمعيار المعاجم اللغوية العربية الموروثة-  ليس لفظا معجميا، كما ان الوسطية  لا تعد رمزا شرعيا بل  لم يستخدم البيان الشرعي – مبلغ اطلاعنا- هذا الاشتقاق الصناعي، أي الوسطية، و ان كان استخدم بعض مشتقات لفظ وسط.

          و اذا  ما  ترجح ان مفهوم الوسطية الاولى بالنظر و البحث هو مفهومها الاصطلاحي وليس مفهومها الايديولوجي  وان الوسطية كمصطلح  تعد مصطلحا وضعيا و ليس تعريفا يمكن التذكير بـ :

§                     ان دلالة أي مصطلح و ضعي  هي ما يتم التواضع على اعتبارها دلالة له . و ليس من غير الطبيعي ان يتم طرح دلالات او مفاهيم مختلفة لمصطلح ما  بيد ان من ضرورات الاصطلاح الوضعي  و متطلباته ان يتم التوافق او الاتفاق على دلالة معينة ليصبح المصطلح  مصطلحا مشتركا بين فئة من الناس او عاما بين الناس كلهم. و تعود  هذه الضرورة الى انه بدون التوافق او الاتفاق عليه قد لا يفي المصطلح بالهدف منه   إذ  يتضاءل   مغزاه التداولي او الخطابي و تقل  فائدته المعرفية.

§                     لا معنى للحكم على دلالة / مفهوم أي مصطلح و ضعي   بالخطأ او الصواب ذلك انه ، على النقيض من التعريف، ليس للمصطلح الوضعي بدءا   دلالة مرجعية لازمة يحقق التطابق معها الصواب و يعتبر الانحراف عنها خطأ بل ان مرجعية دلالة أي مصطلح وضعي هي الاتفاق. و فقط بعد الاتفاق عليه يصبح للمصطلح الوضعي دلالة  ملزمة بمقتضى الاصطلاح.على ان دلالة المصطلح الوضعي  و ان كانت غير قابلة لاحكام الخطأ و الصواب فانها تقبل التقييم وفقا لمعايير الاصطلاح الوضعي   كمعيار الوضوح  و معيار الضرورة و معيار الاداتية المعرفية.

§                     الاصل في الاصطلاحات الوضعية ان تقتصر على بيان المفهوم او المعنى الخاص الذي تم التواضع عليه  للمصطلح  دون تجاوز ذلك الى اصدار احكام قيمية تستحسن ذلك المفهوم او تستقبحه، و تمدحه او تذمه، و تحله او تحرمه شرعا او قانونا او عرفا او اخلاقيا. فالاصطلاح و الحكم عمليتان مختلفتان ترتيبا و تكوينا وموضوعا. فترتيبا لابد ان يسبق الاصطلاح الحكم لانه لا حكم الا على امر معلوم  ومحدد مسبقا، و تكوينا  يكفي دائما لانشاء المفهوم الاصطلاحي الوضعي  مجرد الاتفاق عليه و اساسه الارادة اما الحكم عليه فلا يكفل صحته مجرد الاتفاق عليه و سبيله الاستنباط العقلي، و موضوعا يُعنَى الاصطلاح بدلالة او معني المصطلح  بينما يستهدف الحكم مدلولات او مصاديق المصطلح.

        و اذا ما تم اقرار الاسس  العامة السابقة فان مما  ينبني عليها في ما يتعلق بمفهوم مصطلح  الوسطية:

-                ان ما يهم اكثر بخصوص مفهوم الوسطية( كمصطلح و ضعي)  ليس هو مضمونه، دلالة او رمزا،  بقدر ما هو استيفاء المفهوم، دلالة و رمزا،  لمعايير الاصطلاح و القبول به اتفاقا او توافقا. و لعل من الواضح ان ذلك لا يعني اغفال المضمون او نفي اهميته مطلقا او لزوم قبول أي مفهوم للوسطية بقدر ما يعني انه ليس هناك مفهوم واحد ملزم للوسطية و ان من الممكن ان يفي اكثر من مفهوم بمعايير الاصطلاح.

