المحاضرات
المؤلفات

 

التصور الإسلامي للعلاقة مع الآخر

 

اولا- مقدمات:

1- العلاقة مع الآخر : المفهوم و الأهمية

          يدخل ضمن مصاديق الاخر كل ما هو غير الذات المعنية. و الذات (المعنية) يمكن ان تكون هي الذات الالهية او ذات أي مما في هذا الوجود من الكون، حيا كان ام جمادا و ماديا كان ام معنويا، و الانسان و منتجاته سواء المادية او المعنوية بما فيها الثقافة. و كل ذات هي اخر  بالنسبة لغيرها سواء كانت بينهما علاقة ام لم تكن. و يتضح بذلك ان ثنائية الذات- الاخر هي، في مفهومها العام ، ثنائية تستغرق الوجود كله أي ان الوجود كله يمكن تقسيمه الى ذات واخر.

و العلاقة مع الاخر ترمز الى وضع التفاعل بين ذات ما و الاخر. و باستثناء الذات الالهية لا تستطيع أي ذات اخرى ان تستغني عن هذه العلاقة كليا وذلك لسبب بديهي بسيط هو انه ما من ذات في هذا الوجود، عدا الذات الالهية، تقوم بذاتها مما يعني انها بالضرورة  في حاجة الى اخر بينما لا يمكنها الوصول الى حاجتها هذه دون الدخول في علاقة مع الاخر الذي تحتاج اليه. اذن الحاجة هي اساس العلاقة بين الذات و الاخر، أي سبب قيامها و استمرارها، حيث ان تلك الحاجة و الرغبة في اشباعها او استيفاءها هي ما يدفع الذات للدخول في علاقة مع الاخر  لانه بدون مثل هذه العلاقة يتعذر عليها   استيفاء او اشباع  تلك الحاجة. و لايقتصر المعني بالحاجة هنا على ما جرى العرف على اعتباره حاجة مما تفتقر اليه الذات او تجد رغبة او دافعا لتملكه او استهلاكه او استعماله بل يتسع ليشمل ايضا كل ما يفيد الذات او ترغب في ان تعطيه للاخر، فكما تحتاج ان تأخذ( من الاخر) تحتاج الذات احيانا ان تعطي( للاخر). و الحاجة منها ما هو وجودي (ضروري) لا يمكن الاستغناء عنه و منها ما هو غير ضروري او -  بلغة فقهاء الاصول- تحسيني او تكميلي يمكن الاستغناء عنه.  

و لان ، كما اتضح، حاجة الذات الى الاخر هي،  في حدها الادني، حاجة وجودية أي يتوقف عليها وجود الذات فكذا علاقة الذات مع الاخر هي، في حدها الادني، علاقة وجودية أي يتوقف عليها وجود الذات. و الواقع ان الوجود كله هو عبارة عن وحدات بينها علاقات تتوقف عليها وجود تلك الوحدات. و يتعذر تصور استمرار الوجود على ما هو عليه  لو حدث انفراط في ما بين وحداته من علاقات وجودية ( تخيل، مثلا، انفراط العلاقة بين الكواكب و الاجرام) . و من هنا يصح القول انه كلما استقامت العلاقات بين وحدات هذا الوجود ( الطبيعي و الاجتماعي)، والتي هي اساسا مجموعة علاقات بين ذوات و اٌخر، كلما استقامت امور و احوال الوجود عامة و المجتمع البشري خاصة و كلما اختلت نلك العلاقات كلما  اختلت امور و احوال الوجود عامة و المجتمع البشري خاصة.

