مفهوم
العمل العربي المشترك:
لعله
يستحسن أن نوضح في البدء أن عبارة "العمل العربي المشترك" تستخدم
هنا للدلالة على كل نشاط يخدم او لا يتعارض مع مصلحة الامة العربية
تشترك في ادائه جهات عربية تنتمي الى او تمثل اكثر من قطر عربي. و
بهذا المعنى يتسع المفهوم المعتمد هنا للعمل العربي المشترك ليشمل
الجهدين الرسمي و الشعبي في مختلف مستويات العمل العربي المشترك
بدءا بمستوى الحوار و مرورا بمستويات التنسيق و التكامل و انتهاء
بمستوى الاتحاد الاندماجي و مختلف نطاقاته بدءا بالنطاق الثنائي
الذي يجمع بين قطرين عربيين فقط و مرورا بالنطاق المتعدد و الذي
يجمع بين بضع اقطار عربية و انتهاء بالنطاق القومي و الذي يجمع بين
كافة الاقطار العربية و في كافة المجالات المحتملة للعمل العربي
المشترك بما فيها المجالات الاقتصادية و التعليمية و الثقافية و
الاجتماعية و الامنية و العسكرية و السياسية.
و قد
يفضل او يميل البعض الى حصر مفهوم العمل العربي المشترك في ما يتم
منه على النطاق القومي الشامل و- غالبا- الرسمي فقط. بيد انه لا
يبدو أن هناك مبرر كاف لمثل هذا التضييق و الذي ينطوي على إسقاط
قدر معتبر من العمل المشترك بين الدول العربية من مفهوم العمل
العربي المشترك كما انه يعكس إغفالا غير مقبول لحقيقة و أهمية ما
بين مختلف مستويات و نطاقات و مجالات وانواع العمل العربي المشترك
من ترابط و تداعم لا تعبر عنه النظرة التجزيئية التي يكرسها التضييق
المشار اليه. و ربما كان الدافع وراء هذا الميل عند البعض الى تضييق
مفهوم العمل العربي المشترك هو الرغبة القوية في ارتباط العمل العربي
المشترك بحلم الوحدة القومية ارتباطا ينفي صفة العمل العربي المشترك
عن كل عمل لا يتصل بشكل مباشر بحلم الوحدة القومية. و قد لا يكون
مرد ذلك الميل عند البعض الآخر اكثر من خلط غير مقصود بين مفهوم
العمل العربي المشترك و مفهوم العمل العربي( المشترك) القومي و الذي
قد يكون مناسبا إطلاقه، اصطلاحا و تواضعا، على الجزء من العمل العربي
المشترك الذي يتم على النطاق القومي أي بين كافة الاقطار العربية.
و
بمعناه الواسع المذكور آنفا، يتم العمل العربي المشترك حاليا ليس من
خلال اطار مؤسسي واحد و انما من خلال مؤسسات عدة بعضها رسمية كاللجان
الوزارية المشتركة بين الدول العربية و التجمعات العربية للتعاون
الجهوي او الانتقائي كمجلس التعاون الخليجي و المنظمة القومية
الجامعة ممثلة في جامعة الدول العربية و بعضها شعبية و تمثلها
منظمات المجتمع المدني العربي القومية و دون- القومية.
و من
الواضح مما سبق عدم دقة الميل الشائع الى المضاهاة بين العمل العربي
المشترك و نشاطات الجامعة العربية( جامعة الدول العربية). و لعل من
اسباب مثل هذا الميل أن الجامعة العربية تمثل حاليا الاطار المؤسسي
القومي الجامع الوحيد للعمل العربي القومي العام الرسمي. و ربما
بسبب ذلك و بسبب المضاهاة المشار اليها و كذلك بسبب الاعتقاد السائد
بان البنية المؤسسية او التنظيمية ( الجامعة العربية) هي السبب
الاساسي في تعثر العمل العربي المشترك فان موضوع تطوير العمل
العربي القومي يتم طرحه حاليا ليس تحت عنوان تطوير العمل العربي
المشترك و انما، غالبا، تحت عنوان اصلاح و احيانا تطوير الجامعة
العربية و، نادرا، تحت عنوان تطوير النظام الاقليمي العربي. و بينما
البعض لا يكاد يميز بين كلمتي الاصلاح و التطوير و يستخدمهما لذات
المعنى او المدلول يبدو أن البعض يميز بينهما و يحرص على استخدام
كلمة الاصلاح و ليس كلمة التطوير ربما بقصد الايحاء بضرورة أن يكون
الاصلاح اصلاحا محدودا و بحيث يتم الابقاء على او الاحتفاظ بما هو
محل الاصلاح أي الجامعة العربية. و بالنسبة لكثيرين، فان اصلاح
الجامعة العربية لا يكاد يعني اكثر من تطوير هياكل الجامعة و آليات
صنع القرار فيها.
و لا
شك أن هناك ارتباط بين مضمون و مهام أي عمل و الاطار المؤسسي او
البناء التنظيمي الذي يتم من خلاله هذا العمل و بحيث يصح القول بأن
من شأن تطوير الاطار المؤسسي أن ينعكس ايجابا على ذلك العمل و هو ما
يتيح القول بان من شأن تطوير الجامعة العربية أن ينعكس ايجابا على
مجمل العمل العربي المشترك. بيد أن ذلك لا ينفي أن الاصل في أي عمل
هو الاهداف و المهام المراد انجازها و ليس الاطار المؤسسي الذي لا
يعدو أن يكون وسيلة- و إن كانت بالتاكيد اساسية - لانجاز تلك
الاهداف و المهام . و من هنا فان الاصل في تطوير أي عمل هو البدء
بتطوير اهدافه و مهامه و نشاطاته من خلال تطوير التصور او التنظير
الخاص بذلك العمل و بقدر حجم التطوير في التصور الخاص بالعمل
المطلوب انجازه يتضح حجم و معالم التطوير المطلوب في الاطار المؤسسي
لذلك العمل. و لذلك، ما لم تفهم على انها دعوة لتطوير العمل العربي
المشترك فان الدعوة القائمة لاصلاح الجامعة العربية يمكن أن تبدو،
و قد تكون فعلا ، مقاربة غير محكمة و ربما معكوسة لمهمة اصلاح و
تطوير الوضع الراهن للعمل العربي المشترك و على احسن افتراض لن
تعدو أن تكون محاولة لمعالجة جزئية لبعض اوضاع العمل العربي المشترك.
و
الحاجة الى تطوير العمل العربي المشترك اوضح من أن نحاول تاكيدها
بسرد بعض مبررات و دواعي ذلك التطوير . و من المفترض- في تقديرنا- أن
كل من يرى ضرورة تطوير الجامعة العربية يرى ايضا ضرورة تطوير العمل
العربي المشترك لانه لا معنى للدعوة لتطوير الجامعة العربية ممن يرى
أن العمل العربي المشترك على احسن ما يكون.
و،
مبلغ علمي، لم تظهر من أي جهة عربية،رسمية او شعبية، معارضة علنية
لمبدأ الاصلاح/ التطوير. إلا أنه ربما تساور البعض الظنون او الخوف
من توقيت الدعوة لتطوير الجامعة او الهدف منها بينما قد يساور البعض
الاخر القلق من احتمال فشل الدعوة للتطوير نتيجة للتدخلات الخارجية
او الخلافات الداخلية او عدم وجود اتفاق حتى الان على مضامين
التطوير المطلوب و مداه و منطلقه. وقد يكون هناك – في المقابل- بعض
ثالث يخشى أن تتمخض عملية تطوير الجامعة العربية عن تغيرات تتجاوز
الاصلاح المحدود لها.
و
كيفما كان مدى التوافق العام العربي على مبدأ اصلاح/ تطويرالجامعة
العربية تظل هناك حاجة للتحديد الدقيق لدواعي و اسباب تطوير العمل
العربي المشترك ليس فقط لاقناع من قد يكونوا هناك من متشككين و انما
ايضا لكي يطمئن المتحمسون على أن دعوتهم للتطوير قائمة على اسباب
موضوعية و ليس على ردود فعل عاطفية ربما اثارها الاحباط المتنامي
لدى البعض بسبب تزايد حالات فشل العمل العربي المشترك بينما تتواصل
نجاحات بعض حالات العمل الاقليمي المشترك غير العربي او اثارها مجرد
الرغبة في محاكاة ما شهدته او تشهده بعض المنظمات الدولية و
الاقليمية من تطوير او دعوة للتطوير . كذلك من شان وضوح اسباب و
دواعي التطوير أن يساعد على تبين بعض اسس و ملامح التطوير المطلوب.
دواعي
تطوير الجامعة العربية:
منذ
انشائها عام 1945، شهدت جامعة الدول العربية بعض عمليات التطوير
المحدود من مثل انشاء مجالس وزارية و تاسيس منظمات متخصصة تابعة
للجامعة و ما تم مؤخرا من اقرار انتظام دورات مؤتمر القمة و اعادة
الهيكلة. و منذ وقت ترددت دعوات غير رسمية الى اجراء تطوير مفتوح و
واسع و، احيانا، شامل للجامعة. و مع تراكم آثار حالات فشل الجامعة
و اتضاح المزيد من جوانب قصور آلياتها مع مرور الزمن و ما صاحب ذلك
لاحقا من تسارع تدهور النظام الاقليمي العربي و تنامي التطورات
الدولية ذات الصلة اكتسبت الدعوة لتطوير الجامعة العربية قبولا
رسميا واسعا مما حدا بقمة عمان العربية، في مارس 2001، الى تفويض
الامين العام للجامعة لتقديم خطة لتطوير الجامعة. و قد تم تشكيل
لجنة خبراء للغرض المذكور كما تقدمت بعض الدول العربية بتصوراتها
لتطوير الجامعة العربية .
و مما
يمكن الاشارة اليها هنا من اسباب و دواعي تطوير الجامعة:
التطوير سنة عامة و حاجة اساسية لاي مؤسسة او منظمة بشرية. و في ظل
التطور المستمر ، والذي اصبح حاليا متنامي السرعة، في بيئات المؤسسات
و التغير المتواصل في احتياجات مؤسسيها فان ايما مؤسسة او منظمة يعجز
او يفشل اصحابها في تطويرها فانها لا تلبث أن تقل قدرتها على
المواءمة مع البيئة حولها و تتراجع كفاءتها في الوفاء باهدافها مما
يجعلها تفقد مبررات استمرارها و يعرضها للاضمحلال و من ثم الزوال.
و قد
شهدت البيئة، سواء المحلية او الدولية ، التي نشأت فيها جامعة الدول
العربية منذ اكثر من نصف قرن من الزمان واستمدت منها اهدافها و
مهامها و آليات عملها تغيرا كبيرا – على نحو ما سترد الاشارة الى
بعض ملامحه لاحقا- و لابد للجامعة العربية اذا ما ارادت أن تحسن
اداءها وتطور كفاءتها أن تستوعب المتغيرات التي طرات على بيئتها و في
هموم و احتياجات العرب و اهدافهم.
منذ
البداية لم يخل البناء النظري للجامعة العربية، و الذي صاغته/ اقرته
فقط سبعة من الدول العربية التي يبلغ عددها حاليا 22 دولة، من بعض
اوجه القصور و قد كشفت التجربة و الممارسة الممتدة عبر عمر الجامعة
عن مزيد من اوجه القصور. و لان المعالجات التي تمت لاوجه القصور تلك
كانت محدودة ترتب عليها تراكم اوجه القصور وبرزت بوضوح الحاجة الى
معالجة واسعة و شاملة لها.
ضعف
اداء الجامعة على النحو المعروف و الايجاز الوارد عنه لاحقا. و هو
ضعف يبدو أن من المتعذر معالجته بشكل سليم بدون اجراء تطوير ملموس
للجامعة.
