جاء عنوان
الموضوع الذي كلفت بالكتابة فيه في صيغة تساؤل يقول"هل يوجد في
التراث العربي أي معوقات تحول دون التفكير العلمي؟". و رغبة في
التركيز على نطاق أضيق رأيت ، مسترشدا بعنوان الندوة و اهدافها، ان
يتركز البحث في التراث العربي الثقافي النظري فقط وليس كل التراث
العربي، و ان يكون المعني بالمعوقات هو فقط المعوقات الثقافية التي
تعيق او تؤثر سلبا في و لكن ليس بالضرورة ، و ان كانت قد، تحول دون
التفكير العلمي. و من المفترض ان المعني بالتفكير العلمي هو التفكير
العلمي في المجتمع العربي المعاصر.
و حيث
ان الموضوع محل البحث تناولته دراسات عدة سابقة عنيت بموضوع العقل او
التراث العربي الاسلامي فقد آثرنا ان ننظر فيه من خلال ما جاء في
تلك الدراسات، و خاصة أدبيات نقد العقل/ التراث العربي الاسلامي او
الشرقي، أملا في ان يسهم ذلك في تعزيز التراكم و البناء المعرفي في
مجال دراسات العقل/ التراث العربي الاسلامي .
معوقات التفكير
العلمي في ادبيات نقد العقل العربي
المتأمل في الأدبيات
التي تتناول، بشكل رئيسي او عرضي، نقد العقل/ التراث العربي
الاسلامي او الشرقي عموما()
يجد ان اكثرها تركز ، في ما يشبه الاجماع، على تأكيد ان التفكير
العربي المعاصر مثقل بالتراث مشدود اليه بل- عند البعض- خاضع له
تماما بينما هذا التراث مثقل بدوره بالكثير من العناصر السلبية التي
تعيق او تحول دون، التفكير العلمي. و ربما امكننا ان نجمل اهم ما
تورده تلك الادبيات من ما اعتبرته معوقات ثقافية موروثة للتفكير
العلمي في المجتمع العربي المعاصر في :
الخرافة:
تنحو
بعض الادبيات الى ان
آفة التفكير العلمي في المجتمع العربي المعاصر هو هيمنة الخرافة
المستمدة من التراث العربي على هذا التفكير. و للتدليل على مدى تغلغل
الخرافة الموروثة في التفكير العربي المعاصر تشير الدراسات الى
الانتشار الواسع للاساطير وممارسات الشعوذة والدجل و التنجيم و
التبريج و تعاطي السحر و الطير و الايمان بالاشباح و الاعتقاد في
الاموات و الاولياء و دعاوى امتلاك و تسخير الجن و قصص تلبس الجن
بالبشر و زواجهم منهم و استيلائهم على مساكنهم. و تؤكد ذات الادبيات
ان تلك الممارسات و المعتقدات الخرافية لا تقتصر على التجمعات
البدائية او الريفية و الشرائح الدنيا من المجتمع العربي بل
تتجاوزها الى التجمعات الحضرية و الشرائح المتعلمة من الذكور و
الاناث صعودا الى النخبة العليا الثقافية و السياسية في قمة المجتمع
العربي.
و مما
يدعم ما ذهبت اليه تلك الادبيات من انتشار الخرافة و الشعوذة و الدجل
في المجتمع العربي المعاصر ما اوردته بعض المصادر
- نقلا عن دراسة ميدانية اجراها الدكتور محمد عبدالعظيم، من مركز
البحوث الجنائي في القاهرة- من مؤشرات احصائية تفيد ان العرب ينفقون
سنويا زهاء خمسة مليارات دولارا امريكيا على الشعوذة و ان هناك 250
الف أي ربع مليون يمارسون مهنة الشعوذة في العالم العربي
و لم
أقف في ما اتيح لي الاطلاع عليه من ادبيات نقد العقل على دراسة علمية
تفصل، على نحو شامل، كيف تعيق الخرافة التفكير العلمي و ما هي الطرق
و الآليات التي من خلالها تؤثر الخرافة الموروثة على التفكير العربي
العلمي المعاصر. بيد ان من المتصور ان تتضمن طرق و اليات و اوجه
تأثير الخرافة على التفكير العلمي :
- تقدم الخرافة
لضحاياها معتقدات غير علمية تسعفهم بتفاسير و تعليلات جاهزة خرافية
لما يواجهونه من مشكلات او يلاحظونه من ظواهر على نحو يصرفهم عن
البحث و التفكير العلمي في تفسير و تحليل تلك المشكلات و الظواهر. و
من ذلك ما يتردد احيانا من التفسير الديني او الاخلاقي لبعض الظواهر
و الكوارث الطبيعية كالزلازل و الكسوف او الأوبئة القاتلة
- تقدم الخرافة
لضحاياها او تعدهم بحلول و معالجات مغرية لمشكلاتهم و همومهم و
رغباتهم فلا يجدون حاجة للتفكير العلمي وتعلم العلم او توظيفه لحل
مشكلاتهم و تحقيق رغباتهم. و من ذلك اللجوء لأعمال السحر و الشعوذة و
التنجيم ليس فقط لمحاولة علاج الامراض و حل المشكلات الزوجية و انما
ايضا لأغراض اخرى عديدة من قبيل محاولة تكهن المستقبل السياسي و
التعيينات السياسية و تكوين الثروة ( مباشرة بإستكثار او استنساخ
الدولارات باستخدام الزئبق الاحمر تماما كما حاول بعض السلف استكثار
الذهب بتحويل المعادن) بل و حتى تحقيق الغلبة في المنافسات الرياضية.
و من الواضح انه كلما توسعت و ازدادت اهداف ومجالات اللجوء للخرافة
كلما تقلصت الحاجة للتفكير العلمي في تلك المجالات و ازداد، تبعا
لذلك، عدد العلوم التي يقل الاقبال على تعلمها او توظيفها
- العائد المادي
المجزي، الفعلي و المتوقع، لممارسة المهن التي توظف الخرافة يدفع
البعض الى العزوف عن تعلم المهن العلمية او حتى تركها بعد تعلمها و
الاتجاه الى تعلم و ممارسة المهن المرتبطة بالخرافة.
- الأموال و الجهد
و الوقت الذي يستهلكه الانشغال بالخرافة من قبل ممارسيها و عملائهم
يمثل خصما مقدرا على الأموال و الجهد و الوقت الذي كان يمكن ان يوجه
لاكتساب العلم و تطويره و اشاعة التفكير العلمي.
- ما يشاع عن بعض
الانجازات و النجاحات للمهن التي توظف الخرافة، و خاصة في بعض
المجالات و الحالات التي تعجز فيها المهن العلمية او بعض ممارسيها،
يعزز ايمان البعض بالخرافات بينما يضعف اكثر الثقة في العلم عند
ضحايا الخرافة و يولد او يكرس عند البعض الاخر الشك في العلم و
قدراته فيقل اجتهادهم في العلم و كسبهم له و ربما رغب بعضهم عن العلم
و التفكير العلمي الى الخرافة. و – للمفارقة- من ما يسهم في الدعاية
للخرافة ما تتكشف عنه بعض الدراسات و البحوث العلمية من اقبال واسع
على الخرافة و الدجل حتى في المجتمعات المتقدمة و تخبط بعض اشد
منتقدي الخرافة و الدجل من "العقلانيين" في تفسير ما ينسب للخرافة
من نجاحات و انجازات بمثل عزو بعضهم لها الى مجرد الصدفة.
الدين:
يذكر
البعض الدين كأحد المعوقات الموروثة للتفكير العلمي في الفكر العربي.
و تتعدد الاوجه و الاعتبارات التي بسببها يعد الدين معوقا من معوقات
التفكير العلمي، حيث يشير او يصرح هؤلاء البعض الى واحد او اكثر من
الاوجه و الاعتبارات التالية:
-
الدين
اسطورة/ خرافة: يتراوح القول في اعتبار الدين اساطير او خرافة بين
القول بان الدين- كل دين- اساطير/خرافة و بان من الدين ما هو اساطير/
خرافة او ممزوج بالاساطير/الخرافة. و وفقا لذلك فان كل او بعض
الديانات الموجودة في المجتمع العربي بما فيها الاسلام و المسيحية
بل و الوحي مطلقا بما فيه القرآن الكريم يعد اساطير باطلة او خرافة.
و تصنيف الدين ضمن فئة الاساطير الباطلة/ الخرافة يعني ان اديان
المحتمع العربي تعيق التفكير العلمي في المجتمع العربي على ذات
الاوجه التي تعيق بها الخرافة التفكير العلمي.
-
يتضمن
الدين، سواء على مستوى نصوصه الاساسية او الفقه او الخطاب المنسوب
اليها، عناصر يثبط و يقاوم التفكير العلمي او يكرس التفكير اللاعلمي.
و من تلك العناصر:
أ-
انكار الدين
عموما قدرة العقل البشري على تمييز الخطأ من الصواب و معرفة ما يفيد
او يضر الانسان دون الاستعانة بالوحي و الالتزام بمقرراته
ب-
حظر الدين
التفكير العلمي الحر في مجالات عدة مع إعلائه لسلطة الفقهاء على
غيرهم من العلماء و المفكرين الامر الذي مكن الفقهاء و- من خلالهم-
الحكام من سوء توظيف سلطة الفتاوى الفقهية في اضطهاد العلماء و
المفكرين و ارهابهم و احيانا صرف العامة عن طلب العلم غير الديني او
منع تدريس او تعليم مواد علمية معينة او الترغيب عن الاستفادة من
بعض التقنيات العلمية. و معلوم حملات التكفير التي طالت بعض المفكرين
العرب بل و حتى بعض الفقهاء و ما ظل يواجهه تدريس بعض المواد
كالفلسفة من ممانعة او قيود في بعض المؤسسات التعليمية العربية و ما
يتردد عن مواقف و ربما فتاوى ترغب عن استخدام بعض التقنيات كالتلفاز
مثلا.
ت-
طلب الدين
من اتباعه التسليم بمقولات لاعقلانية تتناقض مع قواعد العلم و
المنطق البشريين او حقائق التاريخ.
-
تشجيع الدين
الزهد في الدنيا و، بالتالي، في علومها المتعلقة بالكون و المجتمع و
المعاش و صحة البشر و..الخ.
المنهج المعرفي
اللاعقلاني:
يشير
مفهوم المنهج المعرفي اللاعقلاني هنا الى مجمل الاتجاهات المعرفية
التي تقلل من، او تنفي كليا، قدرة او صلاحية الادراك العقلي و
التفكير العقلي في الوصول الى المعرفة الحقيقية و خاصة، و لكن ليس
فقط، في المجال الديني او الغيبي و ترى امكان او لزوم التحول عن
طريق العقل الى طريق او طرق اخرى لإدراك او معرفة الحقيقة مثل رياضة
النفس و الأشخاص المعصومين. و مما يدرج ضمن هذه الاتجاهات ما سماهم
الشهرستاني
قديما باصحاب الروحانيات و اصحاب الهياكل و الاشخاص و الحرنانية، و
منها
الاتجاه الغنوصي و الاتجاه العرفاني و الاشراقي و غير ذلك من اتجاهات
اللامعقول التي نشطت او تنشط داخل الثقافة العربية الاسلامية. و ربما
ادرج البعض ضمن هذه الاتجاهات الاتجاه الاشعري لما ينسب اليه من
انكار السببية التي تعد مسلمة اساسية لقيام المنهج العلمي. و تؤكد
ادبيات نقد العقل العربي ان هذه الاتجاهات او سلالات متولدة او
متفرعة عنها ما زالت تشكل حضورا مقدرا في التفكير العربي الاسلامي.
و
يعاب على هذه الاتجاهات انها تقلل الثقة في العقل و تشكك في قدراته
الادراكية سواء عن طريق التأمل و التفكير المنطقي او الادراك الحسي
و هو ما ينعكس سلبا على كل العلوم الطبيعية و التطبيقية و الانسانية
و الفلسفية و التي تعتمد اساسا الادراك العقلي.
سمات و ميول
لاعلمية:
يذهب
البعض من العرب و غيرهم الى ان الثقافة او الذهنية العربية الاسلامية
تتسم بسمات او ميول عامة تقلل او تحد من علميتها عموما و تؤثر سلبا
على جانب او اخر من تفكيرها العلمي. و يبدو من أقوالهم أنهم يرون ان
هذه السمات و الميول متأصلة و ربما - عند بعضهم- فطرية في الذهنية
العربية و متوارثة عبر الاجيال. و بعض تلك السمات و الميول لوحظت و
سجلت منذ امد بعيد . و من تلك السمات و الميول:
-
ينقل
الشهرستاني عن بعض من لم يسمهم قولهم " ان العرب و الهند يتقاربان
على مذهب واحد ، و اكثر ميلهم الى تقرير خواص الاشياء و الحكم باحكام
الماهيات و الحقائق، و استعمال الامور الروحانية. و الروم و العجم
يتقاربان على مذهب واحد ، واكثر ميلهم الى تقرير طبائع الاشياء و
الحكم باحكام الكيفيات و الكميات، و استعمال الامور الجسمانية".