-      متى ما تم الاصطلاح على  مفهوم ( دلالة)  معين للوسطية لا معنى لمحاولة الحكم على تلك الدلالة بالخطأ او الصواب ذلك انه- حتى الان-  ليس لمفهوم الوسطية دلالة مرجعية لازمة يحقق التطابق معها الصواب و ينتج عن الانحراف عنها الخطأ بل ان مرجعية دلالة  مفهوم الوسطية –  مثل دلالة أي مصطلح وضعي - هي الاتفاق واستيفاء معايير الاصطلاح.

-                كل مفهوم للوسطية( كمصطلح وضعي) ينص على حكم قيمي معين للوسطية، استحسانا او استقباحا، يخل باسس و اغراض الاصطلاح العلمي. و من هنا ليس صوابا، في ما نقدر، ميل البعض الى تأسيس مفهوم مصطلح الوسطية على المعاني اللغوية القيمية او المعيارية للفظ وسط مثل معنى الخيار و الافضلية او معنى ما بين الجيد و الرديء.  و ليس المعني بعدم الاستصواب هنا نفي أي من هذه القيم عن الوسطية او اثباتها لها و لكن المعني به هو مراعاة ضرورة الفصل بين الاصطلاح و الحكم و مراعاة  لزوم التمييز  بين الوسطية كمصطلح علمي و الوسطية كشعار. و ليس بخاف ان من شـأن تأسيس مفهوم الوسطية على أي من تلك المعاني القيمية ان يحول الوسطية من مصطلح علمي الى شعار دعوي ايديولوجي قليل او عديم القيمة العلمية.

-          لا يبدو توجها موفقا محاولة البعض نقض او رفض ما يطرح من مفاهيم او دلالات للوسطية( كمصطلح)، استنادا الى  نصوص البيان الشرعي قرآنا او حديثا. فالاصطلاح الوضعي يعد من العفو او المباح و  اساسه الارادة و الاتفاق و- مبلغ علمنا- لا ينص البيان الشرعي على مفهوم معين و ملزم للوسطية بل انه، كما سبقت الاشارة، لم يستخدم لفظ الوسطية تحديدا. و لا يعني ذلك القول انه ليس للشرع  دخل بمصطلح  الوسطية ليس فقط لان للشرع دخل بما هو عفو او مباح و انما ايضا لان الشرع  يتضمن موجهات عامة للاصطلاح الوضعي. و من تلك الموجهات ما يتعلق بالهدف من الاصطلاح مثل ضرورة ان لا يكون الهدف منه التشويش على المفاهيم او الاصطلاحات الشرعية بطريقة او اخرى،  و منها ما يتعلق بالدلالة مثل عدم جواز محاولة افراغ المصطلحات الشرعية  من دلالاتها الشرعية، و منها ما يتعلق بالرمز مثل عدم جواز وضع رموز سلبية لمضامين شرعية. و من الواضح ان  مما  لا يتفق مع روح الشرع و لا مع الاصالة الحضارية  اختيار رموز اعجمية / غير عربية لمصطلحاتنا او  استعارة المصطلحات الاجنبية، و خاصة ذات الابعاد الاجتماعية و الفكرية، دونما ضرورة و تمييز في ضوء مرجعيتنا الحضارية.    

-          ان الشرع الاسلامي و ان كان لا ينص على مفهوم واحد ملزم للوسطية الا ان من المؤكد انه ايا كان المفهوم الذي قد يتم الاصطلاح  عليه للوسطية لا يخلو الشرع من حكم ينطبق على مدلولاته او مصاديقه اباحة او حلا او ندبا او كراهة او تحريما. و لعل من الواضح انه  ليس بالضرورة ان يكون الحكم الشرعي مؤسسا على وسطية تلك المدلولات.