رافق مسيرة الجامعة منذ نشأتها شعور
لدى الكثيرين من الاعضاء بان الجامعة لا ترقى لطموحاتهم او لا
تناسبها. و مما يؤكد ذلك انه كان و ما زال هناك دائما قدر معتبر من
العمل العربي المشترك او محاولات العمل العربي المشترك يتم خارج
اطار الجامعة. و قد اقدم جل[1]
اعضاء الجامعة في اوقات مختلفة على اقامة اتحادات او منظمات دون-
قومية( جهوية او انتقائية او ثنائية)، و البعض منهم انضموا او تطلعوا
للانضمام الى منظمات اقليمية غير عربية بحثا عن منظمة اكثر فعالية و
تحقيقا لطموحاتهم و منهم من هدد بالانسحاب من الجامعة. و لا يخفى
ما في كل ذلك من تهديد لبقاء الجامعة اذا ما هي استمرت على وضعها
الراهن دون تطوير.
تبلور
اقتناع عام لدى الشعب العربي و حكوماته بالحاجة الى تطوير الجامعة، و
أن عدم استثمار هذا الاقتناع العام سيعني بالضرورة تضييع فرصة
مواتية للتطوير و قد يسفر عن مزيد من الاحباط الذي لا تحمد عواقبه، و
لا يستبعد أن تشكل ما قد يدفع اليه هذا الاحباط من ردود فعل غير
مدروسة تهديدا ليس فقط لاستمرارية الجامعة و انما للوجود العربي
برمته.
اذن
هناك اسباب موضوعية تستدعي تطوير الجامعة العربية. و كما سبقت
الاشارة فان الحاجة الى تطوير الجامعة العربية تعكس الحاجة الى تطوير
العمل العربي المشترك.
و
بينما يبدو أن هناك - كما تقدم- اتفاق عام على ضرورة تطوير العمل
العربي المشترك/ الجامعة لا نجد اتفاقا عاما مثيلا على مدخل هذا
التطوير. فهناك من يرى أن ضعف العمل العربي المشترك / الجامعة
العربية هو نتيجة مباشرة لضعف اعضاء او اطراف العمل العربي المشترك/
الجامعة العربية و بالتالي فان المدخل السليم لتطوير العمل العربي
المشترك/ الجامعة العربية هو المدخل الذي يبدأ ليس بمحاولة تطوير
العمل العربي المشترك / الجامعة العربية و انما بتطوير الاعضاء او
الاطراف أي الدول العربية.
و لا
شك أن هناك علاقة وثيقة بين مدى تطور او ضعف المؤسسة او العمل
المشترك و مدى تطور او ضعف اعضاء المؤسسة او اطراف العمل المشترك، و
لعل من شأن المقارنة، و لو على عجل، بين المؤسسات الاقليمية القائمة
في العالم و اعضائها من حيث مدى التطور او الضعف أن يؤكد تلك العلاقة.
و لذلك من الصحيح القول بانه بقدر ما أن ضعف العمل العربي المشترك/
الجامعة العربية يعود الى ضعف الدول العربية فان من شان تطوير الدول
العربية أن ينعكس ايجابا على تطوير العمل العربي المشترك/ الجامعة
العربية. بيد انه لا يبدو صحيحا القول بان تطوير العمل العربي
المشترك / الجامعة العربية يستلزم الاقتصار على البدء بتطوير الدول
العربية و لا يتطلب بذل أي جهود مباشرة لتطوير العمل العربي المشترك/
الجامعة العربية. و مرد الخطأ في هذا القول هو انه – اولا- يغفل عن
أن العلاقة بين العمل العربي المشترك/ الجامعة العربية من جهة و
الدول العربية من جهة اخرى ليس علاقة احادية الاتجاه يتأثر بموجبها
مستوى او وضع العمل العربي المشترك بمستوى او وضع الدول العربية و
انما هي علاقة ثنائية الاتجاه تتبادل بموجبها طرفاها التاثر و
التاثير و – ثانيا- يغفل كذلك عن أن تأثير تطور دول منطقة على
نظامها الاقليمي ليس تأثيرا تلقائيا او حتميا و انما يفتقر الى
ارادة و جهد- من تلك الدول- موجهين مباشرة لتطوير نظامها الاقليمي و
لا يؤكد استقراء الواقع أن كل الدول الاكثر تطورا في منطقة ما اكثر
حرصا على تطوير النظام الاقليمي لتلك المنطقة و- ثالثا- ينطوي على
خطورة احتمال تشجيعه اتجاه وقف او، على الاقل، اهمال العمل العربي
المشترك لكونه تقديم العمل على تطوير الدول العربية على العمل على
تطوير العمل العربي المشترك بينما قد لا يتسنى ابدا ، في العصر
الراهن ، تطوير الدول العربية كما ينبغي بدون العمل العربي
المشترك.
و
لذلك فان الارجح هو أن المدخل الاوفق لتطوير العمل العربي المشترك/
الجامعة العربية هو المدخل المزدوج و الذي يزاوج بين تطوير الدول
العربية و تطوير العمل العربي المشترك و الجامعة العربية في آن واحد
و بجهود متزامنة و متكاملة .
و
بالرغم من اهميته القصوى فان تطوير الدول العربية لا يدخل ضمن اهتمام
هذه الورقة و التي تعنى اساسا بتطوير العمل العربي المشترك. و- في ما
نقدر- يتطلب تطوير العمل العربي المشترك القيام بخطوات اساسية لعل
اهمها:
تطوير
التصور العربي للعمل العربي المشترك و مؤسساته
حشد
الدعم اللازم لاجازة و اعتماد تصور تطوير العمل العربي المشترك و
مؤسساته
تحريك
مختلف القوى العربية للقيام بادوارها المناطة بها في تنفيذ التصور
المعتمد لتطوير العمل العربي المشترك و مؤسساته باقصى ما يمكن من
الكفاءة و الفعالية حتى لا يكون مصير التصور المعتمد هو نفس مصير
العديد من قرارات العمل العربي المشترك التي لم تنفذ و ظلت مجرد حبر
على ورق.
و من
غير أن يعني ذلك التقليل من اهمية مسألة التنفيذ، يتم التركيز في ما
يلي على مسألة تطوير التصور العربي للعمل العربي المشترك مع التطرق
بايجاز الى حشد الدعم اللازم لاعتماد ذلك التصور.
موجهات تطوير التصور العربي للعمل العربي المشترك:
لاشك
أن مهمة بلورة او وضع تصور يؤسس لتطوير العمل العربي المشترك تتطلب
جهدا جماعيا و منظما يقوم به ذووا التخصصات العلمية ذات الصلة و قادة
الرأي العام و ممثلوا الشعوب و الاقطار العربية في ضوء توجهات و آراء
الشعب العربي . بيد أن اهمية الجهد الجماعي المنظم لا يتعارض مع
اهمية ما قد يبادر به البعض من اسهامات فردية تتكامل معا لترفد الجهد
الجماعي المأمول.
و في
تقدير هذا الاسهام الفردي فان وضع تصور يتأسس عليه تطوير العمل
العربي المشترك يتطلب بدءا تحديد الموجهات ( الاسس و المحددات
والمعايير) التي توجه و ترشد و تضبط تحديد مضامين و تفاصيل التصور
الذي سيقود و يوجه عملية التطوير. و من شأن اتقان تحديد تلك الموجهات
المساعدة في اتقان تحديد مضامين تصور تطوير العمل العربي المشترك و
كذا المساعدة في التحوط ضد العشوائية في التطوير و ضد أي محاولات
محتملة لاجهاض عملية التطوير من قبل المتربصين بالعمل العربي المشترك.
و لعل من الواضح أن ذات الموجهات يمكن أن تمثل، او تستخلص منها،
معايير يمكن الاستناد اليها في تقييم ما قد يطرح من تصورات لتطوير
العمل العربي المشترك.
و
يستدعي التحديد الامثل لموجهات تطوير التصور العربي للعمل العربي
المشترك القيام بمهام لعل من اهمها:
أولا:
دراسة الواقع الراهن و متغيراته في ما يتعلق بالعمل العربي المشترك و
المؤثرات عليه مع التركيز على تحديد :
فرص
و قيود التطوير الناشئة عن التغيرات في بيئة العمل العربي المشترك ،
سواء البيئة المحلية( العربية) او الاقليمية ( الجوار العربي) او
الدولية.
مظاهر
و عوامل نجاح( فرص) و تعثر ( قيود) نشاطات العمل العربي المشترك و
اطره المؤسسية او التنظيمية القائمة.
ثانيا:
دراسة واستيعاب التصورات العربية لمستقبل العمل العربي المشترك(
الواقع المحتمل).
دراسة
الواقع الراهن للعمل العربي المشترك:
1- بيئة العمل العربي المشترك (قيود و
فرص التطوير):
تشمل
البيئة الحالية، الدولية و الاقليمية و المحلية، للعمل العربي
المشترك اوضاعا تعود الى وقت بداية مأسسة العمل العربي المشترك
القومي في التاريخ المعاصر ، من خلال تاسيس جامعة الدول العربية في
عام 1945، و اوضاعا اخرى استجدت منذ ذلك التاريخ. و تضم التطورات او
الاوضاع التي استجدت جوانب ايجابية تتيح فرصا و امكانات ينبغي
الافادة منها في تطوير العمل العربي المشترك و جوانب اخرى تشكل
قيودا او، على الاقل، تحديات للعمل العربي المشترك و عملية تطويره.
و بالمثل فان الاوضاع التي ظلت تشكل جزءا من بيئة العمل العربي
المشترك منذ البداية تضم جوانب ايجابية ( فرص) و اخرى سلبية ( قيود).
و حتى ياتي التصور المنشود لتطوير العمل العربي المشترك مستوعبا
لمختلف القيود و التحديات و الفرص المشار اليها لابد من دراسة شاملة
و متعمقة لبيئة العمل العربي المشترك بهدف تحديد و حصر تلك القيود و
التحديات و الفرص تمهيدا لاستيعابها .
و
بينما يتعذر الوصول الى تحديد دقيق و شامل للفرص و القيود و
التحديات المشار اليها وبيان مدى اهمية كل منها بدون اجراء ما يلزم
من دراسة متعمقة للبيئة فان الكثير من تلك الفرص و القيود و
التحديات هي من الوضوح بحيث لا يحتاج ادراكها او ملاحظتها الى مثل
تلك الدراسة و يمكن الاشارة الى بعض تلك القيود و التحديات و الفرص
الظاهرة في ما يلي:
قيود
قانونية:
يبدو
أن بعض المنظمات الدولية/ الاقليمية التي ظهرت بعد اعتماد ميثاق
جامعة الدول العربية، و الذي يمثل التصور الرسمي النافذ للعمل العربي
المشترك القومي، تشكل مصدر قيود او ضغوط قانونية على العمل العربي
المشترك او تحرك الجامعة العربية سواء بسبب بعض بنود مواثيق تلك
المنظمات او بسبب بعض ما قد تتخذها من قرارات تتعلق بالشأن العربي.
و على سبيل المثال، يتضمن ميثاق منظمة
الامم المتحدة و التي نشأت بعد قيام الجامعة العربية كمتغير دولي
قيدا على العمل العربي المشترك و حركة الجامعة العربية، و ربما سائر
المنظمات الاقليمية، في مجال الامن من حيث ما تشترطه من ابلاغ منظمة
الامم المتحدة في حالة اتخاذ إجراءات امنية تجاه نزاع اقليمي ما مع
امكانية أن تصنف منظمة الامم المتحدة - حقا او خطأ - ذلك النزاع
نزاعا دوليا يخضع لادارتها و ليس لادارة العمل المشترك الاقليمي/
المنظمة الاقليمية[2].