و اذا كان اصحاب هذا الرأي يرون ان العرب جبلوا على الميل الى علم
الماهيات أي العلم الالهي/ الروحاني و العزوف عن علم الكيفيات و
الكميات أي العلوم الطبيعية و الرياضية يبدو ا ن ابن خلدون يرى ان
العرب ظلوا ضعيفي الحظ من العلم عموما " ان الصنائع من منتحل الحضر
و ان العرب ابعد الناس عنها فصارت لذلك العلوم حضرية و بعد عنها
العرب"
. و ضعف حظ العرب من العلم لا يقتصر عند ابن خلدون على علم معين
كالعلوم الطبيعية و الرياضية و انما يشمل العلم كله بما فيه- و هو ما
اثار استغراب ابن خلدون- العلوم الدينية " من الغريب الواقع ان حملة
العلم في الملة الاسلامية اكثرهم العجم لا من العلوم الشرعية و لا من
العلوم العقلية الا من القليل النادر وان كان منهم العربي في نسبته
فهو عجمي في لغته و مرباه و مشيخته مع ان الملة عربية و صاحب شريعتها
عربي"
.على ان ابن خلدون لا يعزو ذلك – كما ذهب البعض- الى اسباب عرقية او
عنصرية و انما الى اسباب ثقافية كبدوية ثقافة العرب و أنفتهم من
الصنائع عموما بما فيها صنعة العلم و الانشغال بالرئاسة أي شئون
السياسة و الحكم في الدولة العربية الاسلامية.
-
يورد
المستشرق البروفسور جيب- ربما نقلا عن غيره- على العقل العربي مآخذ
ربما كان اشهرها وصفه العقلية العربية بانها عقلية جزئية( ذرية) " ان
عقلية العرب سواء باحتكاكها مع العالم الخارجي او بعمليات الفكر لا
يمكن ان تتحرر من هذا الميل الذي لا يقاوم الى مراقبة الاحداث
الملموسة بشكلها الافرادي و بصورة مجزأة"
و قد ترتب على ذلك في رايه " نفور المسلمين من طرائق التفكير
العقلانية"
و " ان العرب و المسلمين بصورة عامة اضطروا الى الحذرمن المفاهيم
الهامة الشاملة المجردة "
و بالرغم من ان " تمركز التفكير العربي حول الاحداث الفردية حمل
المسلمين الى توسيع الطريقة التجريبية العلمية ... الا ان علماء
الاسلام شعروا بالحرج نتيجة لذات الصفات و الخصائص التي يتحلون بها
فيما يتعلق بالمظهر الاخر للعلم الذي ينحصر في مقارنة نتائج
الملاحظة و التجربة و استنباط القوانين الثابتة التي تتماسك و
تترابط نتيجة لتطبيق مفهوم القانون الطبيعي"
اللغة العربية:
يردد
البعض احيانا مقولات تفيد بان لغة العرب نفسها أي اللغة العربية لا
تساعد على التفكير العلمي. و معلوم ما بين اللغة و الفكر من علاقة هي
محل جدل واسع و معلوم ايضا ما يذهب اليه البعض من ان اللغة تضع او
تمارس قيودا على الفكر و لكني لم اقف على تعليل مفصل لهذه الدعوى
التي تخص اللغة العربية بمعوقات بنيوية اساسية للتفكير العلمي لا
توجد في اللغات الاخري او بعضها، غير انه قد يكون من تعليلاتهم ما
يشير اليه البعض من ان اللغة العربية لغة تغري بالاهتمام و التأثر
بشعرية و موسيقية الخطاب اكثر من مضمون الخطاب و معناه . و لعل مما
يشير الى بعض ذلك مقولة البروفسور جيب " الخطبة الفنية تثير مخيلة
العربي بشكل آلي، و الكلمات تذهب بشكل مباشر الى ادراكه دون ان تمر
باية مصفاة منطقية او فكرة يمكن ان تضعف او تقتل تأثير الكلمة في
مخيلته."
تلك
بعض، و ربما اهم، ما يورد كمعوقات ثقافية تعيق التفكير العلمي في
المجتمع العربي المعاصر. و سيتركز حديثنا حول هذ المعوقات على
المعوقات الثلاث الاولي، أي الخرافة و اللاعقلاني و الدين، باعتبارها
الاكثر ورودا في الادبيات العربية لنقد العقل/ التراث العربي . و
نمهد لذلك في ما يلي بتناول بعض جوانب العلاقة بين التراث و الفكر
عموما و خاصة في بعدها السلبي.
التراث -
الفكر:العلاقة المتبادلة
العلاقة بين التراث العربي و التفكير العلمي في المجتمع العربي
المعاصر هي بعض العلاقة بين التراث و الفكر عموما الا انها تأخذ
خصوصيتها من خصوصية التراث العربي و خصوصية المجتمع العربي المعاصر و
تفكيره العلمي. و يستدعي الحديث عن العلاقة بين أي طرفين تحديد هذبن
الطرفين اولا من خلال تعريفهما او بيان مفهومهما:
مفهوم التراث
العربي:
لعله
يصح لغة القول بان المعنى المشترك لمفاهيم لفظ التراث يتمحور حول ما
انتقل الى لاحق ممن سبقه. و يرتبط تعدد و تباين مفاهيم التراث بتعدد
الفهم او التحديد لعناصر المعني المشترك المشار اليه و خاصة عنصر
المادة المنتقلة و عنصر الانتقال أي كيفيته و طريقته و عنصر الجهة
السابقة أي مصدر المادة المنتقلة. و عموما فان الميل السائد هو حصر
مفهوم التراث على بعض ما ينتقل ببعض الطرق من بعض
الجهات او المصادر السابقة مع تباين و اختلاف في تحديد هذا البعض من
كل عنصر. و لا احسب ان المقام يتيح، او يستلزم، تفصيل القول في ذلك
و تبني تعريف محدد للتراث. بيد انه قد يحسن بنا هنا ان نستعيد
الى أذهاننا بإيجاز مجمل المكونات الرئيسية للتراث، باوسع معانيه، من
منظور تأثيرها المحتمل على الفكر. و لعل من اهم تلك المكونات:
التراث المعنوي:
و يشمل المعتقدات كالاديان و الاساطير، و الخرافة، و الحكايات
الشعبية، و الفنون كالرقص و الموسيقي، و العلوم ،و المؤلفات، و
المفاهيم ، و طرق و مناهج التفكير وغيرها بالاضافة الى اللغة و
العادات و الاعراف السلوكية و ..الخ.
التراث المادي:
و يشمل الاثار المادية من تماثيل و دور و سدود و ادوات و الات و
اجهزة و اموال و اوعية المؤلفات
التراث الجيني:
و نعني به الجينات "المورثات" التي يورثها الاباء للابناء و تشكل
عاملا اساسيا و احيانا محددا في تحديد ليس فقط الصفات و الملامح
الخارجية للورثة و انما ايضا التكوين النفسي و العصبي و الذهني و
الحسي و غير ذلك مما يساهم في تشكيل الاساس البيولوجي/ المادي
للادراك العقلي عند الورثة.
التراث البيئي:
و مدلول البيئة هنا يشمل البيئة الطبيعية و البيئة الاجتماعية. و
صحيح ان أصل البيئة الطبيعية ليس من خلق البشر و لكن، كما هو واضح
اليوم بجلاء اكثر مما مضى، كل جيل يحدث في البيئة اثرا ما و تتراكم
الاثار من جيل الى جيل محدثة تغييرات طفيفة او كبيرة و احيانا خطيرة
على البيئة الطبيعية مما يعني ان البيئة التي يرثها الاحفاد عن
اسلافهم ليس هي ذات البيئة الطبيعية الاصلية و انما هي البيئة التي
شكلها الاباء. و البيئة الاجتماعية تضم البيئة الاقتصادية او
المعاشية والبيئة السياسية.
و
غالبا ما تندر، و كثيرا ما تغيب تماما، الاشارة الى التراث الجيني و-
الى حد ما- التراث البيئي عند الحديث عن مفهوم التراث و لكن من
الواضح انهما مما يورثه السابقون للاحقين و – الاهم- لهما تأثير على
فكر و انماط تفكير اللاحقين او الورثة لا يقل دائما عن تأثير التراث
المعنوي.
إذن،
التراث العربي يشمل تراث العرب المعنوي و المادي و البيئي و الجيني و
...الخ . بيد ان ما يعنى به و يركز عليه هذا الموضوع هو- وفقا لما
تحدد آنفا- فقط التراث العربي المعنوي و تحديدا ما يندرج منه ضمن ما
يسمى احيانا بالثقافة النظرية كالمعتقدات و الاداب و انماط التفكير.
وقد يجادل البعض
لضرورة التمييز في التراث العربي الثقافي بين ما هو عربي اصيل و
ما هو دخيل او وافد و حصر مفهوم التراث العربي الثقافي على ما هو
عربي اصيل فقط. و في ما نقدر فان محاولة التمييز في التراث العربي
المعنوي او التراث العربي الثقافي النظري بين ما هو عربي اصيل أي
عربي الاصل و المنشأ و ما هو معرب مما هو وافد غير عربي المنشأ هي –
اولا- عملية يصعب و ربما يستحيل انجازها على نحو دقيق و معتمد و –
ثانيا- تنطوي على تبعيض لا يستلزمه الهدف من هذا البحث و المتمثل
في استجلاء تأثير التراث العربي الثقافي على التفكير العربي العلمي
المعاصر. و لعل بعض التراث المعرب اكثر تأثيرا على الفكر/ التفكير
العلمي العربي المعاصر من بعض التراث العربي الاصيل.
و
عليه فان الاولى بالحديث عن المعوقات التراثية ان يمتد ليشمل التراث
العربي عموما دون تمييز. بيد ان من الضرورات المفهومية و العملية ان
يتركز الحديث عن التراث في نطاق زمني محدد. و قد يكون مناسبا ان
يتحدد الطرف الادنى او الاقرب لهذا النطاق ببدايات النهضة العربية
الفكرية الحديثة و التواصل الثقافي المعاصر مع الاخر الثقافي الحديث
في القرن التاسع عشر و بحيث ان ما كان بعد التاريخ المذكور لا يدرج
ضمن التراث الثقافي العربي ( القديم) و يمكن النظر اليه بمثابة عينة
ثقافية لاختبار مدى التفاعل بين الموروث و المكتسب في الثقافة
العربية الحديثة/ المعاصرة.
مفهوم التفكير
العلمي:
التفكير العلمي هو التفكير المنسوب الى العلم، و لكي يصح نسب تفكير
ما الى العلم بحيث يوصف بانه علمي لابد ان يكون تفكيرا مستهديا و
متسما بروح العلم و ملتزما بمنهجه و أسسه و مقولاته المعتمدة . و لكن
ما هو العلم؟
العلم
بمعناه اللغوي الواسع هو نقيض الجهل . و هو بهذا المعنى يشمل الخطأ و
الصواب و الظني و اليقيني و الجزئي و الكلي مما يتحقق به او يتحصل
منه معرفة ايا كان موضوعها. على ان العلم بمعناه اللغوي الخاص يقتصر
عادة على ما تبين صوابه و يقينيته و سلامته.
اما
اصطلاحا، فلا يبدو ان هناك تعريف اصطلاحي متفق عليه للعلم، حيث
تتبنى اتجاهات متباينة مفاهيم متباينة بل متناقضة للعلم. بيد ان
الشائع في الثقافة الغربية الحديثة هو حصر معنى العلم على ما شاعت
تسميته بالعلم الطبيعي او التجريبي أي ما يدرك او يثبت، او يمكن
اثباته، عن طريق المنهج التجريبي القائم أساسا على الملاحظة الحسية
و الاستقراء المبني على قانوني العلية والاطراد . و بينما يتسع لما
يعرف بالعلوم الاساسية كالفيزياء و الكيمياء و التطبيقية كالطب فان
العلم بهذا المعنى الاصطلاحي التجريبي يضيق عن ليس فقط الوحى أي
المعرفة المتلقاة عن الله عن طريق رسله و انما ايضا عن سائر ما يعرف
بالعلوم الانسانية و التي ما زالت مستعصية على محاولات بنائها على
ذات اسس و متطلبات العلم التجريبي . وقد أثار ما عرف بالعلوم الصورية
،و خاصة علما الرياضيات و المنطق، و التي تعذر حتى الان اخضاعها
لمتطلبات العلم بمعناه الاصطلاحي التجريبي السائد في الغرب بينما- في
نفس الوقت- من الصعب انكار علميتها حرجا للقائلين بالمفهوم الاصطلاحي
التجريبي للعلم مما اضطر البعض الى الدعوة الى توسيع هذا المفهوم
ليتسع لعلمي الرياضيات و المنطق. و يلاحظ انه بينما يصر هذا المفهوم
على ان معيار العلم هو فقط المنهج التجريبي المشار اليه فان من
الواضح انه- أي المفهوم نفسه- لا يستوفي ذات المعيار الذي يصر
عليه. و عموما ينطوي هذا المفهوم على عيوب عدة جعلته عرضة للنقد
و
الظاهر ان نفس المفهوم الاصطلاحي التجريبي للعلم و السائد في الغرب
هو ما يتبادر – عند سماع كلمة العلم- الى ذهن القطاع الاوسع من
خريجى التعليم النظامي العربي و القائم حتى الان على التشعيب الى
قسمين تعكس و تكرس تسميتهما بــ "القسم العلمي و القسم الادبي" ذات
المفهوم الاصطلاحي التجريبي للعلم و الذي ينفي علمية الاداب او
العلوم الادبية.
