المحاضرات
المؤلفات

 

حديث عن حوار الحضارات في بيت الحكمة

 

إلى الفرنسية أعتذر و ليس إليكم، فمع أني أحس أنها لغة شاعرة أطرب لسماعها من غيري و أحسب أن متحدث الفرنسية في أذني يصبّ شعرا غير أني لا أحسنها، لذلك إليها أعتذر و لكم كل المحبة أتقدم بها متوسلا في أن أحملكم على خير ما أحسن من اللغات وهي العربية. فعلى عربيتي إذن أحملكم و قد ملئت محبة لكم في رحلة محبة أبدأ بها بالتوقف حيث ينبغي أن أتوقف تحية لرئيسي فخامة الرئيس علي عبدالله صالح رئيس الجمهورية اليمنية الذي كان سببا في أن جعلني اليوم بينكم. فقد إنتضى من عشاق العروبة بين يديه من ظنّه أكثرهم عشقا فأرسله رسول عشق و محبة سفيرا في تونس. و أثنّي بالتوقف حيث ينبغي أن أتوقف تحية لفخامة الرئيس زين العابدين بن علي رئيس الجمهورية التونسية و قد تفضّل عليّ بقبولي سفيرا هنا، و وجدته كما كنت أحسب من قبل، فإزداد ما كنت أحسبه في حضوري تألقا فإذا بي أجده و قد جمع الله له بين زين الإسم ففاض إسمه على فعله فكان زين الفعال فجمع زين الإسم فهو زين العابدين و زين فعال في إنتاجات و منجزات مجسدة للشعب التونسي مشهودة.

       و ما بيت الحكمة هذه التي نحن في رحابها نجتمع و الحكمة فيها تأتلق إلى واحدة من زين فعال فخامة الرئيس زين العابدين بن علي و قد جعل على رأس هذا البيت العتيد رجلا يدير الحكمة بحدب، يحدب على الحكمة و أهلها، يحرص عليها فيقدّمها من خلال فعال مستمر و حراك لا يتوقف، إنه الأستاذ الدكتور عبدالوهاب بوحديبة. و إذا كان لكل إمرئ من إسمه نصيب فإن بوحديبة يحدب علينا اليوم بإحتضاننا في داره و بتلمّس الحكمة في بحار ربّما لا يجد المبتغي فيها جذوة نار، فهل يجدون في بحر أحمله بعض حكمة ؟ ربّما .. و إن لم نجد فإن لي في حبكم و سعة صدركم   و ألق تفكيركم و ذكاء حضوركم ما يعذرني. كيف لا يكون الأمر كذلك وأنا في تونس التي تملأ القلب أنسا و تجعل برحابها كل حزن ينسى..  فإذا بالمرء في تونس في أنس دائم و تألق مستمر، فيتذكر وهو في تونس الحبّ الذي يربط بين أبناء البشرية أو هكذا ينبغي أن يكون.

       و لقد إئتمر أعداء الحبّ عليه منذ زمن بعيد حين قرر الحبّ أن يتخذ من الحوار مركبا يسير فيه ، يطير به في الجوّ، يسبح به في البحر، يتخاطب به و له في كلّ الفضاءات. و حين أيقن أعداء الحبّ أن الحبّ سائر يركب الحوار متوسلا به إئتمروا به و كمنوا له في الظّلام وهم أبناء الظّلام وعشّاق الظّلام و إستلّوا له خنجرا طعنوا به صدر الحبّ ففرقوا بين الحاء و الباء بخنجر مسموم حتّى ظن النّاس وهم يقرؤون الكلمة صبيحة الغد أن الخنجر قد تحول راءا فغدا الناس يقرؤونه " حرب ". و تعلق المحبّون و العشّاق بالحبّ ظلّوا و أنا منهم و أنتم منهم، يقرؤون الحبّ حبّا و ينهجونه حبّا غير أن عشاق الظلام يقرؤون الكلمة حربا، و يدقون للحرب طبولا مستمرة.