كذلك
قد تصدر عن مجلس الامن الدولي قرارات تفرض على الدول العربية, باسم
الشرعية الدولية او القانون الدولي، معاملة احداها او بعضها على نحو
لا يتفق مع مبدأ التضامن العربي او الارادة العربية المشتركة كما في
حالة قرارات المجلس التي فرضت او تفرض من حين لاخر عقوبات دولية على
دول عربية . و تزداد قيدية المنظمة الدولية على المنظمات الاقليمية
وخاصة ، عمليا، المنظمة الاقليمية العربية (الجامعة العربية) مع
تزايد احتمالات سوء استغلال المنظمة الدولية- كما هو الحال حاليا- في
اصدار قرارات دولية تحد من خيارات العمل العربي المشترك.
و
بالمثل تتضمن عدد من الاتفاقيات الدولية قيودا او قيودا محتملة على
بعض النشاطات الاستراتيجية المحتملة للعمل العربي المشترك كما في
حالة، مثلا، المعاهدات الدولية التي تضع سقفا لامكانيات التسلح
العربي.
و من
القيود القانونية على مستوى البيئة المحلية الالتزامات القانونية
الناشئة عن الاتفاقيات او التفاهمات التي ابرمتها بعض الاطراف
العربية مع اسرائيل و التي تعوق احيانا اجماع اطراف العمل العربي
المشترك على بعض اساليب التعامل مع القضية الفلسطينية و الاحتلال
الصهيوني للاراضي العربية. و على سبيل المثال يلاحظ أن الدول
العربية التي لها علاقات مع اسرائيل تميل الى مقاطعة اجتماعات لجنة
المقاطعة التابعة للجامعة العربية.
قيود
سياسية/عملية:
من
الواضح أن للنظام العالمي و خاصة قيادته سياسات دولية تتداخل و
تتعارض احيانا مع سياسات الانظمة و المنظمات الاقليمية بشكل يحد من
خيارات هذه المنظمات الاقليمية. و صحيح أن كل المنظمات الاقليمية
تقريبا، بما فيها الاكثر نجاحا و تطورا و الاقرب لقيادة النظام
العالمي كالاتحاد الاوربي، تتعرض للضغوط و القيود التي تفرضها بعض
سياسات النظام العالمي او قيادته بيد ان من الصحيح ايضا أن هذه
القيود و الضغوط تختلف طبيعة و سعة و حدة من منظمة الى اخرى و انها
تبلغ اقصاها في حالة النظام الاقليمي العربي حيث انها تتعدى المجالات
الدفاعية و العسكرية و التي تكاد تشترك فيها، وان بدرجات متفاوتة، كل
المنظمات الاقليمية الى المجالات السياسية و الاقتصادية و التقنية و
– مؤخرا- الثقافية و الحضارية. و مع أن بعض تلك السياسات الدولية لا
تخلو من ايجابيات ربما بعضها غير مقصودة الا أن الغالب في توجهاتها
المتعلقة بالنظام الاقليمي العربي و العمل العربي المشترك و القضايا
العربية القومية انها لا تلتزم العدل و لا الشرعية الدولية و لا
الحياد بل لا تخلو من التآمر الخسيس و أن القوى التي تقف خلف هذه
التوجهات لا تتردد كثيرا في اللجوء للقوة العسكرية لتحقيق مآربها في
العالم العربي . و مما تجدر ملاحظته بهذا الصدد أن الوجود / التدخل
الاجنبي المسلح و الذي كان قد تراجع او تلاشى مع انتهاء عهد
الاستعمار الاوربي عاد و تناما مرة اخرى في المنطقة العربية سواء في
شكل ضربات جوية خاطفة او احتلال سافر او استعمار استيطاني او قواعد
عسكرية . و كثيرا ما يسبب هذا الوجود الاحنبي المسلح نزاعات داخلية
تعوق العمل العربي المشترك القومي و يضع سقفا مفروضا على بعض اهم
مجالات التعاون.
على
المستوى المحلي ايضا هناك عدة قيود سياسية/ عملية تحول دون تفعيل
العمل العربي المشترك و لعل من اهم تلك القيود:
- وجود
خلافات بين الدول العربية على قضايا اما ثنائية او قومية. و من
القضايا الثنائية المثيرة للخلافات نزاعات الحدود و جماعات المعارضة
. و تضم القضايا القومية الخلافية قضايا مثل الموقف من التطبيع مع
اسرائيل و التصدى المسلح لها و القواعد/ التسهيلات العسكرية
الاجنبية و الوضع في العراق
ضعف
الرغبة / الارادة السياسية في تعزيز او تطوير العمل العربي المشترك
و خاصة الى ما بعد مستويات معينة. اذ يبدو ان تطوير العمل العربي
المشترك الى مستوى – مثلا- قيام كيان عربي فوق- قطري او كيان قومي
يتمتع بسلطات ملزمة امر غير مرغوب لدى جل، و ربما كل، الأنظمة
العربية او بعض عناصرها. وربما كان من اهم اسباب ذلك خوف هذه
الانظمة و العناصر من التقليص المحتمل لسلطاتها و امتيازاتها او
مشاركتها فيها، و تخوف بعضها من أن السلطة فوق- القطرية قد تستأثر او
تنفرد بها الدول او الجهات الاقوى اقليميا. كما تخشى هذه الانظمة و
العناصر من أن القبول بسلطة فوق- قطرية ينطوي على احتمال التعرض
مستقبلا للمطالبة بتنفيذ قرارات غير مرغوبة صادرة عن الكيان فوق-
القطري او للمساءلة او الاستيضاح او الطعن سواء من قبل الكيان فوق
القطري او من قبل مواطنيها الذين قد تتيح لهم أجهزة الكيان فوق-
القطري فرصا للطعن في او التصدي لبعض تصرفات الأجهزة القطرية او
المسئولين فيها. و لان ايا من الانظمة او العناصر المشار اليها ليس
من السوء بحيث تجاهر دائما برغبتها او حرصها على عدم تجاوز العمل
العربي المشترك مستويات معينة فان التعبير عن هذه الرغبة غالبا ما
يأتي مغلفا بحجج اخرى اهمها حجج السيادة و حجج ضرورة التدرج. بيد
أن مما يشكك في مصداقية مثل هذه الحجج و يرجح التعليل السابق – اولا-
وجود سلطة اقليمية عليا لا تضر بالضرورة بالسيادة الوطنية و تعطي
تجربة الاتحاد الاوربي مثالا لامكانية الجمع بينهما و – ثانيا-
اقدام او استعداد بعض ذات الانظمة و العناصر التي تتعلل بالسيادة
الوطنية على التنازل عن بعض مظاهر السيادة الوطنية لقوى دولية في
سبيل تأمين ، مثلا، الامن او المساعدات و – ثالثا- تمسك ذات
الانظمة ا و العناصر بالحد من، و التحكم في، المشاركة المحلية
الحقيقية من قبل المواطنين في السلطة رغم أن هذه المشاركة لا تهدد
السيادة القطرية و رغم مضي وقت يعد كافيا - اكثر من نصف قرن- للتدرج
المطلوب.
اختلاف الانظمة او الاطر السياسية و
التفاوت الكبير- و إن بدأ مؤخرا ينكمش- في الاوضاع الاقتصادية[3]
بين الدول العربية من شأنه أن يحد من بعض خيارات العمل العربي
المشترك التي قد تتضمن اعباء اضافية محتملة مثل الوحدة الاندماجية و
حريات التنقل و الاقامة و العمل للمواطنين العرب
تحديات:
منذ
البداية، يواجه العمل العربي المشترك تحديات ناشئة عن البيئة التي
تحيط به و خاصة نتيجة للتداخل الجغرافي و السكاني بين الاقليم
العربي و الجوار العربي. فجغرافيا هناك الخلافات الحدودية او
الاقليمية بين بعض الدول العربية المحيطية و بعض دول الجوار العربي (
ايران و تركيا و اسبانيا مثلا) كما أن اهم انهر الاقليم العربي(
النيل و دجلة و الفرات و السنغال) تنبع من دول الجوار العربي . و
سكانيا توجد اثنيات غير عربية في بعض الدول العربية و خاصة المحيطية
( السودان و العراق مثلا) كما توجد اقليات او جاليات عربية في او
خارج بعض دول الجوار العربي . وقد ظلت هذه التداخلات مصادر محتملة
لتحديات تواجه النظام الاقليمي العربي و كثيرا ما استغلتها قوى
اجنبية لخلق مشكلات و فرض ضغوط على النظام الاقليمي العربي او بعض
دوله و اعاقة العمل العربي المشترك.
و قد
شهدت بيئة العمل العربي المشترك بعض المستجدات التي ظهرت مؤخرا و
اصبحت تشكل تحديات للعمل العربي المشترك و مؤسسته – الجامعة العربية-
بما تنطوي عليه من اهداف مضمرة او منافسة تهدف او قد تقود الى تقويض
العمل العربي المشترك، او اغراءات قوية يمكن أن تصرف الدول العربية
او بعضها عن الاهتمام الكافي بالعمل العربي المشترك، او تهديدات يمكن
أن تتحول الى مخاطر تعوق العمل العربي المشترك. و من تلك المستجدات
:
بعض
المشاريع المطروحة حاليا على الساحة العربية كمشاريع الشرق- اوسطية
و الاورو- متوسطية و الشراكة مع امريكا و التي تهدف اساسا الى
ادماج اسرائيل في دول المنطقة و ربما تفتيت النظام الاقليمي العربي
.
ما
انتهى اليه تنامي الاعتماد المتبادل بين الدول من تشابك المصالح
الدولية و تنامي مصالح القوى الاجنبية داخل المنطقة العربية على نحو
زاد من تدخلاتها و ضغوطها و، احيانا كثيرة، اطماعها في المنطقة تحت
مبرر الحفاظ على مصالحها.
و
تشمل التحديات كذلك حركة العولمة و تنامي التكتلات الاقليمية على
نحو يضع الجامعة والعالم العربي أمام إما خيار تحسين الاداء
وتكثيف العمل العربي المشترك و رفع سقف التعاون و التوحد و إما خيار
الاضمحلال و التحلل التدريجي و التبعية وربما الزوال.
فرص و
امكانات:
كما
تضمنت قيودا و تحديات، تضمنت بيئة العمل العربي المشترك ايضا مستجدات
تتيح فرصا و امكانات لتطوير العمل العربي المشترك . و على سبيل
المثال، شكلت التطورات الدولية اللاحقة لنشأة الجامعة العربية تحديا
للمفهوم القديم للسيادة القطرية او الوطنية والذي مثل محددا اساسيا
لتصور الدول العربية التي صاغت ميثاق الجامعة العربية للعمل العربي
المشترك حيث عملت تلك التطورات على تشذيب السيادة القطرية و احيانا
تآكلها لصالح التفاعل الخارجي و التدخل الدولي و العمل الاقليمي حتى
تكهن البعض بقرب انتهاء عصر الدولة القطرية/ القومية و بروز عصر
التجمعات الاقليمية. و من الواضح ان من شأن مثل هذا التطور ان يساهم
في الحد من تعلل البعض بالسيادة القطرية في تحجيم العمل العربي
المشترك. و من غير العسير ايضا ملاحظة ان ذات المنظمات و المواثيق و
المتغيرات الدولية و الاقليمية التي سبقت الاشارة الى بعض ما تمثلها
او تفرضها من قيود تتيح ايضا فرصا و امكانات( كالموارد المالية و
الخبرات الفنية و منتديات الحوار) يمكن الافادة منها في دعم العمل
العربي المشترك اذا ما احسن القائمون على هذا الاخير ادراك تلك الفرص
و الامكانات و استيعابها و توظيفها لتحقيق الاهداف المشتركة ( مثل
تمويل التنمية العربية و تسويق القضايا العربية في المحافل الدولية).