و
الى جانب هذا المفهوم الاصطلاحي التجريبي الذي- احسبه - يحظى
بالسيادة والغلبة يمكن تمييز مفاهيم اصطلاحية ثلاثة اخرى في العالم
العربي و هي:
المفهوم الأصولي:
و هو مفهوم يوسع معنى العلم ليتسع، بالاضافة الى المعنى الاصطلاحي
التجريبي للعلم، لكل معرفة مصدرها الوحى او تثبت عن طريق المنهج
العقلي. و يتمثل هذا المفهوم اساسا في المفهوم الذي تكرسه تعريفات
العلم السائدة في علم اصول الفقه الاسلامي و الذي اعتنى كثيرا بتعريف
العلم و تمييزه عن المفاهيم المشابهة او المتقاطعة مثل الظن و الوهم
و الفكر و المعرفة و..الخ كما اعتنى بتعريف المفاهيم ذات الصلة
كالدليل و البرهان و الحجة و الامارة و..الخ . وعلى سبيل المثال فقط
نجد الامام الشوكاني في محاولته لتعريف العلم يستعرض، مناقشا و
منتقدا، عشر تعريفات اصولية للعلم قبل ان يدلي بتعريفه او اختياره
القائل ان العلم " صفة ينكشف بها المطلوب انكشافا تاما"
بينما يعرف اصولي اخر العلم بانه " اعتقاد الشئ على ما هو به ، مع
سكون النفس اليه، اذا وقع عن ضرورة او دليل"
. و لغرض التمييز فقط يمكن تسمية هذا المفهوم بالمفهوم الاصولي او
البياني او أي اسم اخر انسب.
المفهوم العرفاني:
و هو مفهوم يضيق معنى العلم و يكاد يحصره في المعرفة المكتسبة اساسا
بغير طريقة إعمال العقل كطريقة الرياضة النفسية الموصلة الى ما يسميه
القائلين به كشف الحجاب. و يغلب على هذا المفهوم انه – مع وجود
استثناءات تحاول الجمع بين العرفاني و العقلاني و العلمي- يحتقر و
قد ينفي تماما علمية المعرفة العقلية و التجريبية الحسية و كثيرا ما
يقلل من مصداقية العلم الفقهي باعتباره علما ظاهريا. و السائد هو
تسمية هذا المفهوم بالعلم العرفاني و قد يسمى العلم الباطني او علم
الاسرار او العلم اللدني و احيانا العلم الاشراقي وان كانت هنالك
بعض الفروق بين دلالات هذه التسميات.
المفهوم الحديثي:
وهو مفهوم يكاد يحصر معنى العلم،عند التحري، في نصوص الوحي أي – في
اطار الدين الاسلامي- القرآن و السنة النبوية و، الى حد ما، العلوم
المساعدة او الضرورية لفهم الوحي. و ربما امكن تسمية هذا المفهوم
بـــالمفهوم الحديثي للعلم او المفهوم الفروعي( = غير الاصولي)
للعلم.
و اذا كان التفكير
العلمي هو ، كما تقدم، التفكير الذي يتصف بصفة العلم ويستوفي معاييره
فان مما يتبادر للذهن في ضوء ما سبق عن تعدد مفاهيم العلم السؤال
حول أي تلك المفاهيم، او غيرها، ينبغي الاعتماد عليه في تحديد معنى
العلم/التفكير العلمي الذي يتعين البحث عن معوقاته في التراث الثقافي
العربي؟
من الواضح ان تحديد ما
اذا كانت هناك معوقات للتفكير العلمي في التراث الثقافي العربي و ما
هي هذه المعوقات سيختلف باختلاف ما قد يتبناه المرء من مفهوم للعلم.
و على سبيل المثال فان معوقات العلم بمفهومه الحديثي في العالم
العربي يختلف كثيرا ، كما و نوعا، عن معوقات العلم بمفهومه التجريبي
في العالم العربي.
و إذا كان مما قد يكون
محل اتفاق أوسع انه لابد للعلم الذي يمكن اثبات علميته للاخر من
دليل يسنده و يتيح مرجعا او معيارا مشتركا للاتفاق او الاختلاف عليه
لان من المتعذر اثبات علمية معرفة لا تقوم على دليل يمكن التحقق منه
فقد يكون مقبولا على نطاق واسع فهم العلم بانه ما قام على دليل يمكن
التحقق منه وبالتالي يمكن فهم التفكير العلمي بانه تفكير يقوم على
دليل.
على ان هذا الحديث عن
المعوقات الموروثة للتفكير العلمي سينبني أساسا ليس على المفهوم
الوارد آنفا و انما على نفس المفهوم الاصطلاحي التجريبي للعلم و
التفكير العلمي الوارد سابقا ليس اقتناعا بانه المفهوم الاصح او
الامثل و ليس لانه يمثل المفهوم المتبادر للذهن و خاصة في اوساط
جمهور التعليم الرسمي و الاعلام الجماهيري في العالم العربي و انما
نظرا لــ - اولا- كونه يبدو انه هو ما يمثل صلب مفهوم هذه الندوة
للتفكير العلمي او الثقافة العلمية و – ثانيا- انه هو المفهوم السائد
للتفكير العلمي في ادبيات نقد العقل/ التراث العربي و التي يتأسس
عليها هذا الحديث و لن تجدي الا قليلا محاولة مناقشة تلك الادبيات
بمفهوم اخر غير مشترك للعلم.
و لعل في ما سبق
توضيحه من اطار عام للتراث و مفهوم اصطلاحي تجريبي للتفكير العلمي ما
يتيح اساسا مشتركا لإمكان الحوار او الحديث المشترك عن العلاقة بين
التراث و الفكر او التفكير العلمي.
تأثير التراث على
الفكر:
لعل
من الواضح ان ما ذهبت اليه أدبيات نقد العقل العربي من وجود عناصر
ثقافية سلبية( معوقات) في التراث الثقافي العربي تعيق او تؤثر سلبا
على التفكير العلمي في المجتمع العربي المعاصر مبني على مقدمة ضمنية
مفادها ان للتراث تأثير على الفكر لأنه ما لم تصح هذه المقدمة
الضمنية لا يعد هناك اساس منطقي لاحتمال وجود عناصر في التراث
الثقافي العربي تعيق التفكير العلمي. فما حقيقة و طبيعة و قوة علاقة
التراث بالفكر؟
ان
تأثير التراث على تفكير الورثة أمر تدعمه الملاحظة، و ربما تسنى
التثبت من بعض هذا التأثير، كالتأثير الذي مصدره التراث الجيني، من
خلال التجارب او البحوث العلمية. و الملاحظ في سائر المجتمعات ان
عناصر التراث الثقافي، بما فيها طرق و انماط التفكير، تظل تنتقل من
جيل الى جيل و ان كانت درجة ثبات او تغير هذه العناصر على مدار
الزمن تختلف من مجتمع الى اخر و من جيل او عصر الى اخر. و لعل من
اوضح حالات استمرار التراث و ما يتضمنه من افكار و انماط تفكير في
فكر الورثة ما هو ملحوظ من استمرار الاجيال( الورثة) في الالتزام
بذات التفكير الديني الذي كان سائدا لدى الاجيال التي ورثت عنها
تراثها. و هو ما يعكسه بوضوح ما يلاحظ من انه رغم اختلاف او تماثل
الظروف يظل ورثة التراث الاسلامي في الغالب مسلمين و ، الى حد ما،
إسلاميي التفكير كما يظل ورثة التراث المسيحي في الغالب مسيحيين و
مسيحيي التفكير وورثة التراث البوذي بوذيين و بوذيي التفكير. و
بالاضافة الى الملاحظة هناك بعض النصوص الدينية ، و في مقدمتها بعض
ايات القران الكريم، التي تدعم القول بان التراث الفكري الديني يؤثر
على التفكير الديني للورثة .
و
الارجح ان تأثير التراث الثقافي/الفكري على تفكير الورثة لا يقتصر
على التفكير الديني بل يمتد، و ان بدرجات متفاوتة، الى سائر مناحي
التفكير بما فيها التفكير الاجتماعي و التفكير المهني و التفكير
العلمي بل و التفكير المنطقي حيث مثلا تشير بعض الدراسات
الى ان ورثة التراث الطاوي / الصيني تظل طريقة تفكيرهم متميزة عن
طريقة تفكير ورثة التراث الارسطي/ الغربي.
على
ان التسليم بان التراث الثقافي يؤثر على تفكير الورثة لا يعني ابدا
ان هذا التأثير تأثير حتمي او انه تأثير مطلق او كلي اذ لو كان الامر
كذلك لما كان ما هو مشاهد من التغير التدريجي و احيانا التحول الكبير
و المفاجئ في فكر الاجيال المتتالية ضمن نفس المجموعة الثقافية. و لو
لم يكن مثل هذا التغير او التحول الفكري الذي يتنافى مع حتمية و
كلية تأثير التراث على الفكر امرا ممكنا لبدت التدابير الالهية و
الرسالات السماوية التي تتالت طلبا للتغيير عبثا يتعذر تعقله و لما
كان هنالك معنى لدعوات و حركات التغيير الثقافي التي شهدها و يشهدها
المجتمع البشري.
و
العلاقة بين التراث و الفكر ليس علاقة احادية الاتجاه، اذ كما يؤثر
التراث في الفكر كذلك يؤثر الفكر في التراث. و لعل من اوضح شواهد
تأثير الفكر على التراث ما نشاهده في مختلف المجتمعات من احلال
متواصل للفكر و الثقافة المكتسبين ( من ثقافة العصر) محل الفكر و
الثقافة الموروثين و ما يترتب على مثل هذا الإحلال من اشكاليات او
صراعات من قبيل ما انشغل المجتمع العربي طويلا في القرن الماضي
ببعضها كصراع او اشكالية الاصالة- المعاصرة و اشكالية الجديد-
القديم او من قبيل ما يؤرق اليوم المجتمع الدولي عموما كاشكالية زوال
بعض الثقافات الموروثة باكملها.
و أمر
آخر، لا يقل اهمية عما تقدم،هو ان التأثير المتبادل بين التراث و
الفكر لا يعد، من المنظور القيمي او التقييمي، سلبيا بالضرورة و لا
ايجابيا بالضرورة في أي اتجاه كان التأثير. و رغم ان هذه الحقيقة من
الوضوح بحيث يغني عن ضرب الامثلة الا انها كثيرا ما يطويها النسيان
او التناسي/ التجاهل في غمرة البحث عن، او الرغبة في دعم، مقولات او
نظريات عامة تنحو الى تصوير التأثير احادي الاتجاه و احادي القيمة.
و اذا
ترجح ان العلاقة بين الفكر و التراث الثقافي علاقة ثنائية الاتجاه
ثنائية القيمة و ان هذا التأثير المتبادل هو، في كلتا الحالتين، ليس
تأثيرا مطلقا بل هو تأثير يتفاوت شدة و ضعفا و سعة و ضيقا و سلبا و
ايجابا و وجودا و عدما، ترجح ايضا انه لابد ان هذا التأثير يرتبط
بعوامل او ظروف ما تملي ذلك التفاوت. فما هي تلك العوامل التي ترتبط
بتأثير التراث الثقافي على الفكر او التفكير العلمي؟
العوامل الثقافية
المتصلة بتأثير التراث على الفكر:
الارجح، كما سبقت الاشارة، ان التراث الثقافي انما يؤثر في فكر
الورثة في وجود عوامل عديدة منها الثقافية و غير الثقافية و التراثية
و غير التراثية . و تتفاوت هذ العوامل من حيث قوة و طبيعة علاقتها
بتأثير التراث على الفكر اذ منها ما يعد عوامل ثانوية (مساعدة او
معيقة) لا يتوقف عليها تحقق علاقة التراث بالفكر و منها ما يعد
عوامل اساسية حيث ان توفرها ضروري لتحقق( او انتفاء) تأثير التراث
على الفكر بينما عدم توفرها لتراث ما او لبعض عناصره يترتب عليه ضعف
و، ربما، انتفاء تأثير ذلك التراث او العنصر المعني على فكر
الورثة. و ليس من اليسير التحديد الدقيق و الشامل للعوامل الاساسية
التي ترتبط او تقترن بتأثير التراث الثقافي على فكر الورثة سلبا و
ايجابا. و اذا ما صرفنا الحديث الى التأثير السلبي فقط للتراث على
الفكر، و ذلك التزاما بالموضوع المحدد، و اكتفينا بذكر بعض العوامل
دون محاولة الاستدلال لها ليس قط لان المقام ليس مقام تفصيل و انما
ايضا لان المقصود الاساسي هنا هو بيان ارتبط تأثير التراث على الفكر
بعوامل معينة ايا كانت هذه العوامل، يمكن القول ان العوامل الثقافية
التي ترتبط بالتأثير السلبي لعناصر تراثية ثقافية على تفكير الورثة
تتضمن:
-
ان تكون تلك العناصر
عناصر سلبية لان الأرجح في العناصر الايجابية ان يكون تأثيرها
ايجابيا و إن كان من المتصور إمكان تحويل او تحول تأثير عنصر سلبي
او ايجابي في حد ذاته الى نقيضه.
-
حضور تلك العناصر
السلبية في وعي/لاوعي الورثة ، ذلك انه ليس كل العناصر السلبية في
التراث تنتقل الى ورثته و ما لم ينتقل الى الورثة لا يتوقع منه ان
يؤثر على تفكيرها. و كلما كان حضور العنصر السلبي مقترنا
بالاعتقاد في مضامينه و خلفياته الثقافية و الرمزية و العقدية
السلبية كلما كان تأثيره السلبي على الفكر اكبر اما اذا كان الحضور
يفتقر لمثل ذلك الاعتقاد فان تأثيره على الفكر يقل وقد ينتفي، و
لعل ذلك هو حال الكثير من العادات السلوكية المتوارثة التي تجردت
من او انقطعت عن ابعادها الاعتقادية و الرمزية السلبية و كذا حال
بعض الحكايات التراثية و المواد الخرافية التي تستذكر او تستعاد
احيانا من قبل الورثة لمجرد التسلية او الدراسة العلمية. و ليس من
المستبعد تماما في مثل هذه الحالة ان يتحول تأثير العنصر المعني من
تأثي سلبي محتمل الى تأثير ايجابي محتمل.
-
غياب و عي فاعل يؤمن
نجاح الو رثة في مقاومة التأثر بالعنصر السلبي المعني لسبب او آخر
كالاعتقاد في ضرره او الايمان بعدم صحته او تعارضه مع عنصر اخر
مرغوب و قوي الحضور.