          و وفقا لما تمهد من المفهوم الواسع للذات و الاخر، يتضح انه  يمكن لاي مما في هذا الوجود ان يمثل طرفا من  اطراف العلاقة مع الاخر او علاقة الذات- الاخر  مما يعني ان اطراف العلاقة مع الاخر تتعدد بقدر تعدد اطراف او وحدات هذا الوجود. على انه  يمكن التمييز عموما بين نوعين من العلاقة مع الاخر  بناء على نوع او هوية اطرافها  حيث يمكن تقسيم هذه الاطراف تقسيما ثنائيا  الى نوعين هما الطرف البشري أي الانسان و الطرف غير البشري و يشمل كل طرف عدا الانسان. و عليه فان العلاقة مع الاخر يمكن ان تكون اما علافة بشرية حيث يمثل احد او كلا طرفيها  انسان و اما علاقة غير بشرية أي ليس من بين اطرافها الانسان.

و ما يعنينا هنا من العلاقة مع الاخر هو ما كان منها في اطار العلاقات البشرية أي ما كان بعض او كل اطرافها من البشر لانها هي العلاقة التي يشكلها الانسان بحيث تقع عليه مسئولية اختلالها او فسادها و يعود اليه فضل استقامتها. و من بين العلاقات مع الاخر التي تقوم بين اطراف بعضها او كلها من البشر تعنينا هنا اكثر العلاقات مع الاخر  التي تقوم بين اطراف بعضها او كلها من الذات الاسلامية.

والمعني بالذات الاسلامية هنا هو الذات التي تنتمي الى او تتبنى- بغض النظر عن درجة الالتزام الفعلي- المنهج الاسلامي  في علاقاتها مع الاخر . و يصدق ذلك، في عالم الشهود، على الذات الانسانية المسلمة و مؤسساتها كالمجتمع و الدولة و نشاطاتها او نتاجاتها  كالاقتصاد و الثقافة . اما الاخر الذي تقيم او تدخل الذات الاسلامية معه في علاقة فليس بالضرورة، و ان كان يمكن، ان تكون ذاتا اسلامية اخرى بل يشمل كل اخر بشري او غير بشري. و هكذا فان علاقة الذات الاسلامية  مع الاخر تشمل كل علاقة يقيمها الفرد المسلم او مؤسساته، كالمجتمع و الدولة، او نشاطاته و نتاجاته كالاقتصاد و الثقافة مع أي اخر  بشري او غير بشري و مادي  او معنوي  و مسلم او غير مسلم . و مع ان  الواضح ان علاقة الذات الاسلامية مع الاخر تتضمن علاقات بين اطراف غير بشرية، كالثقافة الاسلامية مع ثقافة غير اسلامية، الا انه يظل الانسان العنصر المشترك والاساسي في كل علاقات الذات الاسلامية مع الاخر لانه يبقى الوسيط الدي تتفاعل من خلاله كل الذوات الاسلامية غير البشرية. و على  سبيل المثال فان الدولة الاسلامية يتعذر عليها ان تتفاعل مع دولة غير الاسلامية او دولة اسلامية اخرى الا من خلال توسط العنصر البشري.

و  بالمفهوم المذكور انفا، تعد علاقة الذات الاسلامية مع الاخر بعض العلاقة مع الاخر عموما حيث انها لا تشمل علاقات الذوات غير الانسانية مع الاخر  كعلاقات المخلوقات الطبيعية مع بعضها البعض كما لا تشمل علاقات الذوات الانسانية التي ليس بين اطرافها ذات انسانية اسلامية.

و اهمية علاقة الذات الاسلامية مع الاخر لا تنفصل عن ما تقدم عن اهمية العلاقة مع الاخر عموما لان الذات الاسلامية مثلها مثل أي ذات اخرى لا تقوم بنفسها. و تكتسب علاقة الذات الاسلامية مع الاخر اهمية خاصة لكونها تشهد حاليا اختلالات خطيرة  يعزوها البعض الى الذات الاسلامية  و تصورها للعلاقة مع الاخر بينما هي تزعم ان تصورها للعلاقة مع الاخر هو الافضل.