 وعموما، صحيح ان استحسان الشرع الاسلامي  للوسطية لا يقتصر على معناها المناهض للتشدد و الغلو و – في نفس الوقت- اللامبالاة والتفريط الديني او السياسي و انما يتجاوز ذلك الى مضامينه التي تؤسس لاستنباط الوسطية قاعدة شرعية معتبرة في تحديد الخيار المشروع، قولا و فكرا و سلوكا عمليا، في بعض ما سكت عنه او امر به و لم يبينه.  بيد ان ذلك لا يتيح او يجيز الميل الشائع الى نصب الوسطية مرجعية عليا لان الشرع الاسلامي و ان كان قد  شرع الوسطية و أمر بها  في امور فانه  لم يشرعها/ يستحسنها في امور اخرى،  وان كان قد تضمن ما يفيد الاستنتاج بان  الوسطية قاعدة معتبرة الا انها ليست هي القاعدة الوحيدة، و ربما لبس الاهم، التي اعتبرها الشرع.  بل لم يلزمنا  الشرع الاسلامي بالوسطية حتى بمعنى الخيار و الافضل في كل شأن. و ليس بخاف ان الندب  الى الوسطية بمعنى الخيار و الافضل  لا يخلو احيانا من الندب عن الوسطية بمعنى البينية. و لعل المعنى اللغوي و التقييم العرفي للوسطية يدعمان موقف الشرع من الوسطية.

وليس نقضا و انما تاكيدا لما تمهد عن اقرار الوسطية في الاسلام, يمكن الاشارة بايجاز الى ان  الحديث الشائع  عن وسطية الاسلام بين المسيحية و اليهودية كما ورد في تراثنا الاسلامي و درج الخطاب الديني المعاصر على الاقتباس منه تكرارا  مع  رفده بالحديث على منواله عن وسطية الاسلام بين الراسمالية و الماركسية  او وسطية الحضارة الاسلامية بين الحضارة اليونانية و الحضارة الغربية او ...الخ هو حديث يخطئ المقارنة حينا و تشوبه الانتقائية حينا اخر و لا ينقصه الانحراف عن ذات الوسطية احيانا. و لا يسع المقام تفصيل القول في ذلك بيانا و استشهادا. 

واذا  كان- في ما  يبدو لنا - الهدف الاساسي  لدعوة الوسطية عند كثيرين هو محاربة التشدد و الغلو الديني و السياسي في معاملة الاخر  و خاصة غير المسلم  فان مما يتعين الاخذ به في الاعتبار ضرورة الاحتراز  من  ان يفضي التركيز المبالغ فيه على الوسطية في معاملة الاخر  الى التشويش على حقيقة ان  ما يندب اليه الشرع  الاسلامي في معاملة الاخر، مسلما كان او غير مسلم، ليس هو الوسطية او على الاقل ليس الوسطية حصرا بقدر ما هو الاحسان  قولا ( وقولوا  للناس حسنا) و عملا ( ادفع بالتي هي احسن) بل ان الشرع الاسلامي يندب اتباعه  الى الاحسان في المعاملة ليس مع الاخر من  البشر فقط  و انما مع الاخر  حتى من غير البشر ( فاحسنوا الذبح). و اذا كان  المرغوب في معاملة الاخر هو الاحسان و الايثار فان محاولة توسيع مفهوم الوسطية في معاملة الاخر ليعني - في ذات الوقت و نفس الاستعمال-  الاحسان و الايثار  اضافة الى "البينية" لا تخلو من تكلف لغوي و تعسف مفهومي  و اختزال  معيب للمبادئ و القيم  دونما  ضرورة معتبرة.

     و اخيرا ، احسب ان من الوسطيةََِ الوسطيةُ  في مفهوم الوسطية كمصطلح و في الدعوة اليها كشعار اومبدأ  وليس من الوسطية الافراط او التفريط في الوسطية كمصطلح او في الوسطية كشعار او ادعاء احتكارها دون الاخرين.

  محاضرات أخرى