       و اليوم نستعيد من خلال بيت الحكمة للحوار إعتبارا، و نحاول أن نعيد للحبّ أثره و نستمطر من رحمات الحبّ ما به نطفئ نيران الحقد التي تتأجج في بعض القلوب، قلوب بعض البشر، و هم قلة من البشرية - التي تحبّ بعضها بعضا- لكنها قلّة متعاونة فتبدو قويّة الأثر دائمة الحضور.

       و المحبّون العاشقون كثّر و لكنّهم متفرقون لذلك لا تجمعهم الكلمة إلاّ في محافل ذكر العشق و مجريات الحديث عن جميل سالف قصة الحبّ. فإلى الحبّ الذي يتخذ من الحوار مركبا ننظر فنرى.

       الحوار، أيّتها السيدات و السادة، مسألة مفروغ من أهميتها، فهي مسألة لابدّ منها، يقضي بها العقل السليم و يحتّمها المنطق المتسق مع حاجات البشرية. فالحيوانات إذا إختلفت تركن إلى الرّكل و العضّ، و العقلاء إذا إختلفوا إتجهوا إلى الحوار فحسب يتخذونه منهجا و لا يرون غيره طريقا سبيلا صحيحا للوصول إلى تسوية خلافاتهم، و أيّما ثلة من البشر تتنكب ذلك الدرب المضيء و تتخذ طريقا آخر للتفاهم على الخلافات، إنما تنتكس بذاتيّتها إلى الحيوانية و تدع مرتبة الإنسانية السامية. لذلك فنحن من منطلق إيماننا بأهمية الحوار علينا أن نتفق كيف يمكن لنا أن نجعل الحوار حوارا مثمرا يحقق ما نريده منه، و كيف يمكن أن نؤمّن إستفادة الأمة منه، كل الأمة، و حين أقول الأمة فإنما أقصد بني آدم جميعا.

كيف نؤمّن لكل البشرية إستفادة قصوى من هذا الحوار، و إنه لصحيح أن أتكل على عظيم فهمكم و دقيق ذكائكم غير أنني سأذكر ما لا بد من ذكره لا تعليما لجاهل و إنما تقريرا لحقيقة، فإنني أخاطب من هو أعلم مني و إنما أريد أن أؤكد على حقائق ينبغي أن تكون دقيقة و واضحة. فموجة العولمة التي إكتسحت الكون و لا تزال الآن كان ينبغي أن يسبقها حوار أو يرافقها  لكن لما لم يحدث ذلك، فدعونا  نجعل الحوار يلاحقها.

إن العولمة أشد ما تجني على البشرية و أمرّ ما تجنيه البشرية منها هو إلغاء الخصوصيات الثقافية الحضارية، وهي مسألة ستؤدي حتما إلى هيمنة ثقافة و حضارة واحدة في هذا الكون. و ستلغي الخصوصيات الثقافية التي بها يعتز الناس و أرباب كل حضارة و أصحاب كل ثقافة، لذلك علينا أن نتوقف كثيرا عند هذه المسألة. و ثقافتنا العربية، أيها السيدات و السادة، ثقافة يتأصل فيها الحوار تأصلا حتى  يكاد القول أنها ثقافة الحوار يصبح حقيقة ناصعة مبهرة جلية في السماء كالشمس. و إن مما يعضد أهمية الحوار و يجعل دواعيه أكثر حضورا أن العالم اليوم يعيش ثورة إتصال تجعل الحوار سهلا و تجعله موردا عذبا، و تجعل الشرب منه سهلا متيسرا قريبا. فبضربة أصبع على زرار يحضر العالم أمام عينيّ في شاشة متألقة  و بطرف تلفون يمسكه في الطرف الآخر من العالم، من أعشق و من أحبّ أتحدث إليه بما أحبّ، أسرّ إليه و أنا أحسب أنني وحدي أحدثه  و إذا العالم كله يتحدث معي. إن ذلك، أيها السيدات و السادة، يتطلب تحقيق أمور لا بد منها و في مقدمتها علينا أن نحدد نوع و طبيعة الحوار الحضاري المنشود. ما هذا الحوار الذي نريده ؟ ماذا نريد من الحوار ؟ ما أسس ذلك الحوار ؟ ما أهداف ذلك الحوار ؟ في البدء أود أن أقرر أن علينا أن نتفق أن الحوار ضرورة إنسانية، ضرورة لإجتماع البشر.