و لاشك أن تجارب العمل الاقليمي المشترك غير العربي ، سواء المتقدمة
او المتخلفة، تتضمن دروسا يمكن أن يستفيد منها و يستهدي ببعضها العمل
العربي المشترك خاصة و ان الجامعة العربية تتوافر على رصيد من الخبرة
و المعرفة المكتسبتان من تعاملها المباشر مع كل من الاتحاد الاوربي و
منظمة الوحدة الافريقية. كذلك يمكن تحويل التحديات المشار اليها
سابقا الى دوافع و حوافز لمزيد من التطوير للعمل العربي المشترك/
الجامعة العربية بدلا من أن تشكل عوامل تثبيط و اعاقة له وذلك بحسن
فهمها و المواءمة معها و استحضار الكياسة و الحس القومي ، وليس فقط
الحس القطري او الجهوي، في التعامل معها.
على
المستوى المحلي ايضا، جاءت بعض التطورات داعمة للعمل العربي المشترك
و فرص تنميته و تعزيزه. فمقارنة بوضعه عند بداية العمل العربي
المشترك القومي في التاريخ المعاصر شهد العالم العربي تطورات ايجابية
ملموسة على المستويات الشعبية و السياسية و الاقتصادية، و منها:
ربما
كان من اهم ما يتصل بموضوعنا هذا مما شهده العالم العربي من تطور
ملموس على المستوى الشعبي - اولا- تزايد وعي و دور الشعب العربي في
الشأن العام (القطري و الى درجة اقل القومي) و خاصة سياسيا و
تشريعيا و مدنيا و- ثانيا- تنامي تعارف الشعوب العربية مع بعضها
البعض نتيجة لتزايد كثافة الانتقال البشري بين الدول العربية سواء
لاسباب معيشية او تعليمية او سياحية او ... الخ و لتزايد التواصل
الاعلامي و الثقافي بينها و – ثالثا- التقارب المتنامي بين الاتجاهات
السياسية و الفكرية الرائجة في العالم العربي و- رابعا- زيادة الوعي
الشعبي باهمية العمل العربي المشترك و ضرورة تطويره. و يعتقد أن هذه
التطورات، و إن كانت قد لا تخلو من بعض الاثار السلبية المحدودة،
تمثل عموما متغيرات ايجابية بالنسبة للعمل العربي المشترك.
على
الصعيد الاقتصادي، بدأ المستوى الاقتصادي بين الدول العربية يتقارب
اكثر بعد أن شهد تفاوتا واسعا خاصة في عقدي السبعينات و الثمانينات و
بقدر ما يعتقد أن ذلك التفاوت الواسع ربما كان احد العوامل غير
المشجعة على بعض نواحي العمل العربي المشترك كالوحدة الاقتصادية
القومية يتوقع أن يكون التقارب عاملا مساعدا في تشجيع العمل العربي
المشترك في تلك النواحي . و مع الاجراءات التعسفية التي تعرضت او
باتت تتعرض لها بعض الاستثمارت العربية و المصالح و العلاقات
العربية عموما في الغرب و التحسن النسبي في الوضع القانوني و
السياسي للاستثمار في الدول العربية يتوقع أن يقل خوف المال العربي
من الاستثمار في العالم العربي وتزداد المشاريع المشتركة و من شان
كل ذلك تشجيع العمل العربي المشترك.
سياسيا، تناما التوجه الديمقراطي في الاقطار العربية و هو ما يتوقع
أن يشجع الدور الشعبي في الشأن العام القطري و ، من ثم، الشأن العام
القومي و العمل العربي المشترك.
2- مظاهر وعوامل نجاح و تعثر العمل
العربي المشترك و أطره المؤسسية:
لقد
تمخض العمل العربي المشترك عموما عن انجازات و اخفاقات مختلفة
للجامعة العربية نصيب منها سنعرض له بايجاز لاحقا. و لعل من اهم
انجازات العمل العربي المشترك خارج اطار الجامعة العربية تنامي
العمل العربي المشترك الشعبي المنظم وغير المنظم من خلال تواصل تجاوب
الجماهير مع القضايا القومية و تزايد عدد و نشاطات منظمات المجتمع
المدني العربي القومية و دون- القومية في مجالات مختلفة بما فيها
المجال السياسي( التظاهرات و المؤتمرات و الدعم المادي للقضايا
القومية و المقاطعة الشعبية لاسرائيل) و المجال الحقوقي( منظمات
حقوق الانسان العربية) و الاكاديمي ( مراكز الدراسات الخاصة التي
تعنى بالشئون القومية) و الاقتصادي ( المشاريع الافتصادية المشتركة
الخاصة) . كذلك نما العمل العربي المشترك الرسمي دون- القومي،
سواء في اطاره الثنائي اوالمتعدد الاطراف، من خلال الجهود التعاونية
و التكاملية التي بذلت في مجالات مختلفة و خاصة المجال الاقتصادي و
الامني و التعليمي و الثقافي و من خلال المحاولات الوحدوية
المتكررة بين بعض الاقطار العربية. و قد اثبت العمل العربي المشترك
الشعبي و العمل العربي المشترك الرسمي دون- القومي تقدمهما على العمل
العربي المشترك الرسمي القومي في بعض النواحي مثل التصدى المباشر
لقوى العدوان و حرية الانتقال للمواطنين على التوالي.
و من
بين اسوأ اخفاقات العمل العربي المشترك خارج اطار الجامعة اخفاق
العمل العربي المشترك الشعبي في دفع الجهات الرسمية للارتقاء بالعمل
العربي المشترك الرسمي الى مستوى المصالح القومية و التحديات التي
تواجه العالم العربي و اخفاقه في تعظيم دور الاسلحة الشعبية في
مقاومة القوى المعادية كسلاح المقاطعة الشعبية لسلع تلك القوى و
اخفاقه في تامين الدعم الشعبي الكافي للقضايا و النضالات القومية
كانتفاضة الاقصى. و من اخفاقات العمل العربي المشترك الرسمي دون-
القومي التجارب الوحدوية الفاشلة و عجز اللجان الوزارية الثنائية و
مجالس التعاون الجهوي عن الاقتراب من الطموحات المتواضعة على
المستوى العملي.
و
عموما تراوحت نتائج جهود و محاولات العمل العربي المشترك الشعبي و
العمل العربي المشترك الرسمي دون- القومي في مختلف المجالات بين
النجاح المحدود و الفشل الذريع مما اتاح خبرة عملية متنوعة و ثرية-
في مجال العمل العربي المشترك خارج اطار الجامعة- يمكن الافادة منها
في استنباط موجهات تعين على بلورة التصور الانسب لتطوير العمل
العربي المشترك.
على
المستوى المؤسسي او التنظيمي، من الواضح – كما سبق الذكر- أن العمل
العربي المشترك يتم من خلال اطر تنظيمية متعددة و متنوعة حيث يتم
العمل العربي المشترك الشعبي اساسا من خلال منظمات المجتمع المدني
العربي سواء التقليدية او الحديثة بينما يتم العمل العربي المشترك
الرسمي من خلال ترتيبات او منظمات حكومية متعددة لعل اهمها هي اللجان
الوزارية المشتركة الثنائية، و مجالس التعاون الجهوي، و– على
المستوى القومي- الجامعة العربية. وقد تزيد مؤخرا الاهتمام الرسمي
و الشعبي بمأسسة العمل الشعبي من خلال الحث و الاقبال على تكوين
منظمات المجتمع المدني و خاصة على المستوى القطري، و لعل ذلك يعود
اساسا الى تزايد الوعي العام باهمية منظمات المجتمع المدني و
التشجيع الدولي المتنامي لهذا النوع من المنظمات. و قد تمكنت بعض
هذه المنظمات من الارتقاء الى مستوى التعاون و التنسيق في ما بينها
في ما يخص العمل العربي المشترك و نجحت بعضها في تكوين شبكات او
اتحادات قومية الا انها ما زالت عموما ضعيف او محدود الفعالية. و
بينما لا يكاد الاهتمام باللجان الوزارية الثنائية يتجاوز الدول
المعنية و لا تحظى مجالس التعاون الجهوي باهتمام ايجابي يذكر على
المستوى القومي يبدو أن الجامعة العربية هي- نسبيا- الاوفر حظا ، و
خاصة في هذه الايام، بالاهتمام القومي عندما يتعلق الامر بدراسة او
تقييم و تقويم الاطر المؤسسية للعمل العربي المشترك.
و
لعله ليس امرا غير مبرر أن يتركز الاهتمام القومي على الجامعة
العربية طالما انها تمثل الاطار المؤسسي القومي الجامع الوحيد. ولكن
من غير المبرر حصر جهود الدراسة و التقييم على الجامعة العربية دون
الاطر التنظيمية الاخرى ليس فقط لان هذه الاطر تقوم ايضا بدور في
العمل العربي المشترك وبالتالي فهي تستحق الدراسة من اجل التقييم و
النظر في امكانية تطويرها و انما ايضا لان من شأن مثل هذه الدراسة أن
تمهد للتحليل المقارن و الذي يتيح فرصا اوسع للتأكد من مدى صحة و
اهمية ما قد تصل اليه الدراسات الخاصة بالجامعة من استنتاجات بخصوص
العوامل المؤثرة على نجاحاتها و اخفاقاتها. كذلك من غير المستبعد أن
تتكشف دراسة مختلف الاطر التنظيمية القائمة للعمل العربي المشترك عن
تجارب تنظيمية ايجابية قد تكون صالحة لادماجها في البناء التنظيمي
للجامعة العربية.
ولا
شك أن الجامعة العربية قد حققت او كفلت تحقيق بعض الانجازات و التي
تمثل رصيدا ايجابيا للجامعة و تتيح فرصا تعزز الدعوة للحفاظ عليها
وتطويرها. و تأتي في مقدمة تلك الانجازات ما ظلت تمثله الجامعة من
رمز معنوي لآمال و طموحات الشعب العربي في العمل القومي، و ما اتاحته
من منتدى للتشاور و الحوار- و ان كان غاضبا و جدليا احيانا- بين
اطراف العمل العربي القومي و معرفة هذه الاطراف لبعضها البعض اكثر و
عن قرب و خاصة في ما يتعلق بالعمل المشترك القومي، و ما مثلته من فرص
لاختبار مدى التطابق و التباين بين المواقف العملية و الخطابات
النظرية للدول/ الانظمة الاعضاء، و ما يسرته من بعض صور التضامن
العربي في المحافل الدولية، و ما حققته من انجازات متواضعة على
المستوى المحلي في مجالات عدة بما فيها التعليم و الاعلام و الاقتصاد
و خاصة من خلال اجهزتها المتخصصة و التي تعتبر في حد ذاتها انجازات.
و كيفما كانت إنجازات الجامعة العربية
فانها جاءت اقل كثيرا مقارنة ليس فقط بطموحات وتوقعات شعوبها و انما
حتى بالتقييم الرسمي مما جعل ضعف اداء الجامعة محل اتفاق عام على
المستويين الرسمي و الشعبي. و قد بدا هذا الضعف واضحا في سائر
المجالات الا أن الاحساس به كان اشد و اسوأ اثرا في المجال السياسي
و الاستراتيجي و الدفاعي و الاقتصادي. فالجامعة العربية لم تتمكن ليس
فقط من الدفاع عن الدول و الشعوب العربية التي تعرضت او تتعرض
للعدوان الخارجي و العقوبات الظالمة و الاحتلال السافر و انما لم
تتمكن ايضا حتى من ان تقوم بدور فعال في تسوية الصراعات العربية-
العربية، و على سبيل المثال لم تحاول الجامعة حل او تسوية سوى 6 من
حوالي 67 صراعا عربيا- عربيا رصدتها احدى الدراسات[4]
في الفترة ما بين قيام الجامعة و بداية الثمانينات من القرن المنصرم،
كذلك ظلت مختلف الاتفاقيات و مشاريع الاتفاقيات القومية في المجال
الاقتصادي و الدفاعي دون استكمال او تنفيذ.