ذلك
عن تأثير العنصر التراثي السلبي على مطلق، او أي جانب من جوانب،
التفكير عند الورثة كالتأثير على، مثلا، مدى الاقبال على التفكير و
حجم الانتاج الفكري او نوعه. اما التأثير السلبي على ، تحديدا،
الجانب او البعد العلمي للتفكير فيرجح انه يرتبط بعوامل اضافية لعل
اهمها:
1.
وجود تناقض
او تنافر إقصائي بين العنصر المعني و مبدأ التفكير القائم على
الدليل او دليل معين أي التفكير العلمي . و الغالب ان تناقض العنصر
السلبي مع التفكير القائم على الدليل يكون مقتصرا على التفكير
القائم على دليل او ادلة معينة دون دليل او ادلة اخرى كأن يتناقض
العنصر السلبي مثلا مع الدليل المنطقي الارسطي بينما لا يتناقض مع
الدليل التجريبي او العكس. و قد لا يكون التناقض من العمق و الوسع
بحيث يكون على مستوى الدليل بل قد يكون تناقضا محصورا على حقيقة او
حقائق علمية معينة.
2.
وعي الوارث،
سواء على المستوى الجماعي او الفردي، بوجود تناقض اقصائي بين العنصر
السلبي و دليل ما او حقيقة علمية معينة و انحيازه، أي الوارث، الى
العنصر السلبي في محل التناقض.
إذن، الظاهر ان اشتمال
تراث على عناصر ثقافية سلبية مظن اعاقة التفكير العلمي لا يعني
بالضرورة ان تلك العناصر فعلا اعاقت او تعيق التفكير العلمي لدى
المجتمع الوارث بل يظل تأثير كل عنصر ثقافي سلبي رهنا بعوامل قد و قد
لا تتوافر له. و اذا كان ذلك كذلك، فهل ان العناصر التي سبق ذكرها
مما اوردته ادبيات نقد العقل العربي كمعوقات ثقافية للعلم و التفكير
العلمي في المجتمع العربي المعاصر توافرت لها العوامل المطلوبة؟ و هل
انها فعلا أعاقت و تعيق ، و الى أي مدى، التفكير العلمي لدى المجتمع
العربي المعاصر؟
الاجابة على السؤال
المذكور تمثل مناقشة لجانب مهم، و ان كان فرعيا، من تصور ادبيات نقد
العقل العربي للمعوقات الثقافية الموروثة للتفكير العلمي في المجتمع
العربي. و لكن يستحسن ان نبدأ الاجابة بنظرة اكثر شمولية.
مراجعة تصور ادبيات
نقد العقل لمعوقات التفكير العلمي
المتأمل في تصور ادبيات نقد العقل العربي للمعوقات الثقافية للتفكير
العلمي في المجتمع العربي المعاصر، في ضوء مجمل ما تقدم من حديث،
يجد ان هناك حاجة ماسة الى :
1.
على المستوى
المفهومي: مراجعة تلك العناصر المحددة كمعوقات ثقافية للتفكير العلمي
في المجتمع العربي المعاصر من حيث مفاهيمها و دلالاتها لانه بدون
بلورة توافق عام على مفاهيم اكثر وضوحا و دقة لتلك العناصر يصعب بل
يتعذر قيام خطاب مشترك و حوار متبادل حولها .
2.
على المستوى
العلائقي/ التفاعلي: التحقق اكثر من طبيعة و اتجاه و قوة ما
تفترضها ضمنيا او تصرح بها تلك الادبيات من علاقات بين تلك العناصر/
المعوقات و كل من التفكير العلمي في المجتمع العربي المعاصر و التراث
الثقافي العربي وكذلك علاقة تلك العناصر مع بعضها البعض.
3.
على المستوى
الاحصائي: التحقق- في ضوء (2) اعلاه – مما اذا كانت المعوقات التي
اوردتها تلك الادبيات تشمل كل المعوقات الثقافية المهمة او، على
الاقل، المعوقات الثقافية الاولى بالتركيز عليها، وهل ان المعوقات
الثقافية عموما اكبر تأثيرا و اكثر اهمية في المجتمع العربي المعاصر
من – ان كانت هناك- المعوقات غير الثقافية .
من ينظر في العناصر
التي اوردتها الادبيات كمعوقات، على المستوى المفهومي يجد، مثلا، ان
مفهومي اكثر عنصرين يترددان فيها كمعوقين اساسين للتفكير العلمي في
المجتمع العربي المعاصر و هما الخرافة و اللاعقلانية ( المنهج
اللاعقلاني) يكتنفهما الكثير من الضبابية و الهلامية. فمفهوم الخرافة
يتسع عند البعض لكل ما لم يؤكد العلم التجريبي ثبوته او نفيه أي ان
كل ما يقع خارج نطاق المعرفة البشرية التجريبية، بما فيه مثلا وجود
الخالق ووجود كائنات كالملائكة، يعتبر من الخرافة او مدلولاتها؛ ثم
يضيق المفهوم قليل عند البعض ليعني كل ما انتفى فقط ثبوته بمعنى ان
كل خبر او فكرة ثبت كذبها او خطأها يعتبر خرافة، ثم يضيق اكثر ليعني
ليس كل ما انتفي ثبوته و انما فقط ما انتفى ثبوته مما يشتمل على خيال
او مبالغة او تهويل كبعض الحكايات الشعبية؛ ثم يضيق اكثر فاكثر
ليعني ليس كل ما انتفي ثبوته مما فيه خيال و مبالغة و انما فقط ما
يتعلق منه بما وراء الطبيعة كقصص الالهة. و لان مفهوم الخرافة يعوزه
تحديد دقيق متفق عليه فان العلاقة بينها وبين المفاهيم المشابهة او
ذات الصلة كالاسطورة و الغيبيات و ...الخ ظلت تتفاوت بين مستويات او
علاقات التطابق و الاشتمال و التقاطع و التمايز.
كذلك مفهوم
اللاعقلاني، في ادبيات نقد العقل عموما، يتعدد بقدر تعدد مفاهيم
العقلاني/ العقلانية. و اذا كان من الشائع في ادبيات نقد العقل
اعتبار الدين، كل دين، خرافة او لا عقلانية فانه حتى العلوم
التجريبية لم تسلم من اعتبارها علوما لا تستوفي شرط العقلانية وفقا
لبعض مفاهيم العقلانية بينما- في المقابل- ذهب بعض العقلانيين الى
انه لا فرق بين المعرفة الدينية و المعرفة العقلانية. و من
اشكاليات هذا المفهوم، اي اللاعقلاني، بالاضافة الى التعدد المربك
تقريبا، انه كثيرا ما يستخدم للإيحاء بان الموصوف به يعد امرا خطأ
مع انه– في اصطلاح البعض- ليس كل لاعقلاني خطأ و ليس كل عقلاني
صواب. كذلك كثيرا ما يطلق وصف اللاعقلاني، و الى حد ما وصف الخرافة،
بناء على معايير ذاتية / نفعية او ايديولوجية و ليس معايير موضوعية ،
و مما قد يذكر بهذا الخصوص ما يقال من ان مجموعة من العلماء، من
بينهم 52 من حملة جائزة نوبل، نشرت في حزيران 1993 بيانا تحذر فيه من
علم البيئة بوصفه " ايديولوجيا غير عقلانية"
و كما مفهوما الخرافة
و اللاعقلاني، كذالك مفهوم الدين يثير خلافا إذ يوسعه البعض بحيث لا
يعد هناك انسان ، مؤمن او ملحد، الا وله دين بينما يضيقه البعض ليشير
فقط الى الاديان المعروفة بشعائر تعبدية معينة. و لا يخفى ما
للمفهومين و للمفاهيم المندرجة بينهما من تبعات متباينة. و بالمثل
يتضح مما سبق ان مفهوم التفكير العلمي ايضا يحتاج الى اعادة نظر
وتحديد . و الواقع ان من اهم مصادر الخلل/ الاختلاف في تحديد مفهومي
الخرافة و اللاعقلاني هو الخلل/ الاختلاف في تحديد مفهومي العلمي و
العقلاني اذ انها مفاهيم مترابطة مع بعضها البعض. واذا كان السائد في
ادبيات نقد التراث العربي ان معيار التفكير العلمي هو معيار المنهج
التجريبي فقد سبقت الاشارة الى بعض الاوجه التي تقدح في سلامة هذا
المعيار. و معلوم ان من شأن اعتلال المعيار ان يضع كل ما بني عليه
موضع الشك حتى يثبت العكس. و مع ان البعض قد يختار معيارا اوسع
نسبيا مثل معيار البرهان العقلي الا انه كثيرا ما يتم تضييق مفهوم
العقل بحيث لا يعد يتسع لأكثر من العقل الوضعي او الديكارتي.
و
هكذا، يبدو انه لابد من تمحيص و تحقيق دلالات و مفاهيم العناصر
التي تساق كمعوقات ثقافية للتفكير العلمي، و الذي يحتاج هو الاخر الى
تحديد مفهومه، قبل ان يتسنى اجراء حوار او حديث مشترك علمي او
عقلاني فعال.
و من شأن عدم و ضوح او
عدم دقة او اختلاف المفاهيم ان ينعكس سلبا على تصور او تحديد
العلاقة بين تلك المفاهيم بينما من شأن التوافق على دلالات و مفاهيم
اكثر دقة و ادعى للتوافق عليها ان يساعد على حسن فهم و تحديد مختلف
جوانب العلاقات بينها. و مع ذلك فان اشكالية المفاهيم ليس الا مصدرا
واحدا من مصادر اشكالية تصور ادبيات نقد العقل العربي للعلاقة بين
التفكير العلمي و العناصر التراثية التي اوردتها كمعوقات لها.
فبينما يبدو انه كما
ان تاثير التراث على الفكر لا يبدو تأثيرا كليا مطلقا فكذلك
العناصر التراثية التي اوردتها الادبيات كمعوقات للتفكير العلمي ليست
علاقتها بالتفكير العلمي علاقة بالضرورة علية مطلقا، اكتفت أدبيات
نقد العقل العربي عموما بالوجود المتزامن او الاقتران الظاهري بين
ما لاحظته في المجتمع العربي من ضعف او تعثر التفكير العلمي و انتشار
تلك العناصر التراثية التي هي مظن التأثير السلبي على التفكير
العلمي فيه كمقدمة كافية للاستنتاج بان العناصر المذكورة هي السبب
الاساسي او سبب ضعف او تعثر التفكير العلمي في المجتمع العربي
المعاصر و ، بالتالي، صنفتهاعلى انها المعوقات الثقافية للتفكير
العلمي في المجتمع العربي. و بغض النظر عن صحة او عدم صحة هذه
العلاقة العلية( المستنتجة) فان منهج الادبيات لتقريرها منهج معيب
لان مجرد التزامن او الاقتران لا يكفي للحكم بالعلية و ان كان ذلك هو
ما كان سائدا في الفكر الانساني في مراحله البدائية. و من الواضح ان
الادبيات قد بنت تصوراتها على الحكم بان ما لاحظته من علاقة التزامن
و الاقتران هي علاقة عليه تفيد اعاقة تلك العناصر للتفكير العلمي من
دون ايراد ما يكفي من الادلة لاثبات تلك العلية و دون- مثلا- ان تولي
اهتماما يذكر للتحقق من توافر او عدم توافر العوامل المطلوبة- ربما
بما فيها المذكورة سابقا- لتمكن تلك العناصر من التأثير السلبي على
التفكير العلمي بل و دون- للمفارقة- اخضاع هذا الحكم او الاستنتاج
لمعيار المنهج التجريبي الذي حددته اكثرها كمعيار أوحد للعلم و
التفكير العلمي و الحقيقة العلمية.
و نحسب ان تركيز
الادبيات على علية تلك العلاقة جعلها تغفل او تهمل الجوانب الاخرى
المحتملة لتلك العلاقة مما جعلها، او بعضها، احيانا تسئ التقدير او
الحكم . و، على سبيل المثال، ربما ما كان لبعض أدبيات نقد العقل
العربي ان تضخم كثيرا دور الخرافة/ اللاعقلاني في إعاقة العلم/
التفكير العلمي في المجتمع العربي المعاصر لو انها أخذت في الاعتبار
ان تلك العلاقة قد لا تكون، على الاقل احيانا او في بعض الحالات،علية
و ان هنالك جوانب تتضمن احتمالات اخرى للعلاقة بين الخرافة/
اللاعقلاني و بين العلم/ التفكير العلمي، و من تلك الجوانب- مثلا :
1-
ظاهرة
تعايش الخرافة/ اللاعقلاني مع العلم ليس فقط على مستوى المجتمع او
العقل الجماعي و انما حتى على مستوى الفرد. و هذا التعايش ما انفك
ملحوظا حتى في سائر الحضارات الاكثر عطاء علميا بما فيها اقدم
الحضارات المعروفة كالبابلية و الإغريقية أو أوسطها كالإسلامية أو
أحدثها ممثلة في الحضارة الغربية المعاصرة. فمجتمع الحضارة البابلية
الذي- من جانب- بلغ ، وفقا لبعض المراجع، شأوا كبيرا في علوم
الرياضيات و الفلك و الطب و التقويم حتى ان بعض نظمهم التقويمية ما
زالت متبعة في التقويم المعاصر كان – في الجانب الآخر- مجتمعا غارقا
في الخرافة و اللاعقلاني بما فيها العرافة و السحر و الشعوذة حتى
قيل ان البابليين كانوا " حقا ارباب العلم المقدس او علم الهيئة و
العرافة حيث يمتزج الدين بالسحر"
. و يبدو ان المجتمع البابلي لم يكن يمانع و لا يرى تناقضا في الجمع
بين هذين الجانبين حتى انه يقال ان الطبيب و المعزم
كانا يرافقان بعضهما و يذهبان سويا الى المريض للتعاون في معالجته. و
مجتمع الحضارة الاغريقية بقدر ما عرف بعلم المنطق و الفلسفة و
الاهتمام بالعلم الطبيعي عرف ايضا بأشهر الاساطير. و حتى على
المستوى الفردي نجد اشهر فلاسفة مجتمع الحضارة الاغريقية و علمائه
يجمعون بين العلم و الخرافة و العقلاني و اللاعقلاني، فالفيلسوف
ارسطو، اب المنطق، يقدس الكواكب و الفيلسوف افلاطون يستعين
بالاساطير بينما- في الحضارة الرومانية- جالينوس الذي اشتهر بطبه
حتى ضرب به المثل لم يكن يرى تناقضا في ان تجمع وصفاته الطبية بين
العقاقير العلمية و التعاويذ السحرية. و مجتمع الحضارة الاسلامية
الذي يقر له الكثير بالفضل في تأسيس او تطوير المنهج التجريبي لم
يصنه لا تفكيره العلمي و لا توحيده العقدي من تغلغل مختلف اشكال و
صور الخرافة و اللاعقلانية – التي نشكوا من امتداداتها اليوم- فيه
غالبا، و هنا المفارقة، تحت مسمى العلم و مباركة التأويل الديني!.