 

2- مصدر التصور الاسلامي للعلاقة مع الآخر:

          ليس هناك خلاف في ان  المصدر الذي يتعين ان يُستقى منه التصور الاسلامي عموما، أي سواء في ما يتعلق بالعلاقة مع الاخر  او أي شأن غيره، هو كلام الله . و تتعدد و تتباين تعريفات "الكلام" الواردة في المعاجم اللغوية الا ان التأمل في السواد الغالب من تلك التعريفات يسمح باستنتاج تعريف ( وظيفي) يعكس روح و مضامين و ربما، احيانا، منطوق تلك التعريفات، و مفاد هذا التعريف هوان "الكلام هو  ما يفيد معنى ما". و ما يمكن ان يفيد معنى ما ليس هو، كما يتبادر للذهن عادة، القول فقط  اذ ان الفعل ايضا قد يفيد معنى ما. و الفعل المفيد للمعنى يمكن ان يكون سكونا له معنى، كالسكوت او الصمت المعبر، و يمكن ان يكون حركة تتخذ اما شكل الاشارة، كالاشارات الرمزية المتفق على معان لها، و اما شكل العمل او الخلق المعبر. و الواقع ان القول نفسه هو- عند التحقيق-  فعل ( فعل اللسان) له معنى.  و الاسلام كما يعتبر القول مفيدا للمعنى يعتبر الفعل ايضا مفيد للمعنى و مما يؤكد ذلك من النصوص مثل قوله تعالى( اعملوا آل داوود شكرا) و من الاحكام مثل اعتبار افعال الرسول (ص) حجة لانه لو لم تكن لها معاني لما صلحت ان تكون حجة.

و اذا ترجح ان الكلام هو ما يفيد معنى ما و ان كلا من القول و الفعل يفيدان المعنى لا يبدو ان هناك مبررا لرفض كون الفعل ، كما القول ، كلام . و اذا تقرر ان الفعل ايضا كلام تبين ان كلام الله ليس هو- كما يفيد الفهم السائد- قوله فقط و انما هو قوله وفعله. و قول الله هو كلامه المقول او الملفوظ أي القرآن  بينما فعله هو كلامه المفعول اوالمجسد أي الوجود. و كما ان التأمل في القران يكشف لنا احكام الله و تعليماته فكذا التأمل في الوجود، بشقيه الطبيعي و الاجتماعي، يكشف لنا احكام الله  وسننه و تعليماته و هو ما يوضح لنا مغزى ما يتضمنه القران من ايات متكررة تأمر بالنظر و التدبر في الوجود و كذا مغزى اطلاق النصوص الدينية احيانا اسم او وصف الكلمة على بعض الوجود المجسد كالرسل.

و القول بان كلام الله يشمل قوله و فعله لا يستلزم القول باستواء قول الله و فعله من حيث و ضوح الدلالة او المعنى  للبشر فالبشر عادة اقرب لتبين مدلول الكلام المقول منهم لتبين مدلول الكلام المفعول او المجسد، و لا شك ان  اختلاف وضوح الدلالة يستلزم ترتيبا يقدم القول على الفعل . بيد ان ذلك لا يقدح في كلامية فعل الله اذ ان حتى اقوال الله المتضمنه في  كلامه المقول لا تستوي من حيث وضوح دلالاتها للبشر اذ منها المحكمات و المتشابهات و منها- وفقا للاصطلاح الفقهي- الظاهر و النص و الخفي و المشكل و..الخ. و كما يتفاوت وضوح دلالات اقوال الله في ما بينها يتفاوت كذلك وضوح دلالات افعال الله حيث ان دلالة السنة النبوية الصحيحة اوضح عموما من دلالات الوجود الطبيعي و دلالات الوجود الطبيعي اوضح عموما من دلالات الوجود الاجتماعي. و كما انه ليس من كلام الله المقول  قول البشر فكذلك ليس من كلام المفعول/ المجسد فعل الانسان  أي ان قول و فعل الانسان و ان كانا جزءا من الوجود فانهما ليسا من كلام الله لكونهما يصدران عن ارادة الانسان الذي ميزه الله بحرية القول و الفعل.   