و قد
ترتب على ضعف اداء الجامعة العربية انصراف المزيد من الدول العربية
الى التركيز على تنمية علاقاتها بمنظمات او تجمعات عربية دون- قومية
او منظمات و تجمعات غير عربية . و لا يخلو هذا الانصراف، على الاقل
في بعض حالاته، من دلالة على إما اليأس من الجامعة و امكانية تعزيز
العمل العربي القومي من خلالها و إما الاقتناع بان العائد المتوقع
من العلاقة بالمنظمات و التجمعات المشار اليها افضل، على الاقل في
جوانب معينة كالجانب الامني، من العائد المتوقع من الجامعة العربية.
و لا تخفى خطورة الدلالتين كلتيهما من منظور العمل العربي المشترك
القومي. و مع أن حالاته محدودة حتى الان فان الانسحاب الصامت او
التهديد بالانسحاب من الجامعة العربية او بعض اجهزته المتخصصة يشكل
نذير شؤم و يدعو لحسرة العربي الذي يرى الجامعة العربية قد تدهورت
الى مستوى بدأ فيه بعض اعضاؤها ينسحبون او يفكرون في الانسحاب منها
بينما يشاهد الاتحاد الاوربي يستقطب باستمرار عددا متزايدا من
الاعضاء الجدد الذين يتسابقون الى الانضمام اليه.
و
لاشك أن من المهم معرفة العوامل التي ساعدت على تحقيق الجامعة
العربية للانجازات المشار اليها بغرض تعزيز و تنمية تلك العوامل و
رفع كفاءة توظيفها و تعظيم الاستفادة منها، بيد أن ما يهم اكثر هو
التحديد الدقيق لعوامل و اسباب ضعف اداء الجامعة لتتسنى معالجتها على
النحو الامثل.
و من
الواضح انه لابد و أن سائر ما تضمنته البيئة ( الدولية و الاقليمية و
المحلية) للجامعة العربية من قيود تمت الاشارة الى بعضها سابقا تمثل
عوامل ساهمت ، و إن بدرجات مختلفة، في ضعف اداء الجامعة . و لعل اكثر
تلك القيود حضورا في ما تذكره الادبيات من عوامل ضعف الجامعة هي ضعف
الرغبة او الارادة السياسية لدى الدول الاعضاء في تفعيل دور الجامعة/
العمل العربي القومي، و التدخلات الخارجية، و الخلافات العربية-
العربية.
اما
عوامل الضعف الداخلية أي المتعلقة بالجامعة نفسها فترد ضمنها عادة:
اوجه القصور التشريعية: ومما يشار
اليه هنا دائما اشتراط ميثاق الجامعة للاجماع في صدور قرارات
الجامعة، و افتقار الجامعة لاي سلطة فوق قطرية تتولى مهام المتابعة و
المساءلة و المحاسبة، و الازدواجية في الاختصاصات.
اوجه القصور الادارية: ومما يشار اليه
هنا عادة عدم كفاءة طرق التعيين، و الترهل الوظيفي، و ضعف الابداع
الاداري
الطابع الرسمي للجامعة نشأة و ادارة و اهتماما و اختصاصات و الغياب
التام للبعد الشعبي
اوجه القصور المالية: و مما يشار اليه
هنا عادة محدودية ميزانية الجامعة و اجهزتها المتخصصة و خاصة في ظل
تخلف الدول الاعضاء عن دفع اسهاماتها المالية المقررة، وعدم وجود
جهاز استثماري تابع للجامعة.
لعل
الامثلة السابقة تكفي لاعطاء فكرة عامة عن تعدد التطورات او
المستجدات و العوامل البيئية و التنظيمية المؤثرة سلبا او ايجابا
على العمل العربي المشترك و على اداء الجامعة العربية و، بالتالي،
تؤكد ما سبق ذكره عن اهمية و لزوم الدراسة الدقيقة و الشاملة للواقع
الراهن للعمل العربي المشترك كشرط ضروري لاتقان عملية تطوير العمل
العربي المشترك و مؤسساته. فبدون مثل هذه الدراسة التي تهدف الى
الاحاطة على احسن وجه ممكن بكل المستجدات و العوامل المؤثرة على
العمل العربي المشترك لن يتسنى استنباط الموجهات التي سبقت الاشارة
الى اهمية تحديدها بكل بدقة ممكنة لضمان حسن وضع او اختيار التصور
المناسب لتطوير العمل العربي المشترك. و لتحقيق الدقة المنشودة يلزم
أن لا تقتصر الدراسة المطلوبة للواقع الراهن على مجرد تعداد او حصر
المستجدات و العوامل ذات الصلة و بيان آثارها و انما يتعين عليها
ايضا تحديد الاهمية النسبية لتلك المستجدات و العوامل و آثارها لان
من شأن مثل هذا التحديد أن يساعد على تحديد الموجهات التى توضح
اولويات التطوير و هو ما يعد ضروريا في ظل ما هو واضح من أن تطوير
العمل العربي المشترك لا يمكن أن يتم الا تدريجيا، و التدرج ينبغي أن
يكون وفق الاولويات.
و في
مقدمة ما يمكن الاستعانة به في تحديد الاهمية النسبية للمستجدات و
العوامل المشار اليها، تمهيدا لبيان الموجهات التي تكفل حسن تحديد
الاولويات، تأتي – اولا - الاحصاءات المتعلقة باثر تلك المستجدات و
العوامل على العمل العربي المشترك، و –ثانيا - الدراسة او التحليل
المقارن بين اثار تلك المستجدات و العوامل على – اولا- مختلف مجالات
و مؤسسات العمل العربي المشترك و- ثانيا- العمل المشترك غير العربي.
و
لاشك أن قلة الاحصاءات الموثوقة تعد اشكالا اساسيا من اشكالات
دراسات الواقع العربي عموما و لا تمثل دراسات واقع العمل العربي
المشترك استثناء من ذلك . و مع ذلك فانه يمكن الافادة من المؤشرات
الاحصائية المتوافرة في المقاربة الاحصائية لبعض المستجدات و
العوامل و التأكد من بعض الملاحظات و الاستنتاجات. وعلى سبيل المثال
لا يبدو ان المؤشرات الاحصائية المتوافرة تدعم او تسند التركيز
الشائع من قبل البعض على اعتبار شرط الاجماع في صدور قرارات الجامعة
اهم اسباب فشل الجامعة و من اهم اشكالات العمل العربي القومي الرسمي.
اذ تشير تلك المؤشرات أن مشاريع القرارات التي تعذر صدورها عن
الجامعة لغياب الاجماع ربما لا تشكل غير نسبة ضئيلة من مجموع
القرارات التي صدرت عن الجامعة و لكنها لم تنفذ. و اذا ما تأكدت مثل
هذا المؤشرات الاحصائية فانها تشير الى و جود تضخيم غير مبرر
للاهمية النسبية لدور عامل شرط الاجماع في اعاقة العمل العربي
المشترك.
و
بالمثل، يمكن لتطبيق الدراسة اوالتحليل المقارن في مجال العمل العربي
المشترك أن يفيد في استنباط دلالات ذات مغزى في ما يتعلق بتحديد
الاهمية النسبية للعوامل و المستجدات المؤثرة على العمل العربي
المشترك. و على سبيل المثال، قد تساعد مقارنة عوامل ضعف اداء الجامعة
العربية بعوامل ضعف اداء مؤسسات العمل العربي المشترك الاخرى
كاللجان الوزارية الثنائية و مجالس التعاون الجهوي و التي تكاد
بعضها تخلو من بعض ما يرد ضمن عوامل ضعف اداء الجامعة ، مثل عامل
التفاوت الملحوظ في الاوضاع الاقتصادية بين الدول العربية على
المستوى القومي، في تحديد الاهمية النسبية لتلك العوامل في اضعاف
العمل العربي المشترك القومي او اداء الجامعة العربية.
دراسة و استيعاب التصورات العربية
لمستقبل العمل العربي المشترك ( الواقع المحتمل) :
من
المهم استيعاب التصورات العربية، الرسمية و الشعبية، لما ينبغي أن
يكون عليه مستقبل العمل العربي المشترك و الجامعة العربية عند وضع او
اختيار تصور تطوير العمل العربي المشترك. و تعود هذه الاهمية الى ان
التصورات المشار اليها تمثل او تعكس اتجاهات الارادات العربية و
التي لابد من مراعاتها في تطوير العمل العربي المشترك لانه و إن كان
صحيحا أن العمل العربي المشترك يمكن أن يتعثر و يتخلف رغما عن ارادة
العرب الا أن من غير المتصور أن ينجح و يزدهر العمل العربي المشترك
رغما عن ارادة العرب او في غيابها. وبينما من شان تصور تطوير العمل
العربي المشترك المتوافق مع الارادة العربية العامة أن يحظى بدعم هذه
الارادة مما يساعد على ترجمته الى واقع عملي فان تصور تطوير العمل
العربي المشترك الذي يتناقض مع الارادة العربية العامة قد يتحول الى
عامل آخر من عوامل الفرقة و الخلاف و ، بالتالي، يقود الى تعطيل
العمل العربي المشترك و ليس تطويره. وقد لا يكون مصير مثل هذا التصور
سوى الاغفال او الحفظ في الادراج.
و
يوضح ما تمهد اهمية ليس فقط مسح و معرفة التصورات العربية، الرسمية و
الشعبية، المتعلقة بمستقبل العمل العربي المشترك وانما ايضا- بقدر ما
امكن - تقدير اوزانها النسبية و ذلك لاهمية معرفة هذه الاوزان في
تحديد مدى ضرورة و كيفية استيعاب تلك التصورات في التصور المنشود
لتطوير العمل العربي المشترك. و المعني بتقدير الاوزان النسبية هنا
هو ترتيب التصورات وفقا للاهمية التي يتم تقديرها بناء على حظ كل
تصور من عاملي مدى الانتشار الراهن و المنظور و نوع الفئة/ الفئات
التي تتبناه باعتبار أن ذلك يعد مؤشرا على حجم او قوة الارادة
العربية التي تتبنى التصور المعني. و ليس بالضرورة أن يفضي مثل هذا
التقدير الى تقديم التصورات الرسمية على التصورات الشعبية من حيث
الاوزان النسبية لان و إن كانت التصورات الرسمية قد تفوق التصورات
الشعبية وزنا باعتبار ما هو كائن - لكون التصورات الرسمية تمثل
ارادات الحكام و التي هي، بطبيعة الحال، الاقوى في الاوضاع الراهنة-
الا أنها قد لا تفوقها باعتبار المستقبل المنظور حيث تميل التصورات
الرسمية غير المتسقة مع الارادة الشعبية للتراجع بينما تميل التصورات
الشعبية لاكتساب مزيد من الزخم و الفاعلية و بالتالي المزيد من الوزن
النسبي.
اما
الاستيعاب فلا يعني بالضرورة لزوم قبول كل التصورات العربية
المتعلقة بمستقبل العمل العربي المشترك او بعضها على علاتها و كما هي
و انما يعني لزوم دراسة كل تلك التصورات و تقييمها لتحديد ما يتعين
او يستحسن قبولها و ما يتعين او يستحسن رفضها منها في ضوء الموجهات
العامة المعتمدة و – حيثما لزم- اقتراح المعالجات السديدة للاثار
المحتملة لبعض ما يرفض. و يهدف الاستيعاب الى الجمع الخلاق بين
ايجابيات مختلف التصورات و خاصة المشتركة منها و الاكثر وزنا نسبيا
و الاكثر اتساقا مع الموجهات المستخلصة.
لعل
في مجمل ما تمهد ما يكفي لبيان اهمية دراسة كل من الواقع الراهن للعمل
العربي المشترك و التصورات العربية المتعلقة بمستقبل العمل العربي
المشترك( الواقع المحتمل) على النحو المبين سابقا تمهيدا لاستنباط
الموجهات الكفيلة بضمان حسن وضع او اختيار التصور المناسب لتطوير
العمل العربي المشترك ( الواقع المنشود).
