خطاب
الدكتور عبد الملك منصور
سيداتي سادتي
صديقي
العزيز
الاستاذ عبد الجليل التميمي رئيس مؤسسة التميمي للبحث العلمي
والمعلومات
صديقاتي و أصقائي جميعاً
تحية
صباحية مشرقة لكن ولكم جميعاً،
في
البدء يولد الانسان حراً، ينطلق بعينيه فيرى جمالاً فيبدع نصاً، يعشق
الجمال فيسجل عشقه لهذا الجمال في نص أدبي، يسمع فيطرب لما يسمع
فيتفاعل مع ما يطرب، يطربهُ فيصبح طريباً، فيكتب ذلك، يعشق السماع
فيصبح سماعاً لاتحده حدود ولا تقف أمام معشوقاته وعشقه قيود، وهو
لذلك يحب الانطلاق ويهوى الحرية، فإن حالت بينه وبين معشوقاته حوائل
فهي حوائل مكروهة، فإن كانت مفروضة في لديه مرفوضة، ولإن فرضت حتى
ممتزجة بقيم مقدسة فهو يراها رجعية مكدسة، يرفضها لأنه يعتقد صادقاً
ومحقاً أن الحرية قرينة الحياة، الحياة بدون حرية جماد متحرك ولكم أن
تتخيلوا صخرة تتحرك فحسب، لا حق لها في أن تعشق أو تقبل أو ترفض أو
تغني أو ترقص أو تبدع أو تقول شعراً أو تبدي رأياً أو تعبر عما في
مكنون النفس، كل ذلك اذن قليل الحياة لذالك كانت الرقابة، وستبقى
مكروهة عند كل حر وكل انسان حر وأكاد أقطع بأن كل انسان في هذا
الوجود يكره الرقابة و لا يتقبل الناس من الرقابة التي تبدأ في
الأسرة من خلال آبائهم إلا بحكم ما يلقنوا منذ الصغر من دروس تربية
احترام الكبير و وجوب أن يتواضع الصغير، و أن يقبل رأي السابق و أن
يتأدب تأدب اللاحق، و لو لم يحدث ذلك منذ الصغر لكان الأمر مختلفاً
في كل جوانبه.
فإذا
كبر و اتسع المجتمع ظهرت أبوة من نوع جديد تتجلى في أنواع متعددة من
الرقابات التي تفرض نفسها أو تختار أحياناً من قبل المجتمع أو كما
تريد أن تقدم نفسها في كثير من الأنحاء أنها مختارة من قبل المجتمع و
إن تزويراً، فالرقابة إذن عمل مرفوض، مكروه، منبت من الحرية لا علاقة
له بها إلا كعلاقة السجان بالمسجون أو كعلاقة المضطهد و المضطهد.
ذلك
لأن الرقابة عمل فارغ المحتوى- في تقديري – لأن المبدع وحده ينتج و
الرقيب لا عمل له إلا أن يبحلق بعينيه على عمل و لا يفتح أذنيه ليرى
ما يفعل الاخر، فطرف يفعل و طرف لا عمل له إلا أن يرى و يراقب ثم هو
يراقب بخلفيته، و باعتبار خلفيته الثقافية يحكم، فإن جاء من خلفية
ثقافية رشيدة كان حكمه قريباً من الرشاد و إن جاء من خلفية ثقافة
متدنية رجعية، فإنه يحكم حكماً ارتكاسيا ارتدادياً بغيضاً يحاول ان
يرتد بالمجتمع و ينتكس به كانتكاسة نفسه التي ليست سوية لذلك
فالرقابة خطر، و على الذين يختارون الرقابة سبيلاً ان يختاروا من
يراقب، فالرقيب خطير في أحكامه و الرقيب خطير في أعماله ذلك لأنني لا
أقبل مطلقاً أن يعلمني أحد كيف أفكر، أنا حر في تفكيري، لا أقبل أن
يعلمني أحد مهما كانت صفته أن يعلمني كيف أفكر و ماذا علي أن أقرأ و
ماذا علي أن أتنكب قراءته، إنني حر في اختياراتي، و من يحد من حريتي
لابد أن يكون إله فحسب و لما كان الإله واحداً في الكون فلا ألوهية
لغيره، و اللذين يحدون من حرياتنا يجعلون من أنفسهم شركاء لله في
التحكم في عباده، و نحن نرفضهم كما نرفض الشرك بالله و كمال الايمان
متسق مع كمال الحرية و إنما تكتمل الحرية بكمال الايمان و إنما يكون
الايمان فاعلاً مؤثراً باكتمال الحرية، و بدونهما في توازنية حقيقية
لا يعيش الانسان سعيداً.