و نخلص مما تمهد الى ان مصدر التصور الاسلامي للعلاقة مع الاخر ، و هو كلام الله، يتمثل في قول الله أي القران و فعل الله أي الوجود الطبيعي و الاجتماعي   ويشمل السنة التي اوحى الله بها الى رسوله  و العقل الذي منحه الله الانسان. 

 

ثانيا- الملامح  والاصول العامة العامة للعلاقة مع الاخر في التصور الاسلامي:

         

يفيد التصور الاسلامي للعلاقة مع الاخر ان هناك ملامح عامة تشترك فيها كل اشكال و انواع العلاقة مع الاخر و بغض النظر عن اطرافها بينما هناك قواعد و اصول عامة تخص كل نوع من انواع العلاقة مع الاخر . و نكتفي هنا بالاشارة الى بعض الملامح العامة لعموم العلاقة مع الاخر لننتقل منها الى التركيز على الاصول العامة لعلاقة الذات الاسلامية مع الاخر:

 

1- الملامح العامة للعلاقة مع الاخر:

          مهما تعددت تعينات او مصاديق الذات و الاخر على النحو المشار اليه سابقا و تعددت معها صور و اشكال العلاقة مع الاخر تبقى هناك من منظور التصور الاسلامي ملامح عامة او قواسم مشتركة تصدق على كل علاقة مع الاخر بغض النظر عن طبيعة او ماهية طرفيها او اطرافها. و لا يسع المقام تتبع كل تلك القواسم او الملامح  المشتركة بيد ان ضرورة التوضيح بامثلة تتطلب ان نشير و لو الى  ملمحين فقط:

-         علاقات موجهة: التسليم – كما يقتضي التصور الاسلامي- بان الله قد خلق هذا الوجود ليس عبثا و انما لهدف او مقصد معين يستلزم التسليم بان الوجود كله موجه الى هدف او مقصد معين. و يتعذر تصور ان يكون الوجود كله موجها دون التسليم بان علاقات  بعضه ببعض ، أي علاقات ذواته مع اخره، ايضا موجهة لذات الهدف او المقصد.

-         علاقات مقدرة: و نعني بها ان علاقات الذوات مع الاخر ، أي العلاقة مع الاخر بمختلف صورها و اشكالها، هي علاقات مقننة أي تخضع عموما لقوانين و سنن معينة. و قد حقق الانسان تقدما ملحوظا في اكتشاف بعض  قوانين العلاقة مع الاخر في المجال المادي الفيزيائي و الكيميائي و الى حد ما البيولوجي بينما ما زال كسب الانسان في اكتشاف سنن العلاقة مع الاخر في المجال الاجتماعي محدودا

 

2  - اصول علاقة الذات الاسلامية مع الاخر:

يقيم الاسلام تصوره لعلاقة الذات الاسلامية- بالمفهوم الموضح سابقا-  مع الاخر  على مجموعة من الاسس و الضوابط و الموجهات العامة و التي منها:

 

 

أ- الاسس و المرتكزات:

 -  iالتنوع- الوحدة:

يؤكد الاسلام على حقيقة او واقع التنوع  ليس الحيوي فقط و انما ايضا البشري ( يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر و انثى و جعلناكم شعوبا و قبائل) و الثقافي( و اختلاف السنتكم) و الديني ( و لا يزالون مختلفين). و يبنى الاسلام على هذا التنوع الواقعي و يدعمه شرعا بسن الحق في التنوع و الاختلاف كمبدأ عام دينيا ( لكم دينكم و لي دين) و ( لا اكراه في الدين ) و قانونيا ( لكل جعلنا منكم شرعة ) و سياسيا( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم) و ثقافيا( و ما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه) .