و إن
كانت الرغبة في التوضيح من خلال الامثلة هي التي دفعتنا، في ما تمهد،
لان نستبق الدراسة المطلوبة لواقع العمل العربي المشترك بذكر بعض
الامثلة للمستجدات و العوامل التي يمكن أن تكشف عنها او تبينها
الدراسة، فان ذات الرغبة تدفعنا هنا ايضا لان نستبق مرة اخرى
الدراسة المطلوبة لواقع العمل العربي المشترك و التصورات العربية
المتعلقة بمستقبل العمل العربي المشترك بذكر امثلة للموجهات التي
من المرجح أن تتمخض عنها تلك الدراسة. و لعل من اهم تلك الموجهات:
سمة
المرونة:
المتأمل في ما سبق ذكره من امثلة توضيحية للمستجدات في بيئة العمل
العربي المشترك و العوامل المؤثرة على العمل العربي المشترك/ الجامعة
العربية و اسباب تعثره يلاحظ أن الكثير من تلك المستجدات و العوامل و
الاسباب تثير اشكالية التناقض او التداخل بينها او بين اعتبارات
اخرى تتعلق بالعمل العربي المشترك يتعذر عمليا او ليس من الصواب-
عقلا- اسقاط او تجاوز اعتبار لصالح الاعتبار المقابل له او
المتداخل معه. و حيثما تكون هناك تناقضات من هذا القبيل تمس الحاجة
الى المرونة باعتبارها النهج الافضل ، و احيانا الوحيد، لادارة
التناقضات. و حتى لا يكون ، و خاصة مكونه القانوني، مصدرا لاعاقة او
تعذر المرونة المطلوبة يتعين على التصور النظرى الذي يؤسس او يحكم اي
عمل مشترك او جماعي ان يتسم باعلى قدر ممكن من المرونة
و
المعني هنا بالمرونة في العمل العربي المشترك هو الجمع الخلاق و
المتزن بين ما لا يمكن( عمليا) او لا يصح الغاء بعضها لحساب البعض
المقابل او المتداخل من الخطوط المزدوجة في العمل العربي المشترك من
مثل خطوط الاقليمية و العالمية، و الفردية و الجماعية، و الوحدة و
التنوع ، و القطرية و القومية، و العروبة و الجوار العربي، و
المصلحة العربية و الشرعية الدولية، و الرسالية و البرغماتية. وعلى
سبيل المثال، فان العمل المشترك بقدر ما يتطلب الجماعية( اشتراك
الكل في او موافقتهم على نفس التصرف) بل يقوم اساسا عليها يتطلب
ايضا- على نقيض ما قد يبدو للبعض- الفردية ( عدم لزوم اشتراك او
موافقة الكل في او على نفس التصرف) ليس فقط كضرورة لابد منها لتعذر
الاجماع في كل الحالات او في كل شئ و انما ايضا لان – اولا- ليس كل
شيء يفتقر بالضرورة للاجماع عليه او لا يصلح بدونه كما أن – ثانيا-
كل عمل مشترك بقدر ما يتطلب وحدة الغاية او الوجهة بين اطرافه يتطلب
ايضا تنوع الوسائل و مراعاة المزايا النسبية و توزع الادوار بين
افراده.
و
بالمعنى المشار اليه فان المرونة المقصودة هنا ابعد ما تكون عن ما
قد يسارع البعض الى وصمها به من أوصم التلفيقية او اللا وحدوية او ما
شابههما.
بيد
أن المرونة، رغم وضوح اهميتها و ضرورتها، قد لا يتيسر احيانا تحقيقها
حتى على المستوى النظري حيث كثيرا ما يتعسر تامين اجماع اطراف
العمل المشترك على- خاصة تفاصيل- مقتضيات المرونة بسبب حرص كل طرف
على تضمين كل ما يهواه او تستهويه من الخطوط المزدوجة في التصور
النظري الذي سيحكم ذلك العمل المشترك مستقبلا .
و
كيفما كانت تفاصيلها المحتملة، لابد أن تكون المرونة التي يتعين أن
يتسم بها التصور الخاص بتطوير العمل العربي المشترك مرونة شاملة
بمعنى انه لابد أن تنبث سمة المرونة في مختلف مكونات و اجزاء ذلك
التصور و بحيث تشمل ما تتضمنه من اهداف و آليات عمل و مجالات و، من
ثم، تمتد الى البنية التنظيمية لان ما بين هذه المكونات من ارتباط
وثيق يتطلب قدرا من التساوق بينها في سمة المرونة. و لن يسلم من بعض
التعارض على المستوى العملي حصر المرونة في بعض تلك المكونات دون
البعض الآخر.
و
المرونة في الاهداف تتطلب أن تكون اهداف العمل العربي المشترك اهدافا
متدرجة و بحيث تبدأ في ادناها باهداف عامة لا تقتضي التزامات موضوعية
عملية محددة مثل هدف التحاور بين اطراف العمل العربي و تنتهي في
اعلاها باهداف تنطوي على اعلى و اوسع قدر من الالتزامات الموضوعية
العملية مثل هدف الوحدة بين اطراف العمل العربي المشترك. ثم يترك
لاطراف العمل العربي المشترك اختيار ما يناسبها من تلك الاهداف
والترقي في سلم الاهداف كل حسب ظروفه و استعداداته.
و
المرونة في آليات و مجالات العمل العربي المشترك تقتضي اعتماد
ارادة الطرف العضو و موافقته اساسا لتحديد اليات و مجالات العمل
وبحيث أنه كما أن موافقة البعض، ايا كان عددهم او نسبتهم، على قرار
او اجراء او مجال عمل معين لا تلزم غيرهم فان اعتراض البعض، ايا كان
عددهم او نسبتهم، على قرار او اجراء او مجال عمل معين لا يلزم غيرهم
و بالتالي لا يمنع الموافقين عليه من امضائه او تنفيذه سواء كان ما
وافقوا عليه هدفا متواضعا كالحوار او هدفا طموحا كالوحدة . و لا
يستثنى من ذلك الا ما نص عليه دستور او النظام الاساسي للعمل العربي
المشترك. و يتعين أن تكون الاستثناءات المشار اليها في اضيق نطاق
ممكن و ربما امكن حصرها في:
حالة
اتخاذ اجراء مضاد ضد دولة عضو
حالة
اعلان الوحدة بين كل الاقطار العربية
حالة
البت في العضوية
حالة
العلاقة مع دولة محتلة لدولة عضو او بعض اقليمها و تحديد الموجهات او
الخطوط العامة لمعالجة الاحتلال عموما .
حالة
العلاقات العسكرية و الامنية و الاستراتيجية، و خاصة مسائل القواعد و
التسهيلات العسكرية و التحالف و التعاون الامني – السياسي، مع طرف
ثالث ( غير عضو)
و لا
يحتاج المرء الى كثير تفكير ليدرك أن ترك مثل الحالات المذكورة انفا
للارادة الفردية( القطرية) يمكن أن يكلف النظام الاقليمي العربي
كثيرا و ربما ادى في بعض الحالات الى تقويض النظام كليا و وقف العمل
المشترك القومي تماما. و في التاريخ المعاصر للعمل العربي المشترك ما
يؤكد ذلك. و على سبيل المثال، من المعلوم أن اقدام بعض الدول
العربية على اتخاذ اجراءات ضد دول عربية اخرى دون موافقة الارادة
العربية الجماعية او رغما عنها اتاح- كما في حالة اقدام العراق على
غزو الكويت- ذرائع مباشرة لتدخلات خارجية سافرة و اثار شقاقا واسعا
بين الدول العربية مما اضعف كثيرا النظام الاقليمي العربي. و بالمثل،
فان اقدام بعض الاطراف العربية على الدخول في تسويات سلمية مع
اسرائيل و اقامة علاقات معها بشكل فردي و دون موافقة او رغما عن
الارادة العربية الجماعية اضعف كثيرا من الموقف العربي في الصراع
العربي – الصهيوني و سلب الموقف التفاوضي العربي احد اهم مصادر قوته
( الجماعية) و اضر ضررا فادحا بالقضية الفلسطينية و امكانية الحل
السلمي العادل لها.
و لذلك فانه في الحالات المذكورة
سابقا، و ما قد يتم الاتفاق عليها من مثيلاتها، يتعين أن تتقيد
الارادات العربية الفردية( القطرية) بالارادة العربية الجماعية كما
يحددها النظام الاساسي او دستور العمل العربي المشترك في كل حالة على
حدة حيث أن مدلول الارادة العربية الجماعية يمكن ان يتحدد في بعض
الحالات بالاجماع او التوافق العام و في حالات اخرى بالاغلبية، إما
الخاصة و إما المطلقة. و في ما عدا تلك الحالات المشار اليها ينبغي
أن يكون العمل العربي المشترك مبنيا على الارادة الحرة وبحيث يكون
متاحا لاي عدد من الدول العربية المضي قدما في تحقيق ما قد تتفق او
اتفقت عليه في أي مجال من مجالات العمل العربي المشترك بما فيه،
مثلا ، التبادل التجاري و المنطقة الحرة و التكامل الاقتصادي و
الانتقال الحر للمواطنين والدفاع المشترك بل و حتى الوحدة من غير
انتظار لموافقة الدول العربية الاخرى. و صحيح أن نصوص[5]
الميثاق الحالي للجامعة العربية من المرونة بحيث انها تتيح للدول
العربية الراغبة الاتفاق على تعاون اوثق في ما بينها و لكن الجامعة
لم تتوافر لها ترتيب تنظيمي فعال يستوعب مثل هذا التعاون الاوثق
الامر الذي دفع الدول العربية الراغبة في مزيد من التعاون الاتفاق
على ذلك و العمل على تنفيذه خارج الاطار المؤسسي للجامعة . و الارجح
أن قيام أي عمل عربي مشترك اوثق بين دول عربية معينة داخل الاطار
المؤسسي العام للعمل العربي المشترك ادعى لتعزيز ذلك العمل بفضل ما
يمكن أن تقدمه المؤسسة القومية العامة من دعم و ادعى لتوسع ذلك
العمل بما يقتضيه من الابقاء على عضويته مفتوحة و ما يترتب على ذلك
من تشجيع لانضمام المزيد من الدول العربية اليه.
و
المرونة في البناء التنظيمي او المؤسسي تتطلب أن يتسع الاطار المؤسسي
العام القومي ليصبح قادرا على استيعاب ورعاية مختلف مستويات و اشكال
و نطاقات العمل العربي المشترك باقصى ما يمكن من الكفاءة و الفعالية
وعلى نحو يكفل تشجيع كل الاطراف على الحرص على أن تتم كل ما تقوم به
من عمل عربي مشترك داخل، و ليس خارج، الاطار المؤسسي العام القومي .
و من شأن ذلك أن يؤمن التنسيق و التكامل و التعاضد بين سائر اشكال و
نطاقات و مجالات و مستويات العمل العربي المشترك وبحيث يصبح من
المتاح اكثر – مثلا- المزيد من التعاضد بين العمل العربي المشترك
الرسمي و العمل العربي المشترك الشعبي، و المزيد من التكامل بين
العمل العربي المشترك القومي و العمل العربي المشترك دون- القومي
كالعمل العربي المشترك الجهوي ( مجالس التعاون) و العمل العربي
المشترك الثنائي ( اللجان الوزارية الثنائية).