و لما كان الإنسان إجتماعيا بطبعه، فلا بد أن يكون ملازما له في بنائه لمجتمعه، هذا الحوار، إبتداء من الأسرة و إنتهاءا بالعالم الكبير، و بدونه لا شك أننا سنبوء كأسرة إنسانية واحدة إلى الخسران، و لذلك فلا ينبغي أن يكون الحوار ردّة فعل حين الإحتياج و لا موقف مدافع حين الأزمات، و إنما ينبغي أن يكون إستراتيجية دائمة تفعل و تؤثر و عليها نسير، نخطط لها، نرتبط بها، نفزع إليها و تكون أساسا. و هذا الحوار لا ينبغي أن يتوقف عند مفردات اللغة فحسب فيكون حوارا خطابيا، و إنما ينبغي أن يقترن بكونه خطابيا و عمليا في نفس الوقت، يقدّم أفعال و سلوك البشر متفقة مع قناعاتهم و عقائدهم من خلال عمل غير مباشر و مباشر. يباشر القول فيحاور كما نفعل الآن،  و يباشر النشر فيكون مؤثرا بطريقة غير مباشرة، أو حواريا غير مباشر. و لا بد أن يكون الحوار ثنائيا و جماعيا في نفس الوقت.  و الظاهر اليوم أن على الحضارة العربية أن تتحاور مع الحضارة الغربية كما يبدو، لكن ذلك إنما فرضه قوة حضور و دوي طبل الحضارة الغربية و إلاّ فإن حضارات أخرى مجاورة لنا لها من الحضور و القوة كالحضارة الآسيوية و الحضارة الإفريقية ما ينبغي علينا أن نهتم به و أن نعطيه من الإهتمام و مساحة التفكير ما يجعله قريبا منّا و نقترب منه، فنتعرف عليه و يتعرف علينا. ثم لعلنا بعد ذلك نشكل إتحادا حواريا يتوازى في جبهة مع الحوار الآخر مع الحضارة الغربية.

إننا نعاني من سوء فهم سيطر على مفاهيمنا. مع الأسف سوء فهم في الحوار أدّى إلى أن يحلّ الإحتراب محل الإقتراب و أن يحل البعد محل القرب، و أن يحل الحرب محل الحبّ، و إننا مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى و في وقت تشتعل فيه الحمم و تتوتر فيه الأعصاب، أن نتحاور أكثر. فكلما إشتدت الأزمات فرضت على الناس أن يقتربوا من بعضهم. و نحن مع الأسف ننظر إلى الغرب كلاّ واحدا و لا نقسمه و لا نجزؤه، بينما  الغرب يتكون من طبقات، و علينا أن نخاطب كل طبقة بما يتناسب معها. فالمثقفون لهم لغتهم وهم بين منصف يرانا بعيون المحب أو بعيون الباحث الموضوعي و بين من غطّى على نور أعينه تعصّب سابق أو تطرف لاحق فأثر على دقة رؤيته و سلامة نظرته فأنتج نتاجا فيه بعض التحريف.  و في الحالين إن إقترابنا من الفئتين يعظم الإيجابي و يبعد السلبي. لا شك و نحن في سبيل ذلك لابد  أن نحدد الأسس العامة للحوار و محدداته. فما هي الغاية من الحوار ؟ إن الحوار في ذاته ليس غاية، فتلك  سفسطة نبرأ منها و نتعالى عليها و لكن الحوار لا يصح تحديد غايته بغاية خاصة، بثقافة واحدة أو حضارة واحدة، إنه لا بد أن يكون للحوار غاية تأخذ بالحسبان سنن الله التي أودعها في هذه الطبيعة، سنن الله في البشرية.