و اقرار مبدأ  التنوع على النحو المشار اليه له انعكاساته على علاقة الذات الاسلامية مع الاخر حيث ان هذا المبدأ يقتضي من الذات الاسلامية، و يشجعها على، اقرار و احترام حق الاخر في الاختلاف عنها دينيا و ثقافيا و سياسيا و قانونيا و...الخ    

    على ان التنوع و الاختلاف ليس الا مظهرا  او ملمحا واحدا من ملامح الواقع وان الاقتصار او التركيز عليه فقط فوق انه لا يخلو من تشويه لحقيقة الواقع ينطوى على خطورة تضخيم الشعور بالاختلاف و ما قد يترتب عليه عادة من ضعف الحافز الذاتي نحو الاقتراب من الاخر و الدخول في علاقة معه. و لذلك فان الاسلام بقدر ما يؤكد على التنوع يؤكد ايضا على و حدة الانسانية ضمن تأكيده على وحدة الكون كله بهدف – بالطبع ضمن مقاصد اخرى- تشجيع العلاقة مع الاخر عموما. و لعل من اهم  ابعاد و مظاهر الوحدة الانسانية التي ينبه الاسلام اليها البشر:

   

-         وحدة الاصل/ المنشأ: بقدر ما يؤكد الاسلام على التنوع البشري البيولوجي و الاثني يؤكد ايضا على ان البشر كلهم صدروا عن اصل واحد و ينتمون جميعا الى نفس الابوين.

-         وحدة البنية: يؤكد الاسلام ان افراد البشر، و ان تعددوا و تباينوا، فانهم جميعا مخلوقون من ذات العنصرين ، الطين و الروح، و  تتوافر بنياتهم الجسدية و الفسيولوجية  و النفسية و العقلية و الروحية على قواسم مشتركة تمثل وحدة البنية الانسانية.

-         وحدة المهمة:  لقد هيأ الله البشر اجمعين تكوينا للقيام بمهمة معينة  هي مهمة الخلافة في الارض و هي مهمة ملازمة لكل انسان، مؤمنا كان ام كافرا و صغيرا كان ام كبيرا، و تندرج ضمنها نشاطاته و علاقاته مع الاخر  مهما تعددت وتباينت  مظاهر و اشكال و اهداف تلك النشاطات و العلاقات.

-         وحدة البيئة: صحيح ان البشر يعيشون  في بيئات متباينة نوعا ما و لكن – اولا- مهما تباينت هذه البيئات فانها تظل مترابطة مع بعضها البعض  تأثيرا و تأثرا و – ثانيا- ان هذه البيئات يقدر ما  تتباين من جوانب عدة فانها في نفس الوقت تتماثل في جوانب اخرى عدة توحد بينها. و من الواضح انه مع تقدم العلم وتطور الوعي البشري بدأ يتعمق اكثر وعي الناس بوحدة بيئتهم. 

-         و حدة المصير: يذكر الاسلام البشر بانهم جميعا يواجهون ذات المصير و هو العودة الى الله و المثول امامه في نهاية المطاف افرادا.

   و من المؤكد ان من شأن تعمق وعي الناس بوحدة منشأهم و مصيرهم و باشتراكهم في ما بين ذلكما- المنشأ والمصير- في البنية و المهمة و البيئة أي  المسكن  وغير ذلك من ملامح وحدة الانسانية ان يدعم روح التقارب و التفاعل بينهم على نحو ليس فقط يعزز و يقوى علاقة الذات الانسانية مع الاخر و انما يساهم ايضا في توجيهها الوجهة السليمة.

 -  iiالمساواة- التفاضل:

 ان تضخم الشعور بالتنوع و الاختلاف يمكن ان يؤدي الى ليس فقط – كما سبقت الاشارة- العزوف عن التواصل مع الاخر و انما ايضا، احيانا، الى ظهور و تنامي النزوع الى التمييز بين البشر على اسس غير سليمة او مبررة كاللون او العرق او الطبقة، و التفضيل بين مؤسساتهم( كالدول) على اسس غالبا ما يساء توظيفها كالقوة او المال او الحجم، و تضخيم الذات الثقافية او الدينية او الحضارية او السياسية.