اما مجتمع الحضارة الغربية المعاصرة فلا شيء فيه يبدو اغرب مما لوحظ
بشكل اوضح مؤخرا من اقتران التقدم المذهل للعلم و فتوحاته المتسارعة
بالصعود المتنامي للاعقلانية و الخرافة و التين يبدو ان المجتمع
الغربي يشهد بمختلف فئاته و شرائحه ردة جامحة اليهما. و اذا جاز ان
نقارن الاحصائيات المتاحة – رغم تسليمنا بضعف وثوقيتها- كمؤشرات
تقريبية لا يبدو ان المجتمع الغربي المشهور بعلمه احسن حالا كثيرا في
هذا الجانب من المجتمع العربي / الشرقي المشهور بخرافيته و
لاعقلانيته. فاذا كان المجتمع المصري يصرف على العرافة و التنجيم
عشرة مليار جنيه سنويا
فان المجتمع الفرنسي يصرف لنفس الغرض سبعة مليار فرنك فرنسي سنويا
بينما يقال ان المجتمع الايطالي صرف على السحرة عام 1988مليار دولارا.
اما المجتمع الامريكي الاوفر حظا من الاختراعات العلمية فلا يبدو
انه اقل حظا من غرائب الخرافة و الدجل و اللاعقلاني حيث يقال مثلا ان
دخل مركز ميتافيزيقي واحد يبيع و يؤجر المراجع الروحية و التعاويذ و
الابخرة يزيد على مائتى الف دولارا في الشهر الواحد.
و اذا ما كان الحكام في الحضارات القديمة و بعض حكام الشرق
المعاصرين اتخذوا من العراف او المنجم معاونا رسميا او مستشارا سريا
فكذلك فعل و يفعل بعض حكام الغرب المعاصرين.
تلك بعض الامثلة/ الوقائع عن
ظاهرة تعايش العلم / التفكير العلمي مع الخرافة/ اللاعقلاني سواء على
مستوى المجتمع او الفرد.
2-
لا تقف
العلاقة بين العلم/ التفكير العلمي و الخرافة/ اللاعقلاني عند حد
امكان التعايش على المستوي الجماعي و الفردي بل بينهما علاقة مباشرة
و تداخل ملحوظ و امتدادات متشابكة و تبادل للمواد. و اذا كان من
المألوف بهذا الصدد تحول بعض ما بدت حقائق بل اكتشافات علمية،
كإكتشاف اشعة أن (
n
) ، الى مجرد اوهام يصدق عليها مفهوم البعض للخرافة فان – في
المقابل- بعض ما كانت توصم بالخرافة و الغيبيات من مثل التنويم
المغناطيسي و ظاهرة التليباثي بدأ العلم يعيد النظر في الحكم
بخرافيتها و غيبيتها تماما كما اعاد النظر في بعض ما كان قد سلم بها
لقرون عديدة كحقائق علمية مطلقة مثل مبدأ السببية و قانون الجاذبية
. و اذا كانت الاساطير الخرافية لا تخلوا من بعض الحقائق- او انها
كما يزعم البعض كانت في الاصل حقائق ثم حرفت و شوهت الى اساطير- فان
بعض النظريات المقبولة علميا على نطاق واسع تشتمل او مبنية على اجزاء
او أسس تصدق عليها بعض مفاهيم الخرافة او الاسطورة. و ليس بخاف،
مثلا، ان نظرية فرويد الشهيرة في الاوساط العلمية تتبنى عقدة اوديب
التي لا تقل عنها شهرة في الاوساط المعنية بالاساطير . و ربما مثل
هذا التداخل المربك احيانا و النقد المتواصل الذي تتعرض له اسس العلم
الطبيعي و منهج المعرفة التجريبية هما مما جعل البعض يتحدث عن "خرافة
العلم" بينما تنبأ البعض الاخر بـ "نهاية او موت العلم" في الوقت
الذي بدأ فيه البعض يدعو الى رد الاعتبار الى العلوم الغيبية و
العرفانية و الروحية. و الواقع- في ما نقدر- ان الصعوبة التي
تواجهها المعرفة البشرية في التمييز الفوري و النهائي بين ما هو علم
و ما هو غير علم من الخرافات و الاساطير و غيرها لا يعنى بالضرورة
عدم وجود حد او فاصل موضوعي بينهما بيد انه يبدو ان هذا الحد ليس حدا
مستقيما ونهائيا و ثابتا بل سيظل، في نطاق المعرفة البشرية
الحالية، حدا متمعجا و متحركا مع تذبذب و تحرك المعرفة البشرية.
3-
رغم
الاختلاف و التباين بينهما فان الخرافة/ اللاعقلاني، كما العلم/
التفكير العلمي، مصدره العقل- العقل كعملية- أي ان المصدر واحد. كذلك
فان الخرافة/ اللاعقلاني، كما العلم/ التفكير العلمي، الدافع اليه هو
حب الانسان للمعرفة و شغفه بالتفسير أي ان الدافع اليهما واحد.
و اذا ما بدا ان
العلاقة بين العلم/ التفكير العلمي و الخرافة/ اللاعقلاني علاقة
تعايش و تداخل و اشتراك في المصدر و الدافع، فهل لابد ان تكون هذه
العلاقة دائما علاقة علية احادية الاتجاه سلبية التأثير؟
نظريا يمكن القول ان
التعايش يمكن ان يكون تعايشا سلبيا يضر بأحد او كلا الطرفين، او
ايجابيا يفيد احد او كلا الطرفين، او سلبيا- ايجابيا ينطوي على ضرر و
نفع لاحد او كلا الطرفين، و لكنه يمكن ان يكون ايضا تعايشا منقطعا لا
يضر و لا ينفع ايا من الطرفين. و بالمثل يمكن ان يكون التداخل عنيفا
او رفيقا او خليطا منهما. ويمكن ان يصح هذا القول ليس فقط على مستوى
البشر و مؤسساتهم او على مستوى الكائنات الحية عموما و انما ايضا –
الى حد ما- على مستوى المفاهيم المجردة حتى ما كانت، او بدت، منها
متقابلة كالحق و الباطل و القديم و الجديد. و اذا كان ذلك كذلك أي
ان الاصل هو تعدد صور و احتمالات التعايش و التداخل عموما ليس من
الموضوعية ان نفترض كون التعايش و التداخل بين العلم/ التفكير العلمي
و الخرافة/ اللاعقلاني هما بالضرورة على صورة واحدة او احتمال واحد
دون ايراد ما يكفي من الادلة التي تنفي او تستبعد الصور و الاحتمالات
الاخرى.
و لعله لا خلاف في ما
تؤكد عليه ادبيات نقد العقل العربي من الانتشار الواسع لظاهرة
الخرافة/ اللاعقلاني في المجتمع العربي المعاصر و اقتران او تزامن
هذه الظاهرة مع ظاهرة تعثر و ضعف العلم / التفكير العلمي التجريبي في
المجتمع العربي المعاصر فكلتاهما ظاهرتان واقعيتان ربما لا يشك فيهما
احد. و لكن ما يتطلب المزيد من التحقيق و الدراسة هو ما يفهم غالبا
من تلك الادبيات من ان العلاقة بين الظاهرتين المذكورتين علاقة تتخذ
صورة واحدة هي الصورة العلية و قيمة واحدة هي القيمة السلبية و
اتجاها احاديا هو اتجاه الخرافة/ اللاعقلاني ← العلم / التفكير
العلمي بمعنى ان العلاقة هي فقط علاقة علية سلبية تؤدي الى اضرار
الخرافة / اللاعقلاني بالعلم/ التفكير العلمي و هو اضرار يتم
التعبير عنه غالبا بالإعاقة او مفاهيم مماثلة. و مما يستدعي مثل هذا
التحقيق او الدراسة:
1.
منطقيا،
ليس هناك، مبلغ فهمنا، ما يستلزم ان تكون العلاقة بين العناصر
التراثية التي اوردتها الادبيات كمعوقات و التفكير العلمي التجريبي
حتما علاقة علية. فليس الخرافة او اللاعقلاني او الدين مانعا كافيا
من التفكير العلمي التجريبي في كل الحالات كما انه ليس انتفاء
الخرافة و اللاعقلاني و الدين سببا كافيا لقيام و ازدهار التفكير
العلمي التجريبي. و لعل من الملاحظات الاولية ( =غير الثابتة علميا)
التي ربما امكن الاستئناس بها لمثل هذا النفي انه لا يبدو، في
الواقع، ان المجتمع او الفرد الاكثر خرافة او لاعقلانية او تدينا
هو بالضرورة اقل ابداعا او انتاجا علميا ( العلم التجريبي/ الطبيعي)
من المجتمع او الفرد الاقل خرافة و لاعقلانية و تدينا او – افتراضا-
يخلو منها و منه تماما، بسبب العبء الزائد من الخرافة/ اللاعقلاني/
التدين( أي بافتراض ثوابت العوامل الاخرى). و لا اعلم بهذا الخصوص عن
أي دراسة ميدانية اثبتت ان- مثلا- المجتمع او الفرد الملحد( و
بالتالي الخالي، وفقا لبعض المفاهيم، من خرافة الدين و الغيبيات)
اكثر إبداعا او انتاجا علميا من المجتمع او الفرد المؤمن ( وبالتالي
المكبل بخرافة الدين و الغيبيات). و لا ادري ان كانت هنالك دراسات
اثبت ان- مثلا- الجماعات الشيوعية/ الملحدة ( التي لا تؤمن بخرافة
الدين و الغيبيات) اكثر او احسن ابداعا علميا من الجماعات المؤمنة
او ان العالم الملحد الغربي او الشرقي اكثر انتاجا علميا من نظيره
المؤمن. على ان عدم ثبوت علاقة علية حتمية او ضرورية و كلية بين
متغيرين او اكثر لا يعني عدم وجود علاقة علية احتمالية بينهما. و
لذلك يبقى وجود علاقة علية احتمالية بين العناصر المذكورة و التفكير
العلمي وارد منطقيا، و لعل الملاحظات الاولية العامة ذات الصلة ترجح
وجود هذه العلاقة
2.
نظريا، قد
تكون وقد لا تكون العلاقة بين الخرافة/ اللاعقلي و العلم/ التفكير
العلمي( بالمفهوم التجريبي) في واقع المجتمع العربي المعاصر كما
حددتها ادبيات نقد العقل العربي بيد انه لا يمكن التأكد من مصداقية
وواقعية ذلك التحديد دون البحث الموضوعي في الاحتمالات الاخرى(
المشار اليها آنفا) للعلاقة و التأكد من انتفائها او عدم اهميتها
واقعيا وهو ما لم اقف عليه في تلك الادبيات. و ربما امكن التغاضي عن
عدم اهتمام ادبيات نقد العقل العربي بدراسة و التأكد من انتفاء او
عدم اهمية الاحتمالات الاخرى للعلاقة بين الخرافة/ اللاعقلي و العلم/
التفكير العلمي في واقع المجتمع العربي لو ان هناك دراسات او ادبيات
اخرى تحققت عمليا من انتفاء او عدم اهمية مثل تلك الاحتمالات في
المجتمعات الاخرى و خاصة الشبيهة بالمجتمع العربي.
3.
ان التأكد
من انتفاء او عدم اهمية الاحتمالات الاخرى للعلاقة بين الخرافة/
اللاعقلي و العلم/ التفكير العلمي و ان كان ضروريا الا انه لا يكفي
علميا لإثبات الاحتمال غير المنفي والمتمثل في هذه الحالة- وفقا
لأدبيات نقد العقل العربي- في تعويق الخرافة/ اللاعقلاني للعلم/
التفكير العلمي. اذ مما يتطلبه التثبت من تعويق الخرافة/ اللاعقلاني
للعلم و التفكير العلمي في المجتمع العربي المعاصر التأكد من توافر
الثقافة/ المجتمع العربي المعاصر او – تحديدا- العناصر التي هي مظن
اعاقة التفكير العلمي على ما يلزم لتحقق مثل هذه الاعاقة من متطلبات
او عوامل ذات صلة سبق لنا ان ذكرنا بعضها. و الحال، كما سبقت
الاشارة، ان ادبيات نقد العقل العربي لا تتوافر على مناقشة كافية
لمثل تلك المتطلبات والعوامل.
4.