دعوني أقترح أن يكون الحوار مؤديا إلى تحقيق هذا الهدف : تزكية العلاقات بين ثقافات و حضارات العالم بما يؤمن الحد من الأوجه السلبية لتلك العلاقات و ينمّي أبعادها الإيجابية تحقيقا للمصالح المشتركة للمجتمع الدولي بمختلف ثقافاته و حضاراته. هذا هدف كبير أقترحه وأضعه بين أيديكم. من أجل تحقيق هذا الهدف إننا بحاجة إلى أن نحدد أهدافا عامة و أهدافا خاصة و وسائل مرحلية، فلا بد من تشخيص أسباب و جذور و أبعاد التنافر بين الحضارات المختلفة، لماذا حدث التنافر ؟ ما الذي أدّى إلى الصراع ؟ إنها دراسة تقوم على سبر الماضي من أجل الوصول إلى آفاق التقارب و آفاق التعاون بين الحضارات كلها وصولا إلى تحديد الأهداف المشتركة. و إنني، في هذا الصعيد، أقترح أربعة أهداف :

1- تكريس الإقتناع الحقيقي بالتعددية الثقافية و التعددية الحضارية، ليس كضرورة واقعية يمكن تجاوزها عندما تقتضي المصالح الخاصة تجاوزها، و إنما كميزة و فضيلة يتعيّن الإلتزام بها دوما حتى في حالات الحروب.

2- تأكيد حرية الخيار الثقافي الحضاري لكل الشعوب و لكل الأقليات بل و الأفراد بحيث مثلما كنا في الماضي ننادي بحق تقريرالمصير السياسي علينا أن نتبنّى حق تقرير المصير الثقافي.

3- نبذ إستخدام القوة و الضغوط و تبني الحوار و الوسائل السلمية في معالجة الخلافات، و لعله من المفيد أن يكون ذلك متبلورا في ميثاق ثقافي حضاري ملزم يضبط العلاقات ما بين الأطراف مثلما فرغت البشرية في نضج لها إلى ميثاق لحقوق الإنسان و إلى ميثاق للحقوق الثقافية حدّدها، فإن علينا أن نجعل بيننا نحن أبناء الحضارات المختلفة ميثاقا للحوار.

       دعونا نتوقف عند مرجعية هذا الحوار، حين يتحاور مجموعة من البشر لابدّ أن يكون بينهم إتفاق على مرجع يحتكمون إليه حين يختلفون. الحوار دون مرجعية مشتركة لا يعدّ حوارا و لا يمكن تسميته حوارا. وبالمثل أيضا إذا تعددت المرجعيات، فكل سيرجع إلى مرجعيته متنكبا مرجعية الآخر فيتعمّق الخلاف و تزداد الجفوة و لا نسدّ الفجوة، و لذلك لا بد من الإتفاق على مرجعية تؤدي إلى إقتراب الناس من بعضهم. و أنا أؤكد هنا أن الأديان لا تصلح مرجعية للحوار وقد أبدو غريبا و لكنني أؤكد أننا لا نريد الوصول من الحوار إلى دين واحد للبشرية فذلك مستحيل و لسنا مطالبين به لكنا مطالبون بأن نجعل الأبواب مشرعة للحوار بين الحضارات. أما الأديان فإن عليها أن تعترف ببعضها و أن تقترب من بعضها، أما أن تـتحاور وصولا إلى دين واحد فلا. الحوار مؤداه، أيتها السيدات و السادة، أن تقترب أنت منّي خطوة و أن أقترب أنا منك خطوة وذلك يعني أن أتنازل أنا عن بعض مفاهيمي و أن تتنازل أنت عن بعض مفاهيمك، و ذلك لا يحدث في الدين. فكل منّا يرى في دينه قداسة لا تدع مجالا للتنازل لكنّه يحدث في الحضارات و يحدث في الثقافات بمجملها و الذي من مكوناته التديّن بمفهومه البشري لقداسته الإلاهية. لذلك فإنني أضع مرجعا مقترحا يتفق عليه كلّ البشر وهو العقل، العقل البشري، هو مرجعية الحوار، العقل محل إحترام من كل البشر، هو الحد الأدنى الذي يقف عنده البشر للإحترام.