و لا يخفى ما في مثل هذا التمييز و التفضيل و تضخيم الذات من اثار سلبية على العلاقة مع الاخر. و تاريخيا، افرزت مثل هذه السلوكيات غير السوية دعاوى كثيرة اسهمت في دفع العلاقة مع الاخر نحو انحرافات  كلفت البشرية كثيرا  كدعاوى الحق في الملك و الحق في الاستعباد و الاسترقاق و الحق في الاستعمار و الاحتلال و الحق في فرض الدين الخاص و دعاوى الفرقة الناجية و – مؤخرا-  دعاوى التفوق الثقافي و الحضاري و مقولات الثقافة الخاتمة و …الخ.

و كما سبق التوضيح،  اقدم الاسلام على معالجة ما قد ينشأ عن تضخم الشعور بالاختلاف من ضعف التواصل مع الاخر  بالتأكيد المتوازن على مختلف ملامح  الوحدة الانسانية. و  دفعا لاستغلال واقع التنوع البشري و الثقافي و الديني في تبرير نزعات التمييز و التفضيل و مساوئها المشار اليها انفا حرص الاسلام على تأكيد المساواة ليس بين البشر فقط ( الناس سواسية) و انما ايضا بين ثقافاتهم و كياناتهم و اديانهم ( ان الذين  امنوا  والذين   ) و منع التفاضل و التفاخر العرقي ( لافضل لعربي على اعجمي) و الديني  ( ليس بامانيكم و لا اماني اهل الكتاب ) و ( لا تزكوا انفسكم).

بيد انه، كما ان التنوع قد يساء فهمه و استغلاله فكذلك المساواة عرضة لان يساء فهمها. فقد  يتوهم البعض بان – مثلا-  المساواة بين البشر تعني تساوي سلوكياتهم و افعالهم او تساوي قدراتهم و مؤهلاتهم او تساوي حاجاتهم و عطاءاتهم و ان المساواة بين  الثقافات تعني تساوي مضامينها او حظها من التقدم و العقلانية او ان المساواة بين الاديان تعني تساوي شرائعها او استواء قبولها عند الله . و لايخفى ما قد يترتب على مثل هذا الخلط في فهم المساواة او الافراط في ادعائها او افتراضها حيث لا يتعين افتراضها من اثار سلبية على العلاقة مع الاخر.  فقد يوهم مثل هذا الخلط بانه يستوي ان يكون الاخر مجرما او محسنا و مسالما او محاربا كما يستوي ان تكون العلاقة مع الاخر علاقة عدائية او ودية و قائمة او منقطعة و انه لا داعي لتطوير ثقافة الذات او حسن اختيار الدين طالما تتساوى الثقافات و الاديان.

و حتى لا يختلط مبدأ المساواة باوهام او دعاوي التساوي فتتعثر الحياة و تتأثُر سلبا العلاقة مع الاخر يؤكد الاسلام ان التفاضل واقع بين البشر بتقدير من الله لمقاصد محددة ربما كان منها مقصد ضمان انتظام الحياة و تحقيق  الابتلاء ولكنه يبين في نفس الوقت ان هذا التفاضل  تفاضل غير مكسوب و بالتالي فهو غير معتبر في حد ذاته أي لا يكسب صاحبه الفضل تلقائيا.  و مما يبين  ذلك كون الله يفيد في موضع انه فضل البشركلهم- تفضيلا غير مكسوب-  على كثير من خلقه بما فيهم، تقديرا، البهائم و لكنه في موضع اخر يفيد ان من البشر من يسقطون بانفسهم  الى مرتبة تقل عن مرتبة البهائم. اما التفاضل المعتبر فهو التفاضل المكسوب أي التفاضل الذي يحققه الانسان بنفسه في الخير و التقوى و سائر القيم الفاضلة التي  دعاهم الله الى التفاضل فيها ( فاستبقوا الخيرات) و ( سارعوا الى مغفرة من ر بكم ) و ( ان اكرمكم عندالله اتقاكم ). و هكذا نجد الاسلام يوظف التفاضل المعتبر ( المكسوب) لدعم مبدأ المساواة  لا الاخلال به و لتوجيه العلاقة مع الاخر الوجهة الحسنى لا الوجهة السوأى.