لذلك
فإنني سيداتي و سادتي يا عشاق الحرية و عاشقاتها، أعتقد أن الأمر
يحتاج إلى إعادة ترتيب و يمكن لي أن أقترح بعضاً من المقترحات في هذا
الصعيد،ذلك أن صديقي قد حدد لي في نوع من الرقابة المقبولة زمناً
للحديث أرجو أن نسعى جميعاً للبحث عن الاجابة عن سؤال يطرح نفسه، هذه
الحرية المحبوبة، هل نستطيع أن نوجد توازناً بينها و بين المسؤولية
المطلوبة، بين حرية نتطلع إليها و نتمسك بها تمسكنا بأهداف الحياة و
هي تنغرس في قلوبنا في شغافها و لا نستطيع أن نفرط في جزء منها و لن
نتنازل و إن فعلنا فأنما نفعلها مقهورين مجبورين و لا نفعلها اختياراً
مطلقاً، هل تقابلها مسؤلية فيما نقدم؟ هل هناك خطر في أن أقدم النص
الذي أبدعه إلى الآخر كما هو؟ هل يحتاج أن يمر النص اللذي أكتبه و
أبدعه على جهة ما تفلتره قبل أن يقدم؟ من هذه الجهة؟ ما مؤهلاتها؟ ما
قدراتها العلمية، هل هي أعلم مني و من المتلقي الآخر بحيث يسلم
الطرفان معاً بعلميتها و قدرتها و مؤهليتها للحكم؟ هل هي كذلك؟ هل
جهات الرقابة أساتذة جامعيون مبدعون كل في مجاله، يحكمون كل في علمه
بحيث يحكمون فيصدقون، و إذا أصدروا حكماً عدلوا؟ هل هم كذلك؟ أم هم
مجموعة من الصبية لا يحسنون؟ الأمر يحتاج إلى إعادة نظر البتة و ربما
كان الأمر بحاجة إلى إعادة نظر في الأصل فنحن نكرس في مناهجنا
الدراسية و في التعليم الأساسي و ربما في روضة الأطفال رقابة ملهبة
للجلود و رقابة تحمل عباءة الدين و تلبس عمامته و تحمل روح الوطنية و
تتزيى بشكلها، و تلبس أحياناً روحاً من الشوفينية القومية، هل
مناهجنا الدراسية تعلم أبناءنا الإنفتاح على الآخر؟ هل تكرس في
النفوس عشق الحرية و حبها؟ هل أساتذتنا في تعاملهم مع الأطفال و
التلاميذ و الطلاب ديموقراطيون أم دكتاتوريون؟ و كل دكتور دكتاتور؟
هل ما يقدم لطالب من عمجات الألباب و خلاصات العقول منتخب من قبل
علماء أم من قبل لجان آلية؟ كأننا بحاجة إلى أن نقرر أننا بحاجة إلى
إعادة النظر في التربية الأساسية و بحاجة بعد ذلك أن نترك لكل مبدع
ضميره الحر، فلا رقابة إلا الضمير و لا رقابة على المبدع في كل أنواع
الابداع إلا ضميره المحكوم مسبقاً بالتربية المنزلية المدرسية
المجتمعية ثم فلتفتح أبواب الحرية و لتقلع كل النوافذ و الأبواب. و
لنترك لكل انواع الرياح و نسائم الهواء أن تهب علينا فما كان منها
نافعاً استنشقناه و ما كان منها غير نافع أو جالب لروائح عفنه
ناقشناها و حاورناها و لا نرفضها مطلقاً فالرفض عمل الضعيف و الرقابة
عمل المتجبر.
لا
نرفض فكراً قادما ً فالرفض عمل الضعفاء و الحوار عمل الأقوياء و
الأنداد، نحاور الأفكار و لا نرفضها، نعانقها و لا نركضها، إن العناق
هو شيمة الحضارات إذا تجاورت تحاورت، أما الرفض فهو إنغلاق و جمود و
انكفاء على الذات. بموضوعية و بعلمية و بأكاديمية بحتة، يقدم كل ما
لديه و حتى لو قدم بعضنا من إبداعاته مساءات أو عيوب فلم لا تقابل
هذه الحرية المكفولة للمبدع حرية للنقد و حرية للصحافة تجعل كل انسان
قادراً على أن ينقد النص الذي لا يعجبه و على أن ينقد الأمر الذي يجد
فيه ملحوظات و على أن يقدم بحرية تامة مكفولة رأيه في البحث العلمي و
نتائجه و بذلك تتوازن الكفتان : حرية مكفولة لمبدع و حرية مكفولة
للنقاد و يستوي هنا الحرية المحبوبة مع المسؤلية المطلوبة في وقت
واحد نقدم للناس نصاً ناضجاً و نقدم أمتنا شامخة بقامتها الطويلة
بمكنتها الحضارية و قدراتها الواقعية بتطلعاتها إلى المستقبل كما
نريد، ذلك ما أتمناه .
و
أختم كلمتي بالقول هل الرقابة المعهودة عندنا أصبحت ممكنة اليوم؟ هي
ممكنة و غير ممكنة، لم تعد ممكنة لإنفتاح الفضاءات على بعضها و لكن
لا يزال كثير من ضيقي العقول و ضيقي الأعطان يتصورون أنهم يستطيعون
ممارسة الرقابة و هم حين يفعلون إنما يراقبون أنفسهم و يقدمون أنفسهم
أقزاماً إلى جوار الحرية التي تجول بها و تمتلئ بها فضاءات الدنيا
اليوم. لقد غربت شمس الرقابة بعد أن كانت مشرقة في أوطاننا في
الأربعينات و الخمسينات حين كانت مترافقة بقهر بوليسي و استبداد
سياسي، أما اليوم فقد أشرقت شمس الديموقراطية و غدا التحول سنة و غدت
العافية تدب في جسم الأمة و لم يعد بمكنة أحد أن يراقب، و هو إن فعل
فإنما يكشف سوءة نفسه و يتقزم أمام قوة أمتنا، شكراً لكن و لكم.