و لعل
من الواضح أن مرونة المؤسسة القومية للعمل العربي المشترك لن تكتمل
بدون أن تكون هناك مرونة مماثلة من مختلف اطراف العمل العربي المشترك
و تنعكس هذه المرونة على سائر نشاطاتها ذات الصلة بالعمل العربي
المشترك . و من بين ما يتطلبه ذلك – مثلا- أن تكف هذه الاطراف عن غلق
عضوية مؤسساتها او تجمعاتها او نشاطاتها المشتركة دون- القومية مثل
مجالس التعاون. فبالاضافة الى أن مبرراته غالبا ما تكون ضعيفة، فان
غلق العضوية و خاصة على اساس سياسي كثيرا ما يثير الشكوك و التي تعد
من اخطر افات العمل المشترك الاقليمي، و لا يخلو تماما من احتمال
تشجيع بعض صور العصبوية الممقوتة، و يتيح المجال اكثر للمحاولات
الاجنبية الرامية للايقاع بين المؤسسات او التجمعات دون – القومية ،
كما انه يحد من التوسع التدريجي المحتمل للنماذج الناجحة من العمل
العربي المشترك دون- القومي. و في المقابل فان من شأن ترك العضوية
مفتوحة لكل الدول العربية – بالطبع بشرط استيفاء شروط العضوية – أن
يؤكد البعد القومي للتجمعات دون- القومية و يبعد او يقلل من الشكوك
حولها و يشجع اكثر تنامي العمل العربي المشترك.
مبدأ
ترسيخ البعد الشعبي:
ربما
بحكم نشأتها و طابعها الرسمي، لم تول جامعة الدول العربية- كما سبقت
الاشارة- الاهتمام الكافي للبعد الشعبي في العمل العربي المشترك.
فالبنية التنظيمية للجامعة و خاصة على مستوى اجهزتها الاساسية العامة
لا تؤمن تنظيما او تأطيرا فعالا للعمل العربي المشترك الشعبي, و ما
صدر عن الجامعة من قرارات و اتفاقيات و سياسات لم تتضمن ما يكفل
الرعاية الكافية للعمل العربي المشترك الشعبي و لم ترتق الى الاسهام
الفعال في تحقيق طموحات الشعب العربي ليس الكبيرة منها كالوحدة و
انما حتى المتواضعة منها مثل تيسير و تحرير تنقل و اقامة المواطن
العربي في الدول العربية و مثل تمكين المواطنين العرب من المشاركة و
لو المحدودة في تقرير و ترشيد توجهات و خيارات العمل العربي المشترك.
و
بالمثل، جاء اهتمام اللجان الوزارية الثنائية بين الدول العربية
بالبعد الشعبي في العمل العربي المشترك الثنائي ضعيفا. و مازالت
المحاولات المحدودة لبعض اللجان لتشجيع العمل المشترك الاقتصادي – من
خلال انشاء لجان او هيئات مشتركة لرجال الاعمال - ضعيفة العائد . و
مع انه يبدو أن بعض تجمعات التعاون الجهوي حققت تقدما نسبيا في بعض
نواحي البعد الشعبي الا أن انجازاتها بهذا الصدد ما زالت محدودة .
و مما ترتب على اغفال البعد الشعبي في
العمل العربي المشترك غياب التنسيق الفعال بين العمل المشترك الرسمي
و العمل المشترك الشعبي، و ضعف التجاوب الشعبي مع مساعي العمل
المشترك الرسمي، و ضعف حظ العمل المشترك الشعبي من دعم العمل المشترك
الرسمي له، و افتقار العمل المشترك الرسمي للتوجيه الشعبي. و لا شك
أن كل ذلك قد تضافر ليؤدي في النهاية الى اضعاف العمل العربي المشترك
عموما بيد أن الاثر الاسوأ و الاخطر تمثل – في ما يبدو لنا- في ما
اصاب الشعب العربي من احباط اسهم في اضعاف ثقته في جدية و فعالية
حكوماته[6] في ما يتعلق
بالعمل العربي المشترك و ، من ثم، في تراجع طموحاته و آماله المتصلة
بالعمل العربي المشترك وخاصة الرسمي و اضعاف اهتمامه به وبالشأن
القومي عموما.
و لما
تمهد يتعين أن يتضمن تصور تطوير العمل العربي المشترك ما يكفل ترسيخ
و تعزيز البعد الشعبي في العمل العربي المشترك من خلال – مثلا-
التأكيد على ضرورة التنسيق و التعاضد بين العمل المشترك الرسمي و
العمل المشترك الشعبي، و احداث الاليات و القنوات المناسبة لاشراك
الشعب و مؤسساته الاهلية و السياسية و النيابية في تقرير المسائل و
التوجهات الاساسية للعمل العربي المشترك واولوياته، و توسيع الاطر
المؤسسية الرسمية للعمل العربي المشترك لتحقيق الترابط التنظيمي
المناسب بينها وبين مؤسسات العمل العربي المشترك الشعبي، و توجيه
العمل العربي المشترك الرسمي للاهتمام اكثر بالانجازات الاكثر
ارتباطا باحتياجات و تطلعات المواطنين، و تبني السياسات الكفيلة
بتفعيل الدور الشعبي في دفع و تعزيز العمل العربي المشترك.
ذلكما،
اعني الاتسام بالمرونة و ترسيخ البعد الشعبي، مثالان للموجهات التي
يمكن تحديدها بدقة اكبر من خلال الدراسة المتعمقة لواقع العمل العربي
المشترك و التصورات العربية لمستقبل العمل العربي المشترك. و لعله
من الواضح انه اذا ما تحددت تلك الموجهات على امثل ما يمكن لن يكون
من العسير و ضع التصور الامثل لتطوير العمل العربي المشترك او تقييم
و تقويم ما طرح او قد يطرح من تصورات مختلفة بهذا الصدد.
واذا
ما تم وضع او اختيار التصور المناسب او الامثل لتطوير العمل العربي
المشترك سيصبح من الايسر الفصل على نحو افضل في ما يهتم به البعض
حاليا من تحديد كيفية توثيق المقترحات الجديدة التي تعتمد لتطوير
ميثاق العمل العربي المشترك في ظل وجود الميثاق الحالي للجامعة
العربية . و يبدو من الادبيات المتاحة أن ما يطرح بهذا الصدد يتمثل
في ثلاثة بدائل هي الاكتفاء باضافة مقترحات التطوير المعتمدة الى
الميثاق الحالي كملاحق،او تعديل نصوص بنود الميثاق الحالي وفقا
لمقترحات التطوير المعتمدة، او استبدال الميثاق الحالي بما يتم
اعتماده من ميثاق او اتفاقية جديدة. و الواقع أن الاهتمام بشكل او
اسلوب توثيق مقترحات التطوير التي تعتمد في وجود الميثاق النافذ
حاليا للجامعة العربية و إن كان ضروريا كما أن الاقتراحات التي تمخضت
عن هذا الاهتمام لها من المبررات ما هي جديرة بالاعتبار و النظر الا
أن من غير المستحسن، و لعله من الخطأ، محاولة الفصل في شكل او اسلوب
توثيق مقترحات تطوير ميثاق الجامعة قبل الفصل في مضمون التطوير
المطلوب للعمل العربي المشترك لان في ذلك تقديم للشكل على المضمون
وقد لا يخلو – إن تم- من تقييد مسبق غير مبرر للتطوير المطلوب
لمضامين ( اهداف و مهام و آليات) العمل العربي المشترك.
إن
تحديد مضامين التصور الجديد لتطوير لعمل العربي المشترك، في ضوء ما
سبقت الاشارة اليه من الموجهات، وتحديد الاطار او الاطر المؤسسية
المناسبة لتنفيذ تلك المضامين يمثلان متطلبين مسبقين لتحديد - في
ضوء استصحاب اهمية التراكم والبناء على الموجود- الموقف الافضل من
كل المواثيق و الهياكل التنظيمية القائمة للعمل العربي المشترك
عموما و ، بالتالي، تحديد التعامل الانسب مع الميثاق الحالي
للجامعة العربية و هياكلها التنظيمية و – ضمنا- طريقة توثيق مقترحات
التطوير الجديدة، و مع الخلاف الدائر – قبل اوانه- حول الابقاء او
عدم الابقاء على مسمى جامعة الدول العربية.
تفعيل
الدور الشعبي في- تطوير- العمل العربي المشترك:
تقدم
الحديث عن مهمة ترسيخ البعد الشعبي للعمل العربي المشترك و تضمين
الاسس اللازمة لذلك في التصور النظري المطلوب بلورته لتطوير العمل
العربي المشترك. ولعل من الواضح أن هذه المهمة لا يمكن انجازها على
النحو الامثل دون مشاركة فعالة من الشعب في – اولا- وضع او اختيار
التصور المطلوب و تضمينه الاسس المشار اليها و- ثانيا- حشد الدعم
اللازم لاعتماد ذلك التصور من قبل الجهات المعنية، ذلك انه ليس
كالشعب اولى و اقدر على تحديد و تأمين تضمين او فرض الاسس التي تكفل
له ممارسة دوره بما يضمن له حماية و تعظيم مصالحه.
على
أن مما يثير القلق انه بالرغم مما تمهد عن اهمية و ضرورة المشاركة
الشعبية الفعالة، تفيد قراءة الواقع أن تطوير العمل العربي المشترك
لا يحظى بالاهتمام الكافي من قبل الشعب او مؤسساته الاهلية – مؤسسات
المجتمع المدني العربي- كما يشهد استقراء التاريخ أنه حتى القدر من
التطور الذي تحقق للعمل العربي المشترك في ماضيه المعاصر قد تم
اساسا من خلال الجهود الرسمية او الحكومية و ليس الجهد الشعبي. و لعل
مما لا يخلو من مغزى يستحق التأمل أن المشاريع المقدمة حاليا
لتطوير الجامعة العربية تغلب عليها الصفة الرسمية، و لا اعلم منها
مشروعا بادر الشعب / مؤسساته الاهلية الى المشاركة الفاعلة في صياغته.
و مما يدعو للاسف و ربما التشاؤم ايضا أن لا تبدي المؤسسات الاهلية
العربية اهتماما يذكر بالتفكير في كيفية توظيف ما تبلور مؤخرا من
اقتناع رسمي بضرورة تطوير العمل العربي المشترك لتعزيز العمل العربي
المشترك من خلال – مثلا- وضع تصوراتها لتطوير العمل العربي المشترك
/ الجامعة العربية او المشاركة في اختيار التصور المناسب من
التصورات المعروضة او ، على اقل تقدير، ابداء الرأي حولها. و من
الملاحظ انه في ما عدا استثناءات محدودة جدا لم تسارع المؤسسات
الاهلية و لا المؤسسات التشريعية ، كما يفترض، الى بذل جهود داعمة
للدعوة القائمة او الجهد الجاري لتطوير العمل العربي المشترك من
خلال – مثلا- تنظيم جلسات او ندوات او مؤتمرات او اجتماعات تبحث في
موضوع تطوير العمل العربي المشترك.
و
لاشك انه اذا ما استمر هذا الوضع الذي يتسم بسلبية الموقف الشعبي
العربي تجاه الجهد الجاري لتطوير العمل العربي المشترك/ الجامعة
العربية لن يكون في الامكان ضمان أن لا يأتي التصور / الاقتراح الذي
قد يعتمد لتطوير العمل العربي المشترك تعديلا محدودا اقرب الى تكريس
الطابع الرسمي منه الى ترسيخ البعد الشعبي للجامعة العربية.
