المحاضرات
المؤلفات

 

الإسلام  والعولمة

 

مقـــاربة تاريخيـــــــة :
إذا ما تجاوزنا الإختلاف في تعريف العولمة وصح أن نتصورها على إنها تقليل أو إختصار و - بقدر ما تيسر - إلغاء أو رفع للحدود والقيود الطبيعية ( المسافات المكانية والزمانية ) والبشرية ( القوانين والمفاهيم والبنيات المقيدة ) وصولاً إلى قدر أعلى من سرعة وحرية الإنتقال والحركة والتفاعل على مستوى العالم ، صح أيضاً القول بأن البشرية ظلت تعمل منذ فجر التاريخ في إتجاه يقود -ربما حتماً - إلى العولمة. فرحلة البشرية نحو تقييد المسافات المكانية والزمانيه يمكن التاريخ لبدايتها ببداية إهتداء الإنسان إلى أو اختراعه وسائل النقل والإنتقال بدءاً بالدواب والمراكب البحرية ومروراً بالحمام الزاجل والسيارات والطائرات والإرسال أو الإتصال الإليكتروني وإنتهاء بالمراكب الفضائية والإنترنت . وبالمثل فإن رحلة البشرية نحو إلغاء القيود البشرية (الإجتماعية) في مختلف المجالات بدأت منذ وقت مبكر من تاريخ البشرية . وعلى سبيل المثال فإن توسيع الوحدة الإجتماعية / السياسية من الأسرة إلى القبيلة ومن القبيلة إلى الدولة - المدينة فالدولة والممالك والإمبراطوريات فإنشاء المنظمات الإقليمية والدولية والتي تتمتع ببعض السلطة على الأعضاء ينطوي على خطوات متصاعدة نحو العولمة السياسية من خلال إلغاء أو تخفيف حدود الدائرة أو البنية الصغرى و- كلما أمكن - دمجها في الدائرة أو البنية الأوسع . ويمكن رصد التطورات المماثلة نحو العولمة في مختلف المجالات بما فيها المجال الديني والذي يلاحظ فيه أن الديانات ، سواء الأرضية أو السماوية ، كانت تنحصر في دوائر صغيرة كالدائرة الشخصية والقبلية والقومية ثم تطورت إلى ديانات عالمية تبشر بحكومات عالمية وقد حققت بعضُها إنتشاراً عالمياً .

ويفيد التاريخ أنه بينما كانت رحلة العولمة تمر برفق ودون مقاومة تذكر في مسارها الطبيعي فإنها كثيراً ما توسلت بالقوة والعنف وواجهت الكثير من الرفض والمقاومة في مسارها البشري (الإجتماعي ).

وتؤكد المقاربة التاريخية للعولمة ثلاثة حقائق أساسية هي :

- إن العولمة ليست من صنع الغرب أو الحضارة الغربية بل هي نتاج مساهمات مُختلف الحضارات البشرية عبر التاريخ . وإذا كان من المؤكد أن تسارع عجلة العولمة مؤخراً قد تزامن مع عصر الحضارة الغربية فإن ذلك لم يكن نتيجة لمساهمات الدول الغربية فقط وإنما شاركتها في ذلك دول أخرى ليس فقط المتقدمة منها ، كاليابان في أقصى الشرق، وإنما بعض الدول النامية أيضا سواء بمواردها أو بعلمائها


- تبدو العولمة في حدها الإطاري أو البنيوي سٌنة كونية لازمت التاريخ البشري منذ بدايته والأرجح أنها سُنة ماضية ليس من المتوقع أن تكف عن الإستمرار لرفض رافض أو مقاومة مقاوم .

-إختلفت المضامين التي سادت في مختلف مراحل العولمة بإختلاف تصورات ومرجعيات القوى أو الحضارات الدافعة الرئيسية في المراحل المعينة.