تضخيم
ادبيات نقد العقل العربي لدور اللاعقلاني و الخرافة في اعاقة العلم و
التفكير العلمي التجريبي في المجتمع العربي المعاصر بثير بعض
الملاحظات التي تبدو غير منسجمة مع مثل ذلك التضخيم . و من تلك
الملاحظات التي لفتت نظري انه بناء على ما تؤكده ذات الادبيات من
تغلغل وانتشار اللاعقلاني و الخرافة في مجتمع الحضارة الاسلامية و
تتبعها لمدى حضور ذلك اللاعقلاني و الخرافة في اذهان و آثار مختلف
شخصيات الحضارة الاسلامية نجد ان اكثر من نبغوا في العلم التجريبي
بما فيه علوم الطب و الفلك و الرياضيات و الكيمياء وكذا المنطق و
الفلسفة لم يكونوا هم العلماء الابعد او الاقل حظا من اللاعقلاني
مثل- وفقا لتصنيفات بعض تلك الادبيات- الفقهاء و انما هم العلماء
الاكثر حظا و اقوى تأثرا باللاعقلاني مثل- وفقا لتصنيفات تلك
الادبيات ايضا- العرفانيينّّ و بعض الفلاسفة !!. و لعل ظاهر مثل هذه
الملاحظة يغرى باستنتاج يناهض بل يناقض ما ذهبت اليه تلك الادبيات من
تضخيم لدور اللاعقلاني و الخرافة في اعاقة العلم/التفكير العلمي في
المجتمع العربي و– في المقابل- قد يذكّر بما يراه البعض من ان
للاساطير الخرافية دور ايجابي في نشوء/ تقدم الفلسفة التي تسمى
احيانا ام العلوم في اشارة الى ما يقال بان العلوم الاخرى تفرعت
عنها كما يذكر بدور محتمل لبعض الخرافات، كخرافة تحويل المعادن الى
ذهب،في تطوير بعض العلوم التجريبية كعلم الكيمياء.
و اذا بدا ما يوحي به
ذلك من احتمال وجود علاقة ايجابية بين العلم / التفكير العلمي و
اللاعقلاني/ الخرافة في مجتمع الحضارة الاسلامية أمرا غريبا و ربما-
عند البعض- لاعقلانيا و خرافيا يبقى هنالك ايحاء اخر هو احتمال ان
العلاقة كانت علاقة انقطاعية على مستوى اولئك العلماء بمعنى ان وجود
اللاعقلاني و الخرافة عند نبغاء العلم ( التجريبي) في الحضارة
الاسلامية لم يكن له أي تأثير على علمهم وانما تواجد فقط لملء
الفراغ المعرفي الذي عجز تفكيرهم العلمي عن ملئه باجابات و افكار
علمية.
الدين و التفكير
العلمي:
تركز
ما تمهد من حديث اساسا على الخرافة و اللاعقلاني و هما، كما سبقت
الاشارة، ما تركز عليهما الكثير من ادبيات نقد العقل العربي
باعتبارهما يشكلان اهم معوقين ثقافيين للتفكير العلمي في المجتمع
العربي المعاصر. و صحيح ان هناك تركيز من قبل البعض على عنصر الدين
ايضا كمعوق اساسي للتفكير العلمي الا ان اكثر من ركزوا على الدين
ركزوا عليه باعتباره في نظرهم احد مكونات الخرافة او اللاعقلاني، و
هو بهذا الاعتبار يشمله ما تقدم من حديث عن الخرافة و اللاعقلاني.
على ان
هناك من من لا يعتبر الدين ، كل دين،خرافة جملة و تفصيلا و مع ذلك
يعتبره معوقا للتفكير العلمي لمآخذ يأخذونها عليه. و ربما امكننا
اجمال اهم تلك المآخذ على دين الاسلام ، باعتباره الدين الغالب في
المجتمع العربي المعاصر، في :
1.
ان الاسلام
يتضمن نصوصا يصعب، و قد يتعذر احيانا، على العقل البشري الوصول الى
فهم علمي/عقلاني لها و بعض تلك النصوص تتشابه شكلا و مضمونا مع بعض
مدلولات و مفاهيم الخرافة و اللاعقلاني كما ان اصول بعض هذا البعض
اساطير او خرافات معروفة ورد ذكرها في مصادر قبل- إسلامية. و لاشك ان
من شأن اضطرار المسلم للإيمان و التسليم بمثل تلك النصوص ان يهيئه و
يشجعه على قبول مظاهر و صور اخرى من الخرافة و اللاعقلانية لم
تتضمنها نصوص الاسلام.
2.
على النقيض
مما يقال عن حث الاسلام على العلم و فرضه له، من الواضح انغماس
المجتمع الاسلامي، جهالا و علماء، و مواطنين و مسئولين، و رعية و
حكاما، و ماضيا و حاضرا، في ممارسات سلوكية ( عملية) او معرفية او
اعتقادية تعد ممارسات منافية للعلم و مصدر او مظن اعاقة للتفكير
العلمي و العقلاني.
و ان
كان من المؤكد ان الانتقادين السابقين لا يكفيان لإثبات ما ذهب اليه
البعض من اعتبار الاسلام جملة و تفصيلا ضربا من ضروب الخرافة و
اللاعقلانية المعيقتان للتفكير العلمي الا انهما كفيلان باثارة الشك
عند البعض حول طبيعة المحصلة النهائية لعلاقة الاسلام بالعلم و
التفكير العلمي. و الظاهر ان علاقة الاسلام بالعلم لا تخلو من
إشكالات و مشكلات تتعدد و تتباين مع تعدد و تباين مفاهيم العلم مما
يجعل من الصعوبة بمكان محاولة تناولها دون التوافق على مفهوم معين
للعلم و التفكير العلمي.
و في
ضوء ما انبنى عليه هذا الحديث من مفهوم تجريبي للعلم، يمكن القول انه
و ان تشابهت بعض نصوص الاسلام مع بعض مدلولات الخرافة و مفاهيم
اللاعقلاني فانها تفارق تلك المدلولات و المفاهيم و تتمايز عنها بان
مصدرها هو ما ثبت عقلا بانه الوحي الالهي الذي لا يأتيه باطل
الخرافة او اللاعقلاني و لذلك فانها تتمايز عنها مآلا ايضا اذ انها
تثمر علما و عقلانية. اما الخرافة و اللاعقلاني فمصدرهما العقل
البشري الذي طالما لازمته الخرافة حتى ظننا، في موضع لاحق، انها قد
تكون ما يميزه عن غيره و مآلهما غالبا المزيد من الخرافة و
اللاعقلاني. وشتان ما بين ما كان مصدره من يحيل عليه الخرافة و ما
كان مصدره من يألف و ينتج الخرافة وشتان ما بين ما كان مآله العلم و
العقلانية و ما كان مآله المزيد من الخرافة و اللاعقلانية و ان
تشابها في مابين المصدر و المآل شكلا و مضمونا. و اذا كان الغالب في
اللاعقلاني البشري هو ثبوت خرافيته او خطئه مع مرور الزمن و تقدم
العقل البشري فان لاعقلاني الوحي الالهي لا يعد لاعقلانيا في حد ذاته
و انما فقط باعتبار عجز العلم البشري عن تعقله و لذلك فانه لا يطاله
الخطأ ولا يتحول الى خرافة ابدا بل اما يتكشف عن عقلانيته مع تقدم
العقل البشري و اما يستمر لاعقلانيا حتى يرتقي العلم البشرى اكثر و
يصل الى مستوى تعقله.
و
اذا ما استبعدنا في ضوء ما تمهد ان يكون مصدر اشكالية علاقة
الاسلام- العلم/ التفكير العلمي هو نصوص الوحي في حد ذاتها انحصر
المصدر على الارجح في احتمالين اثنين هما النصوص المنسوبة الى الوحي
و ما هي منه، و موقف المسلمين المعيب من بعض نصوص الوحي . و يرجح
النظر الموضوعي انهما، أي النصوص المنسوبة و الموقف المعيب، مصدران
فعليان لإشكالية علاقة الاسلام بالعلم و التفكير العلمي بمفهومهما
التجريبي. و كلا المصدران يحتاجان الى بحث و الى مزيد توضيح لا يتسع
لهما المقام. بيد انه يمكن الاشارة باقتضاب، في ما يتعلق بالموقف
المعيب، الى ان الجانب النظري من هذا الموقف يتمثل اساسا في الفهم
المحدود او المشوب او الخاطئ تماما احيانا لبعض النصوص و المفاهيم
الاسلامية ذات الصلة بالعلم و التفكير العلمي، حيث نجد مثلا بعض
المصنفات الفقهية تبرز تصورا تبعيضيا للعلم يقوم على:
أ-
تضييق مفهوم
العلم في الاسلام، أي العلم الذي يحث عليه الاسلام، بحيث لا يعد
يشمل العلم التجريبي/ الطبيعي و احيانا بعض العقلي او العلوم الحديثة
عموما. و مما يشير الى ذلك تداول بعض المصنفات الفقهية، ليس فقط
القديمة و انما حتى بعض الحديثة، أقوالا من مثل " المراد بالعلم في
نصوص القرآن و السنة هو العلم الشرعي" و " العلم ما قاله الله و
رسوله(ص)"
ب-
النظرة غير
السليمة و، احيانا،الدونية للعلم التجريبي / الطبيعي. لم يكتف التصور
الفقهي المعيب للعلم باستبعاد العلوم التجريبية/ الطبيعية و- الى حد
ما- العقلية او الحديثة منه، متسببا بذلك في حرمان هذه العلوم من
ميزة او شرف الافضلية الشرعية و البعد التعبدي الذين أسبغهما
الاسلام على العلم، و انما انطوى ايضا على نظرة محدودة و احيانا
دونية لتلك العلوم. و مما يشير الى مثل تلك النظرة اقوال من مثل "
مسائل الطبيعيات لا تهمنا في ديننا ولا معاشنا فوجب علينا تركها"
و مما ينسب للامام الشافعي مما قد يساء
فهمه
كل العلوم ما سوى القرآن مشغلة *
الا الحديث و علم الفقه في الدين العلم ما كان فـيه قـــال
حـــدثنا * وما سوى ذاك وسواس الشياطين وصحيح ان من الفقهاء، و
منهم صاحب الابيات المتقدمة، من اكد على اهمية ما رأوها نافعة من
العلوم التجريبية او الطبيعية كعلم الطب و لكن منهم من ما لبث ان عاد
و اكد محدودية تلك الاهمية بدعوى ان الحاجة الى تلك العلوم النافعة-
ربما كما بدت لهم يومئذ- محدودة و انه، لذلك، لا داعي للتبحر فيها و
التدقيق فيها . و لعل مما يعكس تلك النظرة المعيبة ايضا تسمية بعض
تصنيفات العلم التي أوردها بعض العلماء المسلمين للعلوم الطبيعية و
العقلية بعلوم العجم مقابل تسمية غيرها بعلوم الشرع او تسمية العلوم
الطبيعية بالعلوم الدنيوية مقابل تسمية غيرها بالعلوم الدينية.
ج-
الفصل
المعيب بين الشرع و العقل و المبالغة في التحذير من العقل و التشكيك
في قدراته و احكامه. و لعل من اشهر اقوال التراث الفقهي التي
تتداولها ادبيات نقد العقل/ التراث العربي بهذا الخصوص " لازم(
بتسكين الميم) الاقتداء بالصحابة رضي الله عنهم و اقتصر على اتباع
السنة فالسلامة في الاتباع و الخطر في البحث عن الاشياء و الاستقلال
و لا تكثر الحجج برايك و بعقلك و دليلك و برهانك و زعمك اني ابحث عن
الاشياء لأعرفها على ما هي عليه".
و وصلت المبالغة في التشكيك في قدرات العقل بل و التنفير منه احيانا
حد اعتبار بعض علماء المسلمين - ربما تأثرا بأفكار دخيلة- العقل
حجابا دون معرفة الحقيقة. و معلوم ايضا ان من الفقهاء من حذروا من
دراسة المنطق و الفلسفة و، احيانا، رغبوا عن دراسة حتى علم الكلام
د-
توهم
استغناء المسلمين عن علم/ علوم الغير. ذهب بعض علماء الاسلام الى ان
كل العلم الذي يحتاج اليه المسلمون، ليس في امور دينهم فقط و انما
حتى في امور دنياهم و معاشهم ايضا، موجود في القرآن الكريم و السنة
النبوية و لذلك فانهم لا يحتاجون لان يتعلموا غير القرآن و السنة و
علومهما و ليس بهم حاجة لدراسة علوم غيرهم. وربما أسهم مثل هذا
الاعتقاد في تكريس بعض الاحكام الفقهية العملية التي ينقصها الحرص
على دراسة علوم الغير و منها الحكم الفقهي القاضي باتلاف ما اغتنم من
كتب غير المسلمين. و تنسب بعض الروايات الى الخليفة عمر بن الخطاب
قوله،عندما استشير في كتب الغير،" ان كان فيها ما يوافق كتاب الله
ففي كتاب الله عنه غنى و ان كان ما فيها مخالف لما في كتاب الله فلا
حاجة اليها". و مع ان اكثر الفقهاء اقروا بحاجة المسلمين الى علوم
غيرهم و بعضهم ارشد الى ترجمتها الا انهم غالبا ما - اولا- قيدوا
الحاجة بالنافعة فقط منها بينما كان المفهوم السائد للنفع مفهوما
ضيقا و – ثانيا- شددوا على ضرورة اتقان العلوم الشرعية قبل دراسة
علوم الغير بينما كان اتقان هذه العلوم الشرعية يستغرق من وقت وجهد
طالب العلم المسلم ما لم يكن يجد بعده ما يوظفهما لعلوم الغير.