و
ربما مال البعض الى تعليل ضعف اهتمام الشعب العربي و مؤسساته الاهلية
بتطوير الجامعة العربية بعزوه الى ما سبقت الاشارة اليه من الطابع
الحكومي او الرسمي للجامعة العربية. بيد أن هذا التعليل، و إن لم يكن
خطأ حيث أن من المؤكد أن بعض السياسات الرسمية و التوجهات والافكار
الموروثة الخاطئة رسخت في اذهان المواطنين العرب افضلية الابتعاد عن
الشأن الحكومي او الرسمي، إلا انه لا يبدو كافيا لان – اولا- ضعف
اهتمام الشعب العربي و مؤسساته الاهلية لا يقتصر على تطوير الجامعة
العربية او غيرها من المؤسسات الرسمية للعمل العربي المشترك و انما
يشوب، و تعاني منه، كل جوانب العمل العربي المشترك بما فيها العمل
العربي المشترك الشعبي و الذي هو اقل فاعلية و انجازا من العمل
العربي المشترك الرسمي و – ثانيا- أن الظواهر الاجتماعية عادة ما
تكون متعددة الاسباب و عسيرة على التعليلات الاحادية و – ثالثا- لا
تتوافر دراسات ميدانية كافية تؤكد كفاية التعليل المذكور. . و
الواقع أن الاصل هو انه لا ينبغي أن يكون من شأن الطابع الرسمي لاي
عمل يتعلق بالمصلحة العامة أن يحول دون او يبرر عدم قيام الشعب
بمهام مراقبة و توجيه ذلك العمل و مساءلة القائمين عليه و اتخاذ ما
يلزم لتامين انجاز ذلك العمل. و اذا كان من الواضح ضعف اداء الشعب
العربي لتلك المهام في ما يتعلق بالعمل العربي المشترك و الذي يعنى
بالمصلحة العامة (القومية) لابد من مقاومة اغراء التعليلات المبسطة
لهذا الضعف و القيام بما يكفي من الدراسات النظرية و الميدانية
للوصول الى تحديد ادق و اشمل لعوامله و اسبابه لانه بقدر دقة و
شمولية تحديد تلك العوامل و الاسباب ستكون دقة و شمولية معالجتها.
و
الظاهر أنه على النقيض مما تتطلبه و تدعوه اليه اصوله الدينية، ما
زال الشعب العربي، رغم ما أبداه مؤخرا جدا من تحسن محدود، ضعيف
الفعالية ومحدود المشاركة في ما يتعلق بالشان العام عموما بما فيه
الشأن العام المحلي او القطري و أن ضعف اهتمامه بالعمل العربي
المشترك انما هو بعض ذلك الضعف العام الذي تتعدد مظاهره و تتضافر
أسباب و عوامل عدة على تكريسه. و بالطبع لا يتعارض ذلك مع القول
بوجود عوامل و اسباب خاصة، سبقت الاشارة الى بعضها، ساهمت في اضعاف
اهتمام الشعب العربي بالعمل العربي المشترك و الشأن القومي عموما و
تسببت في ما يبدو تراجعا ملحوظا عما كان عليه هذا الاهتمام في منتصف
القرن الماضي.
و حيث
أن استقامة و ازدهار الشأن العام لا تكتمل اسبابهما بدون أن يبدي
الشعب المعني حدا ادنى من الاهتمام و الفعالية في ما يتعلق بالشأن
العام و أن التأمل في التاريخ العربي يرجح وجود علاقة طردية قوية
بين فعالية دور الشعب العربي في الشأن العام و مساره الحضارى هبوطا
و صعودا- و لعله لا يختلف في ذلك عن بقية شعوب العالم- يبدو مقبولا
الاستنتاج بانه من غير المرجح إمكان تأمين تفعيل و استقامة و ازدهار
العمل العربي المشترك بدون تامين القدر الكافي من الاهتمام الفعال من
قبل الشعب العربي بالشأن العام و ، ضمنا، بالعمل العربي المشترك و
تفعيل دوره فيه.
و اذا
ما تأكد في ضوء ما سبق الحاجة الماسة الى تفعيل دور الشعب العربي
في العمل العربي المشترك كمتطلب اساسي لتفعيل هذا العمل و تأمين
استقامته و اضطراد تقدمه و نجاحه، و تأكد كذلك أن هذا التفعيل لابد
أن يبدأ فورا لانه لا مبرر اصلا لاي تاخير كما ان ما يجري حاليا من
جهد لاعادة صياغة اسس و مرتكزات العمل العربي المشترك/ الجامعة
العربية يمثل فرصة مواتية لابد من المبادرة الان الى استغلالها
لترسيخ الاسس القانونية و القنوات التنظيمية التي تتيح و تدعم تفعيل
الدور الشعبي في مواثيق العمل العربي المشترك و اجهزته التنظيمية ،
فان السؤال الذي يطرح نفسه هو ما السبيل او السبل المتاحة للتعجيل
بتفعيل دور الشعب في العمل العربي المشترك؟
صحيح
انه يمكن أن يقدم الخبراء و المختصون اجابات موضوعية اكثر دقة و صحة
للسؤال المذكور، بيد أن ما ينبغي أن يكون واضحا هنا هو انه عندما
يتعلق السؤال بتحريك الشعوب و تفعيل دورها لا يكفي أن تكون الاجابة
صحيحة او دقيقةمن وجهة نظر الخبراء و المختصين بل لابد أن تكون ايضا
اجابة تحظى باقتناع الشعب المعني بها و، من ثم، قادرة على أن تمس
شعاب نفوسهم و توجد فيها الدافع الذاتي للحركة و الفعالية لانه عادة
ما يتعذر تحريك الشعوب في غياب مثل هذا الدافع. ولعل من الحقائق
الاجتماعية أن الناس او الشعوب عادة ما تكون اقرب الى الاقتناع و
التجاوب مع الحلول و الاجابات التي تستنبطها بنفسها او تشارك في
بلورتها او صياغتها و ابعد ما تكون عن الاقتناع و التجاوب و التفاعل
مع الحلول و الاجابات التي لا تشعر انها وليدة افكارها ناهيك عن أن
تحس انها مفروضة عليها. و الواقع - لمن يتأمل- ان ميل الناس الى بنات
افكارهم و تفاعلهم معها مهما كانت حظوظها من الصحة و الدقة حقيقة
واقعية تضاهي او تماثل حقيقة ميلهم و حبهم الفطري لبنات أصلابهم و
اعجابهم بهن كيفما كانت حظوظهن من الحسن .
و اذا
صح ما تمهد في الفقرة السابقة، بدا واضحا أن اجدى الطرق للوصول الى
اجابة للسؤال المذكور تكفل تجاوب الشعب العربي معها و، من ثم،
الوصول الى تفعيل دوره في العمل العربي المشترك هو طرح مسألة العمل
العربي المشترك برمته مباشرة على الشعب العربي بمختلف فئاته و
شرائحه. و قد لا يحبذ البعض ذلك تمسكا باهمية و اولوية رأي الخبراء و
المختصين. و الواقع ان طرح مسألة العمل العربي المشترك على الشعب
مباشرة لا يعني الغاء او التقليل من اهمية دور او رأي فئة الخبراء و
المختصين او أي فئات او شرائح اخرى بقدر ما يعني اتاحة فرصة اوسع
لتكامل و تعاضد ادوار واراء مختلف الفئات. و لعل من الطبيعي أن
يصحب ذلك شئ من التحوير في الادوار و توزيعها . و على سبيل المثال،
مع بدء الشعب في تداول السؤال سيتعين على الخبراء و المختصين و
المثقفين عموما التخلي عن دور تقديم الاجابات الجاهزة الى القيام
بمهام معينة تاتي في مقدمتها تشجيع التداول و ادارته و تمليك الشعب
الحقائق الموضوعية الكفيلة بمساعدتهم على الوصول الى الاستنتاجات و
التصورات السليمة.
و
حيث انه ليس هناك وسيلة واحدة يمكن ان تؤمن الوصول الي كل فئات
الشعب يتعين أن توظف كل السبل والوسائل المتاحة، بما فيها وسائل
الاتصال الجماهيري الحديثة و الوسائل الاعلامية التقليدية، لبعث
الاهتمام بالمسألةالمطروحة على اوسع نطاق ممكن. و من المفترض أن تقوم
مؤسسات المجتمع المدني العربي و خاصة الثقافية و العلمية و السياسية
و الاعلامية و التمويلية بدور مميز بهذا الصدد من خلال تنظيم
وتنسيق اللقاءات و الندوات التي تبحث في مسألة تفعيل الدور الشعبي في
العمل العربي المشترك من مختلف ابعادها.
و قد
يحسن بنا أن نذكر هنا بايجاز نأمل أن لا يكون مخلا بانه كما أن من
الخطأ - على الاقل من منظور هذه الورقة- الفصل التام بين ضعف فعالية
دور الشعب العربي في العمل العربي المشترك وضعف فعالية دوره في
الشأن العام عموما ، سواء منه القطري او القومي، فان من الخطأ ايضا
الظن بان في الامكان معالجة ضعف فعالية دور الشعب العربي في العمل
العربي المشترك على النحو الامثل بمعزل عن معالجة ضعف فعالية دوره
في الشأن العام عموما.
قد
يخطر ببال البعض الآن ، ونحن نختم القول ،أن يتساءل و هل ما تبقى من
الوقت قبل أن تلتئم القمة العربية القادمة و التي يفترض انها ستحسم
مسألة تطوير او اصلاح الجامعة العربية يسمح بكل ما سبق الحديث عنه من
الدراسات و المداولات الشعبية الموسعة؟ و قد يضيف البعض و إن سمح
الوقت هل ستسمح الظروف السائدة؟ و نميل نحن الى رأي من يذكرون بان
البداية لن تكون- بفضل الجهود المقدرة التي بذلتها سلفا بعض الجهات
كالجامعة العربية و بعض مراكز الدراسات كمركز دراسات الوحدة العربية-
من الصفر، و أن التطوير هو في الاصل عملية مستمرة لا تنتهي بانتهاء
قمة( اجتماع) معينة او الوصول الى قمة ( مستوى) معينة، و أن نبدأ و
فق رؤية و خطة سليمة و مكتملة و ننجز شيئا مما يستطاع خير من أن لا
نبدأ أصلا او نبدأ بداية خاطئة تقودنا الى نهاية خاطئة.
[1] - انظر رصدا
للمشاريع او المقترحات الوحدوية بين الدول العربية حتى منتصف
الثمانينات في احمد طربين: المشاريع الوحدوية في النظام العربي
المعاصر في مجلة المستقبل العربي العدد 125، تاريخ 7/1989 ص
56-87. و اذا ما اخذنا في الاعتبار التجمعات التعاونية العربية
التي ظهرت لاحقا تكون تقريبا كل الدول الاعضاء في الجامعة
العربية حاليا ،ربما باستثناء لبنان و جيبوتي و الصومال و جزر
القمر، قد دخلت في او انضمت الى واحدة او اكثر من المشاريع
الوحدوية او التجمعات التعاونية العربية دون- القومية
[2] انظر مواد
الفصل السادس و السابع و الثامن و خاصة المادتين 34 و 54 من
ميثاق الامم المتحدة
[3] - انظر سردا
لعوائق العمل العربي المشترك في المجال الاقتصادي في نعيم سعد
زغلول: التكامل العربي بين الحلم و الواقع ( مركز المعلومات و
دعم اتخاذ القرار، مجلس الوزراء المصري، اكتوبر 2001) ص-12
[4] دكتور احمد يوسف
احمد : الصراعات العربية- العربية (1945-1981) ( بيروت، مركز
دراسات الوحدة العربية ، 1988) ص 204
[5] المادة (9) من
ميثاق جامعة الدول العربية
[6] - اظهرت دراسة
ميدانية اجريت في الوطن العربي عام 1978 أن 87% من جملة
المواطنين المبحوثين اعتبروا الحكام العرب مسئولين بشكل او اخر
عن تعويق التوحيد السياسي للوطن العربي انظر دكتور سعد الدين
ابراهيم: اتجاهات الرأي العام العربي نحو مسألة الوحدة( بيروت،
مركز دراسات الوحدة العربية ، 1980) ص 164 . و لو اخذنا في
الاعتبار اداء الانظمة الحكومية في ما يتعلق بالعمل العربي
المشترك في الفترة ما بعد عام اجراء الدراسة المشار اليها و حتى
اليوم ( عام 2003) لا يبدو أن هناك ما يرجح أن تلك النسبة هي
اليوم اقل مما كانت عليه .