و أمتنا الإسلامية لا تجد حرجا في الإحتكام إلى العقل، و لا تجد حرجا في أن هذا العقل حاكم على النّص الشرعي. فالشرع محكوم بالعقل عندنا في فهم الدين الصحيح للإسلام، فليس هناك تعارض بين حاكمية العقل و حاكمية البيان الشرعي. الشرع يؤكد على إعتبار العقل أصلا من أصول المرجعية الشرعية، و يؤكد على الإحتكام إليه و في نطاقه،  العقل نطاق يتسع لكل الأمور الإجتماعية و المسائل العقلية و منها الحوار سواء بين المسلمين بعضهم أو بين المسلمين و غيرهم. و لا بد من التأكيد هنا أن الحوار لا بد أن يكون ندّيا بين ندّين يعترفان ببعضهما. فإن الحوار بين ضعيف و قوي لا يكون حوارا و إنما خوارا (بنقطة على الحاء). فالضعيف لا يحاور و إنما يكمن أمام القوي ساجدا مستنجدا، لذلك لابدّ أن يكون بين ندّين، يعترف كل واحد منهما بالآخر و لا بد .

يبقى أن أؤكد أن نطاق الحوار لا بد أنه مرهون بعملية تبدأ قبل ذلك و معه و مصاحبة له و موازية لسيرورته، وهي حوار داخلي في إطار كل حضارة، حوار داخلي في إطار كل ثقافة، حوار يكرس ديمقراطية الحوار بين الأنساق الفرعية للثقافة الواحدة البانية لحضارة واحدة، وذلك أنه من البداهة أن أي ثقافة ستغدو عاجزة عن الحوار مع الآخر و إستيعاب ما لدى الآخر، إذا كانت قد عجزت عن الحوار مع ذاتها و قد عجزت عن حوار أنساق نفسها. و هذا أمر موجه للحضارة الغربية بمكوناتها و أنساقهو موجه للحضارة العربية الإسلامية بأنساقها المختلفة. لذلك فإنني أقترح أهدافا للحوار الداخلي. سأقترح ثلاث أهداف :

الهدف الأول :

يتم الحوار الداخلي في الحضارة، دعونا نضرب مثلا بالحضارة العربية الإسلامية بهدف الوصول إلى :

       - تكريس أسلوب الحوار

       - الأخذ بالطرق السلمية في معالجة الخلافات في الأنساق الفرعية لهذه الثقافة

-  البعد عن العنف و الإرهاب و التكفير و التخوين، وهي مسائل قد إعتدناها و وجدناها في قواميسنا مع الأسف، و مع أنها معيبة فإننا نكشف عنها و لا نخاف لأن بداية إصلاح المعيب الكشف عنه.

       إنني أعتقد أنه من الأهمية بمكان أن نشجع التزاوج فيما بين الأنساق الفرعية للثقافة العربية الإسلامية، و يتم على أساس من الإحترام المتبادل لحرية الخيار الثقافي و تقرير المصير الثقافي. فما بين الشيعة  و السنة من أحقاد جبال بل و محيطات و نستطيع أن نتجاوزها إذا ما إتفقنا على أن من حق كل مجموعة من البشر أن تختار خيارها الثقافي كما تريد، و أن تقرر مصيرها الثقافي كما تملي عليها قناعاتها العقلية و الدينية. و إذا كان الدين في ذاته لا يجوز الإكراه فيه فكيف تجوز الإكراهات في القناعات الثقافية المجردة.