مقــاربـة إســلاميـة :
يتحدد موقف الإسلام من مختلف وقائع وظواهر هذا الوجود تفسيراً (بيان ماهيتها) أو تقييماً ( بيان الموقف العملي تجاهها ) في إطار أصول دينية أهمها :

- جاء الإسلام لإصلاح البشر وتحقيق مصالحهم ومن ثم فإن المعيار الأساسي لتحديد الموقف القيمي / العملي من أي أمر هومصلحة الإنسان ، ويعبر فقهاء الإسلام عن هذه الحقيقة بقولهم حيثما كانت المصلحة كان حكم الشرع . ومع أن مصلحة المسلم تراعي بوصفه إنساناً إلا أنه ليس بالضرورة أن تكون المصلحة المرعية من قبل الإسلام هي تلك المصلحة التي يتمناها المسلمون .

- إن الإطلاق لله وحده ولا يكاد يُسلم لأي شئ سواه في هذا الوجود الإطلاق خيراً أو شراً و عليه فإن الموقف التقيمي لأي أمر من منظور الإسلام يستدعي الموازنة والترجيح بين الإيجابيات والسلبيات وغالباً ما يرتبط الحكم النهائي بشروط أو أحكام ثانوية تهدف إلى تعظيم الإيجابيات والتحوط ضد السلبيات أو- بتعبير الفقهاء - جلب المصالح ودفع المفاسد .

- العقل البشري المستهدي بالأصول الدينية وأصول الفقه ( القانون ) الإسلامي هو المُناط به تحديد حكم كل ما لم يرد فيه حكم صريح .

وإذا ما نظرنا للعولمة والتي لم يرد فيها حكم صريح وتباينت إزاءها مواقف الكُتَّاب من المسلمين وغيرهم ، في ضوء الأصول أعلاه والمقاربة التاريخية السابقة تتضح مسلمتان أساسيتان :

- ترافق العولمة إيجابيات عبارة عن فوائد أو فرص للإستفادة (فوائد محتملة ) كما ترافقها سلبيات عبارة عن أضرار أو أضرار محتملة . بيد أن من الخطاء إطلاق القول بأن العولمة هي السبب الوحيد لكل مايرافقها من إيجابيات وسلبيات .

- لاتقتصر الإيجابيات ولا السلبيات على طرف معين وإن كانت تتفاوت الحظوظ منها. وتعد طريقة تفاعل الطرف مع العولمة إحدى العوامل الأساسية في تحديد مايليه من إيجابياتها وسلبياتها المحتملة .

وفي وضع كهذا فإن موقف الإسلام لا يكون الحكم بالحل أو الحُرمة ولا الحكم بالرفض أو القبول المطلقين وإنما يتمثل في دعوة البشر إلى التعاون لمعالجة سلبيات العولمة وتعظيم إيجابياتها. ومن الواضح أن مثل هذا التعاون يتطلب قيام حوار جاد وندي بين سائر الحضارات والأطراف الدولية المعنية ، وهو مالن يتسنى بدون أن يتسامى أصحاب الحضارات على خبراتهم التاريخية السلبية ويتحرروا ، وخاصة أصحاب الحضارتين الغربية والإسلامية،من المبالغة في الخوف أو التوجس من الآخر .


ولو قدر لحركة العولمة أن تتحاور تحاوراً إيجابياً مع الإسلام - وكذا مع الحضارات الآخرى - فإن من المؤمل فيه أن يحدث تكامل تستفيد منه البشرية جمعاء خاصة وأن الإسلام دين يتسم بتوجه عالمي تضاهي بنيته بنية العولمة الجارية والتي تطغى عليها حالياً الصبغة الغربية ولكنه يتميز عنها بعدالة مضمونه وسمو وإنسانية منطلقاته ودوافعه ورفق ولين نهجه ووسائله . ولا يسع المجال لتفصيل القول في ذلكم .

وخلاصة القول من منظور الإسلام - ولعله هو نفس مايمليه المنطق- هوإنه بناءاً على طريقة معالجة البشر لها فإن العولمة يمكن أن تكون نقمة أو نعمة و - وفقاً للتطلعات الدينية الشائعة - المسيخ الدجال أو المسيح / المهدي المنتظر .

  محاضرات أخرى