و اذا بدا اليوم، مع
تطور العقل الاسلامي ضمن التطور العام للعقل البشري و تطور الفهم
عموما للعلم التجريبي و التفكير العلمي التجريبي، ان العلم /
التفكير العلمي التجريبي يعد، سواء بمقتضى مقاصد الشرع العامة و
احكام نصوصه الفرعية او بحكم ما تبين اكثر للعقل البشري من وحدة
الفكر ووحدة العلم، جزءا لا يتجزأ من مفهوم الاسلام للعلم و حثه عليه
، اتضح بجلاء ان ما ورد آنفا من الفهم الفقهي للعلم كان فهما مختلا
اهم ما ينقصه التأصيل الكافي للعلم التجريبي دينيا و فقهيا. و لعل
هذا الضعف في تأصيل الفقه للعلم/ الفكر التجريبي كان هو اساس
اشكالية الاسلام مع العلم او الفكر التجريبي. و المؤسف ان هذا الضعف
ما زال قائما لدى القطاع الاوسع من المسلمين و الذين وان كانوا احسن
فهما للعلم التجريبي و افضل ادراكا لاهميته من سلفهم الا ان تحسن
فهمهم لهذه الاهمية يكاد يقتصر على الاهمية الدنيوية و قليلا ما
ينتبهون الى ان العلم/ الفكر التجريبي جزء لا يتجزأ من التكليف
الشرعي بالعلم و عادة ما يفشلون في التعبد به لله كما يتعبد بعضهم
بالعلم الشرعي و ربما ظن كثير منهم ان الانشغال بالعلم التجريبي هو
انشغال عن عبادة الله و عن العلم المأمور به شرعا.
و لمجمل ما سبق احسب
ان اشكالية العقل الاسلامي/ العربي مع العلم التجريبي، من المنظور
الثقافي، لم تكن اساسا هي ، كما تذهب اكثر ادبيات نقد العقل
الاسلامي/ العربي ، انتشار الخرافة و اللاعقلاني و – كما يضيف البعض-
خرافية و لاعقلانية الاسلام نفسه، بقدر ما هي ضعف تأصيل الفقه
الاسلامي للعلم التجريبي / الطبيعي شرعيا و دينيا. و لعل من ابرز
الشواهد على ذلك ما خلفه الفقهاء من انتاج غزير جدا و ابداع مشهود
في العلم الذي اقتنعوا باصالته الشرعية و اهميته الدينية، أي ما عرف
بالعلم الشرعي، بينما قل كثيرا حظهم من العلم الطبيعي/ التجريبي ليس
عجزا عن دراسته و الابداع فيه او جهلا بمناهجه و انما عزوفا عنه لسوء
تقديرهم لأهميته الشرعية.
جوانب اخرى:
كان ذلك مراجعة لتصور
ادبيات نقد العقل العربي لعلاقة الخرافة و اللاعقلاني و الدين
بالتفكير العلمي .و ايا كان الموقف من تلك العلاقة و من المراجعة
السابقة لها تبقى هنالك جوانب اخرى من التصور العام لادبيات نقد
العقل العربي للعلاقة بين التراث/ الثقافة و الفكر ( العقل) او
معوقات التفكير العلمي تحتاج ايضا الى مراجعة , و من تلك الجوانب
التي يمكن الاشارة اليها في ضوء ما تمهد من حديث عن علاقة التراث-
الفكر :
1- كما ان التصور
السائد في ادبيات نقد العقل العربي لعلاقة الخرافة و اللاعقلاني و
الدين بالعلم/ التفكير العلمي يحتاج الى مراجعة فكذلك تصور تلك
الادبيات لعلاقة الخرافة و اللاعقلاني و الدين بالتراث. فالسائد في
هذه الادبيات هو التركيز على علاقة الخرافة و اللاعقلاني في المجتمع
العربي المعاصر بالتراث على نحو يحمل القارئ على الميل الى قبول ما
تضمنتها تلك الادبيات من ادانة ضمنية او صريحة للتراث باعتباره سبب
وجود الخرافة و اللاعقلاني في المجتمع العربي المعاصر. و ما يستدعي
هذه المراجعة ليس هو ما يشير اليه البعض، ربما عن رغبة خفية في تبرئة
الذات / التراث العربي، من ان مصدر ما تنوء به الثقافة العربية
المعاصرة من خرافات و لاعقلانية موروثة ليس هو التراث العربي الاصيل
و انما هو اساسا التراث الوافد او الدخيل؛ و انما ما يستدعيها هو
افتراض الادبيات مرة اخرى، ضمنيا او صراحة، علية العلاقة بين الخرافة
/ اللاعقلاني و التراث بمعنى ان التراث هو سبب وجود الخرافة و
اللاعقلاني و الدين في المجتمع العربي المعاصر و ذلك دون ايراد
الادلة الكافية. فصحيح ان التراث هو مصدر ربما الكثير من- و لكن
بالتأكيد ليس كل- المضامين الخرافية/ اللاعقلانية في الثقافة العربية
المعاصرة بيد ان كون التراث مصدر تلك المضامين لا يلزم عنه منطقيا
اوعلميا ان التراث هو بالضرورة سبب وجود تلك المضامين الخرافية/
اللاعقلانية في الثقافة العربية المعاصرة و ذلك لسبب بسيط هو وجود
سبب او اسباب محتملة لم تورد الادبيات ادلة كافية لاستبعادها . و
لعل، في ما نظن، السبب الاساسي في وجود الخرافة اليوم، في أي ثقافة
كانت، هو ذات السبب الذي تسبب في وجودها اول ما نشأت و هو ، في ما
نقدر، حاجة الانسان المعنوية الى الخرافة/ اللاعقلاني لملء بعض
المساحة او الفراغ بين رغبته اللامحدودة في المعرفة و التفسير من
جانب و محدودية قدراته العقلية و- بالتالي- معرفته العلمية من جانب
اخر. و هذه الحاجة المعنوية نحسبها بقدر ما هي حاجة عامة تشترك فيها
كافة الاعراق البشرية هي ايضا حاجة ممتدة عبر الزمن البشري خضع لها
الانسان الاول و لم يسلم منها الانسان المعاصر الذي ظنه البعض خاتم
البشر. و لان الخرافة/ اللاعقلاني حاجة ممتدة امتداد غريزة حب
المعرفة و التفسير عند الانسان، بينما تظل معرفته العلمية محدودة،
نحسب انه لو لم يكن في التراث مضامين خرافية/ لاعقلانية جاهزة لابتكر
الانسان المعاصر مضامين خرافية/ لاعقلانية تحل محلها اشباعا لتلك
الحاجة.
و كيفما
كان امر مجمل ما تقدم من حديث عن الخرافة، لست ادري ان كان هناك من
رأى او حاول تمييز او تعريف الانسان بخرافته كما حاول البعض تمييزه
او تعريفه بنطقه او عقله او تدينه او اخلاقه او غير ذلك من الصفات
التي لم يعد خافيا انها ليس حكرا على الانسان بل تشاركه فيها مخلوقات
اخرى دنيا كالحيوانات و – عند البعض- عليا ايضا كالملائكة بينما من
غير الواضح بعد، مبلغ علمي، ما اذا كان للحيوانات ايضا خرافات كتلك
التي عند الانسان أم أنها أدنى، و ربما ارفع، من ان تخرف كما يخرف
الانسان . و هل يا ترى يمكن ان تكون هذه الخرافة التي نلعنها و
ندينها و نحملها وزر ضعف تفكيرنا العلمي هي ، فقط هي بالذات، التي
لها علينا فضل تميزنا – كبشر– عن غيرنا؟
و ما
تمهد عن الحاجة الى الخرافة و اللاعقلاني يصح على الدين ايضا بقدر
ما يصح ما ذهب اليه كثيرون من ان الدين حاجة انسانية او فطرية.
2- اذا لم يكن
التراث او المورث الثقافي هو السبب في و لا المصدر الوحيد لوجود
الخرافة و اللاعقلاني و غيره مما يعتبر معوقات ثقافية للتفكير
العلمي في المجتمع العربي المعاصر يبقى هنالك مصدر اخر محتمل هو
الثقافة المكتسبة حديثا.. و معلوم ان هناك اليوم خرافات و صور من
اللاعقلانية لا نعرف لها اصلا مباشرا في التراث؛ و لكن ما قد لا
يكون معلوما بذات القدر ان هذه الخرافات و اللاعقلانيات المكتسبة
أي غير الموروثة قد تكون اكثر بكثير مما نظن لانه رغم التسارع
الملحوظ في نمو العقل البشري الا ان هذا العقل ما زال بطيئا في
اكتشاف الخرافة و اللاعقلانية التي يستحدثها صاحبه، و الارجح ان
خلفنا سيكتشفون الكثير من خرافاتنا و لاعقلانياتنا المكتسبة التي
نحسبها- كما حسب اسلافنا خرافاتهم و لاعقلانياتهم - معارف علمية او
عقلية رصينة.
إذن،
الارجح ان الثقافة العربية المعاصرة كما تتضمن خرافات/ لاعقلانيات
موروثة تتضمن ايضا خرافات/لاعقلانيات مكتسبة. ولكن من الواضح ان
أدبيات نقد العقل بينما تركز على الخرافة و اللاعقلاني الموروث لا
نجدها تولي اهتماما يذكر لدراسة الخرافة و اللاعقلاني المكتسبين من
الثقافة الحديثة. و كون ان اكتشاف و تحديد الخرافات/ اللاعقلانيات
الموروثة ايسر من اكتشاف او تحديد الخرافات /اللاعقلانيات المكتسبة
لا يبرر، و ان كان يفسر جزئيا، تركيز ادبيات نقد العقل العربي على
الاولى دون الثانية. و- الاهم من ذلك- ان استمرار بقاء الخرافات/
اللاعقلانيات المكتسبة في دائرة المجهول، سواء لعدم الاهتمام الكافي
بها او للعجز عن اكتشافها، سيظل بلا شك يثير علامة استفهام كبيرة و
مشروعة حول ما اذا كنا على صواب او خطأ في تركيزنا الحالي على
الخرافات/ اللاعقلانيات الموروثة دون المكتسبة منها في البحث عن
معوقات التفكير العلمي في المجتمع العربي المعاصر.
3- كما ان التراث
عموما لا يخلو من تأثير ايجابي على التفكير العلمي فكذلك العناصر
التي اوردتها ادبيات نقد العقل العربي لا تخلو كلها من بعض الآثار
الايجابية على التفكير العلمي بل ان لبعضها على التفكير العلمي آثار
ايجابية كبيرة تحظى بتقدير واسع. و على سبيل المثال، صحيح ان من
الدين ما هو خرافة / لاعقلاني و، بالتالي، مظن اعاقة التفكير العلمي
و لكن صحيح ايضا ان من الدين ما ليس بخرافة وما يستوفي متطلبات
العقلانية بجدارة و يسهم بفعالية في تعزيز التفكير العلمي. و اذا ما
حصرنا الحديث هنا في الدين الاسلامي، باعتباره الدين الغالب في
المجتمع العربي، من الواضح ان من نصوص الاسلام الاساسية ، اعني نصوص
الوحي الالهي، ما يشجع، والى حد ما يفرض، العلم و التفكير العلمي و
التدبر العقلاني بمعنى يشمل، و ان كان لا يقتصر على، التفكير العلمي
التجريبي . وقد مثلت بعض المضامين العلمية المتقدمة التي تضمنها
الوحى مصدر اعجاب و الهام و هداية و اعتبرها البعض احد ابعاد
الاعجاز الاسلامي. و عزز الاسلام حضه على العلم و التفكير العلمي و
العقلاني بتكريس بعض نصوصه للتشديد على وجوب نبذ ما كان سائدا يومئذ
من معوقات العلم كالخرافة و اللاعقلانية بمختلف اشكالها و صورها
كالتطير و السحر و التنجيم و كذا الشرك و الذي كان يمثل قمة
اللاعقلانية و اللامعقول في المجتمع العربي، و التحذير من المصادر
المعرفية للخرافة و اللاعقلانية، و الترغيب عن ما هو مظن الاستدراج
او الانزلاق الى اللاعقلانية كالرهبانية. و امتثالا لكل ذلك اقبل
المجتمع الاسلامي على التفكير العلمي و كرس بعض المسلمين حياتهم
للعلم و لمحاربة الخرافة و اللاعقلاني و شجعت بعض تكاليف الاسلام
المسلمين على تطوير بعض العلوم كحساب المثلثات و علم الفلك و بشكل
عام نبغ و ابدع بعض ابناء الحضارة الاسلامية في مختلف فروع العلم
التجريبي ان لم يكن بتشجيع من الاسلام فعلى الاقل دون ان يجدوا في
نصوص الاسلام ما يمنعهم او يعوقهم من مثل ذلك النبوغ العلمي. و لكل
ذلك استحق الاسلام ، حتى من بعض غير اتباعه، الاشادة بموقفه من العلم
التجريبي و التفكير العلمي.