الهدف الثاني :

       تصحيح وعي الأنساق الفرعية بعضها ببعض، و كذا بالثقافات والحضارات الأخرى، سواء المجاورة التي على حدودنا و في تخومنا، أو الأخرى في الثقافة الغربية.

الهدف الثالث :

       علينا بالتالي أن نعيد النظر في المضامين الثقافية لثقافتنا من خلال الممارسة الفعلية لنقد ذاتي حقيقي هدفه تنقية مضامين ثقافتنا من السلبيات وهي كثيرة. و لست بخجلان أن أذكر أن سلبيات ثقافتنا كثيرة و لاتزال.هذا الظلام الذي نشهده في حياتنا الواقعية إنما هو إنعكاس لسلبيات في ثقافتنا الإسلامية العربية، لا يزال ملق بظلاله على حياتنا اليوم. و من أشد تلك السلبيات الظالمة الظلامية ما يتعلق بالمرأة و دورها في المجتمع و ما يتعلق بالفئات الأخرى غير الإسلامية و تقسيمات البشر ما بين كافر ومسلم، و مجتمع و دار حرب و دار سلام و دار أمن و دار أمان، كل تلك التقسيمات عفا عليها زمن ثقافي مر ينبغي على الفكر الإسلامي العربي اليوم أن يجددها و أن يجد لها جديدا يتفق مع مسيرة البشرية.

اليوم إننا في حاجة إلى أن نغرس الحوار و ديمقراطية  الحوار في حياتنا العربية بدءا بالطفولة مرورا بمناهج التدريس في المدارس و في الجامعات، و أسلوب التدريس. يجب أن يتحوّل الأستاذ إلى ديمقراطي مع تلاميذه، فإن كل أستاذ اليوم ديكتاتوري صغير.

إن الحوار الذي نبتغيه و نتطلع إليه في غاية الأهمية أن يتحدد لنا دور من خلاله، دورنا إذن يجب أن يكون دورا إبتدرايا، فاعلا، مستمرا، يقوم على أساس من أن الحوار أصيل في مرجعيتنا الثقافية، فديننا يأمرنا بأنه لا إكراه في الدين و يقيم العلاقات بين الجماعات على أساس من " أدع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعضة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن و ليس غير جادل ". و يقوم على أساس من " و قولوا للناس حسنا و ليس قبحا "، و يقوم على أساس من " لكم دينكم و لي ديني ". فهم يعترف بالآخر و يعترف بكينونته و دينه و يقيم مع الآخر من علاقات المودة و وشائج المحبة، و أواصر اللقاء، ما يجعل المجتمع البشري مجتمع محبة لا عداء.

أنا أعلم أنه قد يقال أن هذه الرؤية الحالمة ربّما، و لم لا نحلم ألسنا أحرارا في أحلامنا أم أن الآخرين و أعداء المحبة و الحاقدين على الحب سيسيطرون حتى على أحلامنا، و سيعلّموننا كيف نحلم، تلك إذن مسألة أخرى. أنا أعلم أننا بحاجة في إطار ثقافتنا العربية الإسلامية، إلى إعادة تحديد مضمون الخطاب الإسلامي بمكونه البشري في شقه البشري بما يتفق مع مضامين البيان الشرعي الذي يتناسب مع العصر. أعلم أننا بحاجة إلى ضمان تكامل  نوعي. الحوار بين خطاب و كلام و بين فعل و سلوك. أعلم أننا، و أرجو أن تعلموا معي، أننا في حاجة أن نحرس هذا الحوار و نتائجه الجميلة من أنفسنا، فإن أخطر ما يصيب حضارة و ثقافة ما مرض يصيب أصحاب الثقافة و أصحاب الحضارة. فلا بد أولا من التحديد السليم لأهداف الحوار.