 

ب -  الضوابط:

          ان الاسس و المرتكزات السليمة و ان كانت تكفل قاعدة سوية لعلاقة الذات مع الاخر  الا  انها تفتقر الى ما تتوافر للضوابط القانونية / الشرعية من الالزام القانوني الصريح والمشفوع  بالعقاب على الفشل في  الالتزام . و من هنا كان حرص الاسلام على سن مجموعة من الضوابط  القانونية الملزمة و التي تهدف الى حماية الاخر والعلاقة معه. و من تلك الضوابط ( الجروح قصاص ) و ( السارق و السارقة فاقطعوا ايديهما) و( الذين يرمون المحصنات ) و ...الخ

          و صحيح ان النظم الاخرى ايضا تسن ضوابط لحماية الاخر والعلاقة معه بيد ان الضوابط التي يسنها الاسلام  تتميز عن غيرها في :

-                                 ان الضوابط الشرعية ليست مجرد موانع خارجية لا يتردد الكثير في انتهاكها متى ما ضمن الافلات من المحاسبة البشرية . فكون الضوابط الشرعية تحرسها، بالاضافة الى المحاسبة البشرية، المحاسبة الالهية التي يستحيل الافلات منها  تحول تلك الضوابط الى روادع ذاتية اكثر فعالية من الموانع الخارجية و بالتالي اكثر تأمينا للاخر و العلاقة معه.

-                                 تتسع الضوابط الشرعية لاوجه من الاعتداءات على الاخر غالبا ما لا تشملها  الضوابط الوضعية اما لانها لا تعتبرها اعتداء  و اما  لعجزها عن ضبطها و المعاقبة عليها و من تلك الاعتداءات  حسد الاخر و اغتيابه و انتهاك حقوق الله.

-                                 ان الضوابط الوضعية / البشرية وان كانت تلزم الذات بالانتهاء عن الاعتداء على الاخر او ظلمه الا انها غالبا ما تقصر عن الزام الذات، باستثناء الذات ( السلطات) الحاكمة و احيانا حالات خاصة، بالدفاع عن الاخر و رد الاعتداء عليه او ظلمه من الغير و معاقبتها اذا ما تهاونت في ذلك. و في المقابل توجب الضوابط الشرعية على الذات، سواء كانت في موقع السلطة او خارجها، دفع أي اعتداء على الاخر من الغير تحت طائلة العقاب الالهي في حالة التهاون. 

 

ج -  الموجهات:

          من شأن الالتزام باسس و مرتكزات و ضوابط العلاقة مع الاخر كما حددها الاسلام ان يجنب تلك العلاقة مساوئ الانتهاك و سوء التوظيف و يعزز سلامة الاخر و يؤمن له العدل القانوني، بيد انها لا تكفل تفعيل تلك العلاقة و انمائها و تعظيم مكاسبها و لا تكفي لدفعها عن الانحراف الى مزالق الخمود و السلبية و الانكماش. و لمعالجة هذا الجانب يعمد الاسلام الى رفد تلك الاسس و الضوابط بمجموعة من التوجيهات التي من شأن حسن اتباعها تحقيق تنشيط و تعزيز و انماء علاقة الذات مع الاخر  و توجيهها نحو تعظيم مكاسب اطرافها منها. و التوجيهات التفصيلية بهذا الخصوص عديدة و لكن ما يعنينا هنا من تلك التوجيهات ليس فصولها و فروعها و انما اصولها وكلياتها الجامعة و التي تأتي في مقدمتها:

  -  iالتعارف:

          يوجه الاسلام الذات الى التعارف مع الاخر ( ياايها الناس انا من خلقناكم من ذكر و انثى وجعلناكم شعوبا و قبائل  لتعارفوا ). و ير&