ليس
ذلك فحسب، بل لا احسب ان من تجاوز الحقيقة القول بان ما تضمنته نصوص
الاسلام الاساسية من اللاعقلاني الذي طالما هاجمته ادبيات نقد العقل
العربي كان له دور كيبر في تحفيز المؤمنين لطلب العلم عموما. و
يعود هذا الدور المحفز الى ان نصوص الوحي التي تبدو لاعقلانية كانت و
مازالت تسبب للمؤمن قلقا عقليا مصدره التقابل بين ما يؤمن به في
قرارة نفسه بان تلك النصوص التي تبدو لاعقلانية هي بالتأكيد عقلانية
في حد ذاتها و انه مأمور بتدبرها و تعقلها و كشف اسرارها قدر
المستطاع و بين ما يحس به من شعور بالتقصير لكونه لم يتمكن بعد من
الارتفاع الى مستوى تعقلها. و إذ من الواضح ان من شأن مثل هذا القلق
ان يدفع صاحبه الى بذل المزيد من الجهد في طلب العلم نحسب ان هذا
الجهد اسهم ليس فقط في نشأة علم الكلام و انما ايضا في ظهور علوم
اخرى من قبيل ما يطلق عليه البعض علم الاسرار او علم الحقيقة او علم
العرفان. و صحيح ان هذه العلوم لا تستوفي معيار العلم بمفهومه
التجريبي وانها او منها ما هي علوم لاعقلانية في تقدير الكثيرين لكن
يبقى علينا ان نتذكر ما كنا لاحظناه في موضع سابق من انه يبدو ان
اصحابها كانوا الاكثر ابداعا و انتاجا للعلم التجريبي و- الاهم من
ذلك هنا - ما تشهد عليه هذه العلوم من ان اللاعقلاني الاسلامي فعلا
اسهم في دفع المؤمنين الى البحث عن العلم و ان كانوا قد اخطأوا
الطريق او الوسيلة اليه احيانا.
و من
الواضح ان ادبيات نقد العقل/ التراث العربي تكاد تخلو من أي حديث عن
التأثير الايجابي للتراث على التفكير العلمي بذات تركيزها على، و
توسعها في، الحديث عن التأثير السلبي للتراث على التفكير العلمي. و
ربما كان هناك مبرر واقعي لاختيار هذه الندوة ايضا الحديث عن فقط
معوقات التفكير العلمي في التراث الا ان من المؤكد ان اكتشاف و انماء
مقومات التفكير العلمي في التراث العربي لا يقل اهمية عن اكتشاف و
ازالة المعوقات التراثية للتفكير العلمي .
4- من الواضح انه-
كما سبقت الاشارة- كما
ان للتراث تاثير سلبي/ ايجابي على الفكر كذلك للفكر تأثيره السلبي/
الايجابي على التراث. فالتراث و
بعض ما ورد كمعوقات ثقافية للتفكير العلمي لا تخلو، كما تقدم، من
مقومات للفكر العقلاني و جوانب او آثار ايجابية على التفكير العلمي.
بيد ان هذه المقومات و الاثار الايجابية لم تسلم من التعرض للتأثير
السلبي للفكر عليه. فمعلوم مثلا ان اسس و تعاليم الدين قد تعرضت لنقد
مكثف من الفكر باسم العلم و المنطق مما جعل مكانته تهتز في قلوب و
عقول الاجيال الحديثة. و بقدر ما تأثر سلبا الدين و اهتزت مكانته
بسب هذا النقد الفكري تأثرت سلبا و اهتزت ايضا ما يتضمنه الدين من
مقومات للتفكير العلمي و الفكر العقلاني. و احسب ان السلبيات
المصاحبة حاليا للفكر العلمي و التي يشكل بعضها مصدر تهديد قوي للبشر
كانت ستكون اقل لو لم يتم تجريد الفكر العلمي من مقوماته الدينية .
كذلك لا تخفى ما يسببه انتشار بعض الافكار المعاصرة الخاطئة و
المدسوسة من جهات مغرضة احيانا من إضرار بلغتنا الموروثة- العربية –
و التي من شأن ضعفها او اندثارها ان يعود بالضرر البليغ ليس على
التراث العربي وحده و انما ايضا على التفكير العلمي في المجتمع
العربي المعاصر. و بينما كان من الممكن ان يسهم اعتناء الدراسات
المعنية بتفاعل التراث/ الثقافة و الفكر العلمي بجانب التأثير
السلبي للفكر على التراث في الحد من فقد الفكر العلمي لبعض مقوماته
التراثية/ الثقافية المهمة نجد ان ادبيات نقد العقل العربي لم تول أي
عناية تذكر لدراسة التأثير السلبي للفكر على التراث الثقافي العربي.
5- وانتقالا بهذه
المراجعة على المستوى الاحصائي من الثقافي الى غير الثقافي، من
اليسير ملاحظة اختلال تركيز ادبيات نقد العقل العربي بين الثقافي و
غير الثقافي في ما يتعلق بالمؤثرات على التفكير العلمي في المجتمع
العربي. و ان عدم حظو دراسة المعوقات غير الثقافية للتفكير العلمي في
المجتمع العربي المعاصر في الفترة الماضية بذات التركيز و الاهتمام
الذين حظيت بهما دراسة المعوقات الثقافية يتطلب ايلاء المزيد من
الاهتمام لإتقان، و التوسع في، دراسة المعوقات غير الثقافية قبل ان
نكون في وضع افضل للحكم على تأكيد كثير من ادبيات نقد العقل العربي
على اولوية المعوقات الثقافية على غيرها.
و اذا
كان من المهم، و نحن نتجادل في اي العناصر او الاشكاليات الثقافية
اكثر اعاقة لتطور العلم التجريبي و التفكير العلمي، ان لا يغيب عن
البال ان اشكالية العلم / التفكير العلمي في المجتمع العربي سواء
ماضيا او حاضرا لم تكن اشكالية ثقافية بحته، موروثة او مكتسبة، بل
كانت و مازالت اشكالية متعددة الجوانب ثقافية معرفية سياسية اقتصادية
اجتماعية ذات ابعاد محلية و خارجية( دولية)، فان مما لا يقل اهمية عن
ذلك ان نتذكر ان الاهتمام بهذه الاشكالية ليس، كما يعتقد الكثيرون،
اهتماما حديث النشأة يعود الفضل فيه الى فقط الفكر النهضوي العربي
المعاصر بل سبقنا اليه – وان في نطاق ضيق و من منظور مختلف- الفكر
الفقهي الاسلامي منذ قرون عدة. و لعل من المفارقات الجديرة بالتدبر
ان نفس الامام الغزالي، فقيه القرن الحادي عشر الميلادي، الذي يأتي
في مقدمة من تحملهم بعض ادبيات نقد العقل العربي وزر تمكين الفكر
الصوفي/ اللاعقلاني على حساب الفكر العلمي العقلاني في المجتمع
العربي الاسلامي، أولى اهتماما ملحوظا لاشكالية طغيان علم الفقه على
بعض العلم الطبيعي كعلم الطب و علم الهندسة و ذهب الى تفسير هذه
الاشكالية تفسيرا ماديا اكثر منه ثقافيا حيث عزا انكباب اهل عصره على
دراسة الفقه دون علم الطب بينما كان مجتمعهم اكثر حاجة للاطباء من
حاجته للفقهاء الى ان دراسة الفقه كانت تعود على خريجيه بعوائد مادية
بينما لم تكن كذلك دراسة علم الطب " فكم من بلدة ليس فيها طبيب ...
ثم لا نرى أحداً يشتغل به ويتهاترون على علم الفقه... فليت شعري كيف
يرخص فقهاء الدين في الاشتغال بفرض كفاية قد قام به جماعة
وإهمال ما لا
قائم به هل لهذا سبب إلا أن الطب ليس يتيسر الوصول به إلى تولي
الأوقاف
والوصايا وحيازة مال الأيتام وتقلد القضاء والحكومة والتقدم به على
الأقران
والتسلط به على
الأعداء"
. و لعل نفس هذا العامل المادي/ الاقتصادي الذي نوه اليه الامام
الغزالي هو ما تشير اليه بعض الدراسات الحديثة الذي تذكر غياب "سوق
العلم" او عزوف المؤسسات الوقفية قديما و المؤسسات الخاصة حديثا عن
تمويل دراسة العلم الطبيعي/ التجريبي في المجتمع الاسلامي يومئذ
كبعض المعوقات الاساسية لتعثر او عدم تواصل حركة العلم في الحضارة
العربية الاسلامية .
اختتام
لعل من الواضح ان
ما سبق من مراجعة او دعوة الى مراجعة بعض مفاهيم و تصورات ادبيات نقد
العقل العربي للعلاقة بين التراث/ الثقافة و الفكر العلمي عموما و
تحديد العناصر التراثية المعيقة للتفكير العلمي في المجتمع العربي
المعاصر خصوصا لا تعني التقليل من اهمية تلك الادبيات و قيمتها
العلمية كما لا تعني إنكار وجود علاقة بين بعض العناصر الموروثة،
بما فيها بعض او كل ما ورد ذكرها في تلك الأدبيات، و التفكير العلمي
وان هذه العلاقة لا تخلو من دور معيق للتفكير العلمي في المجتمع
العربي المعاصر و انه لابد من العمل على معالجة هذا الدور المعيق و
اسبابه و لكنها قصدت، و نأمل ان تكون قد استطاعت، ان توضح ان التفكير
العلمي الذي نرومه جميعا و احيانا ندعي احتكاره دون غيرنا:
اولا - يتطلب عدم
الاكتفاء في دراسة العلاقة بين العقل و التراث/ الثقافة العربيين بما
هو متاح حاليا من دراسات يغلب عليها الطابع النظري البحت، و التركيز
على سلبيات التراث دون ايجابياته، و اغفال سلبيات الفكر على التراث،
و تشوب معظمها عيوب من مثل قيامها على مفاهيم غائمة، و فرضيات يعوزها
الإحكام المنطقي و الاثبات العلمي ، و إحالات الى نصوص انتقائية و
احيانا منتزعة من سياقاتها، و قراءات تأويلية لبعض نصوص التراث لا
تختلف كثيرا عن ما تنتقدها من تأويلات صوفية و عرفانية لنصوص- مثلا-
الوحي و ...الخ .
ثانيا - يستلزم تواصل
الجهود لاستجلاء العلاقة بين العقل و التراث/ الثقافة و العوامل
الاخرى ذات الصلة- و التي لا يمكن بدون دراستها بناء معرفة اكثر
شمولية و دقة علمية لتلك العلاقة- من خلال اجراء بحوث و دراسات اعمق
تستضيء بتوجهات اكثر موضوعية و تستهدي بمناهج بحث بينية اكثر مناسبة
واحكاما و تنبنى على مفاهيم اكثر دقة و وضوحا و ادعى للتوافق العام
عليها و تستعين بمسوحات ميدانية و ادوات بحث كمية و نوعية اصدق و ادق
دلالة و ذلك في اطار مشروع دراسي/ بحثي او سع و متكامل يرمي الى
تحقيق اهداف محددة علميا تشمل – مثلا-:
أ-
الاستقصاء
الشامل لكافة عناصر التراث ذات الصلة- سلبا او ايجابا- بالعلم
والتفكير العلمي في المجتمع العربي المعاصر
ب-
تحديد طبيعة
الصلة او العلاقة من حيث السلبية و الايجابية و الانقطاعية و من حيث
الاتجاه( احادي ام ثنائي)
ج-
تحديد
العوامل ذات الصلة بالتأثير و التأكد من مدى وحجم وجودها في الثقافة
العربية و المجتمع العربي المعاصر
د-
محاولة
بلورة تصور اوضح للحجم الفعلي للتأثير الذي يحدثه كل عنصر
ه-
استجلاء
الفرص التي تتضمنها او تنطوي عليها المعوقات الثقافية الموروثة
للتفكير العلمي
و-
تحليل
الثقافة العربية غير الموروثة أي المكتسبة حديثا و محاولة بيان ما
تتضمنها من معوقات او مقومات ثقافية للتفكير العلمي و تحديد الوزن
النسبي لمعوقات الثقافة المكتسبة و معوقات الثقافة الموروثة لتحديد
الاولويات
ز-
مقارنة
المعوقات الثقافية، الموروثة منها و الحديثة، بالمعوقات غير الثقافية
كالمعوقات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و...الخ و سواء منها
المحلية او الخارجية/ الدولية و ذلك لتحديد الأولويات.
ح-
توظيف الفهم
المكتسب من الدراسة لبلورة مشروع علمي عملي يؤمن نشر و تفعيل الثقافة
العلمية و انتهاض حركة العلم و تعزيز التفكير العلمي الراشد في
المجتمع العربي المعاصر. و لعله لابد من ان يتضمن هكذا مشروع مفهوما
افضل للعلم يحقق تأصيل العلوم بمختلف فروعها و يقترح السبل و الوسائل
المناسبة لمعالجة المعوقات الموروثة و الحديثة و الحد من آثارها
السلبية و استغلال الفرص التي تنطوي عليها و تنمية المقومات
الموروثة و الحديثة و تعزيز الاثار الايجابية
و ربما تكون الاهداف
السابقة قد أبانت ان الجهود الفردية، والتي قامت عليها اساسا
الأدبيات المتاحة حتى الان في الموضوع محل البحث، و ان كانت تقدم
إسهامات اساسية و مقدرة إلا أن من الواضح ان المطلوب اكبر من الجهود
الفردية و انه لابد من رفدها بعمل جماعي منظم و مؤسسي تدعمه جهود و
موارد رسمية و شعبية على غرار ما يحدث في بعض المجتمعات التي سبقتنا
في مجال العمل الثقافي.
و أخيرا، فان ما
نشهده او نشاهده من فتوحات علمية متسارعة مقرونة بإفرازات سلبية
خطيرة احيانا لهيمنة الفكر العلمي التجريبي، و تقدم فكري متواصل، و
ما يبدو تحولا كبيرا و شيكا في التفكير البشري عموما يتطلب منا ان
نقاوم الاستسلام لاغراء التقليد الاعمى للغير و الحرص على ان يكون
لنا إبداعنا العلمي و الفكري من خلال الاستمرار في البحث عن إجابات
احدث و ادق عن ما هو التفكير الذي ينبغي ان نسعى اليه و نلتزم به؟ هل
هو التفكير العلمي ام التفكير العقلاني ام التفكير الأخلاقي ام تفكير
آخر و ما – إن كان- الفرق بينهم؟؟