و لقد قدمت إليكن و إليكم بعض الأمثال، و لا بد أن نتجنّب الأهداف الإقصائية، فكثير منا يقصي الآخر، كثير منا يعادي الآخر بأسلوب أو بآخر، و إن تزيّا و تردي أزياء أخرى، فكثير ما تزوق الآراء لتبدو مقبولة. و الحقد يتلوّن بتلوّن وعائه، و لذلك علينا أن نتجاوز التأثيرات النفسية التاريخية التي تلقي بظلالها على حوارنا اليوم سواء كانت أحقادا أو إرثا من تاريخ أو إستعادة لظلال التاريخ. إننا في حاجة إلى أن نتجاوز الإستغلال و الإنتهازية.

إننا في حاجة إلى أن نعيد النظر في مناهجنا الدراسية و نطالب الغرب بمجموعه أن يعيد هو أيضا النظر في مناهجه الدراسية. فمثلما نحن في حاجة لإعادة مناهجنا للإعتراف بالآخر فهو مطالب أيضا بأن ينقي مناهجه. ففي الفكر الديني الغربي نجد صراع الآلهة، وفي الفكر الفلسفي نجد مقولات "نيتشه و هيجل "، و في الفكر الإقتصادي نجد صراع الطبقات، و في الفكر الحضاري نجد مقولات " صموال هينتنجتن "، و في الفكر السياسي هناك توازن القوى و الواقعية الوضعية، حتى في الفكر البيولوجي نظرية البقاء للأصلح، و في الفكر الإجتماعي مقولات المدرسة الدروينية الإجتماعية الحديثة. و في الفكر النفسي من ينسى نظريات " فرويد "، و كل هؤلاء يقدم عصيرا ينتج عنه حقده  و تآثم بين البشرية و نسيان لواحدية الأصل و نسيان للمحبة التي ينبغي أن تجمعنا وقتا ما.

فإنه في أجواء بيت الحكمة  و إستنهاضا للهمة التي بعثها في قلبي "بوحديبة"، فإنني أتقدم بمقترحات محددة : إننا بحاجة إلى أن نتخاطب مع الحضارة الغربية فننشئ في جامعاتهم كراسي لتدريس ثقافتنا، و ننشئ في جامعاتنا كراسي لتدريس ثقافاتهم، و نهتم في جامعاتهم بتدريس لغتنا و نهتم في جامعاتنا بتدريس لغاتهم دونما نفور و لا شوفينية مغرقة و لا إنغلاق على الذات و لا إنكفاء، فإن ذلك يؤدي إلى نسيان واحدية الأصل. و لا أنسى أن أذكّر أن الإعلام الفضائي في هذا العصر يمكن أن يقدّم خدمات جلى لنجاح الحوار كما أن مواقع الواب على الأنترنت يمكن أن تكون سببا من أسباب التواصل، و إن المهاجرين منا عندهم و المهاجرين منهم عندنا ينبغي أن يرحّب بهم و أن يعطى لهم من التسهيلات و من حق المواطنة عندنا و عندهم، بل و التصويت في الشؤون السياسية عندنا  و عندهم ما يجعل الحوار متسقا و الصلة قائمة. و يجب أن نسعى إلى التوأمة بين المؤسسات التربوية و الثقافية هنا و هناك، و أن نتقدم على كل الأصعدة بمطبوعات CD و الكتب، و أن نتقدم متبرجين بكل زينة تقدم حضارتنا و ثقافتنا إلى الآخر، و أن نستجلب كل زينة الآخر و جميل ما عنده.

هل لي أن أختم بحلم جميل ؟ هل نستطيع أيتها السيدات و السادة أن نصنع منهجا دراسيا في التعليم الأولي واحدا في العالم يربي البشر جميعا على أنهم إخوة و على أنهم من أصل واحد، و على أن ما يختارونه من أديان ينبغي أن تكون موحدة لا مفرقة، و ما ينطقونه من لغات ينبغي أن تكون سبيل تواصل و إثراء لا تمزّق و إبتعاد... ذلك حلم و إن الأحلام لذيذها ما ليس متحققا الآن. و شكرا

  محاضرات أخرى