المحاضرات
المؤلفات

 

دور البعد الثقافي في التفاعل بين الحضارات

 

الحضارات البشرية فعل أو صنع بشري يعكس صفات صانعيها من البشر. فهي، كالبشر، تتألف من عنصرين أساسيين : العنصر المادي والعنصر المعنوي ، وهي ، كالبشر أيضا تولد وتفنى، وتزدهر وتضمحل. وعموماً تتشكل وتتحدد صفات وتوجهات الحضارات في إطار المرجعية الحضارية التى توجه سلوك فئاتها الفاعلة. وكيفما كان حظ مرجعية حضارة ما من التوازن والإختلال ، والبدائية والتطور، والمادية والروحية، والإستقامة والإنحراف، والعدائية والودية فإنه ينعكس بتناسب ملحوظ على تلك الحضارة .


العـــلاقة بين الحضـــارات :
وإذا كانت الحضارات صنعاً بشرياً فإن من الطبيعي القول أن العلاقات بين الحضارات هي أيضا من صنع البشر وأنه يصدق عليها فى أكثر الأحيان ما يصدق على العلاقات البشرية عموماً. ولذلك فإنه، وبعيد عن مقولات حتمية الصراع وأمنيات إلغاء الصراع أو إنتهائه بين الحضارات، ظلت العلاقات بين الحضارات تتراوح بين السلم والحرب، والتعاون والصراع، والإسترخاء والتوتر تماماً كماهو شأن العلاقات بين أفراد البشر وكذا بين الكيانات البشرية الجماعية الأخرى كالأسرة والدولة.

وسواء كانت العلاقات المباشرة بينها ودية أم عدائية، فإن الحضارات تبقى تتبادل المنافع وترث اللاحقات عن السابقات ما تبنى عليها بعض عطاءاتها وإنجازاتها . وصحيح إن قدر ونوع الإنتفاع ومجالاته تتحكم فيه عوامل عدة تأتي في مقدمتها طبيعة العلاقات وإختلاف المرجعيات بيد أن القدر الذي تحقق من إنتفاع الحضارات من بعضها هو الذي أتاح التراكم الحضاري الذى يشكل إرثاً إنسانياً مشتركاً .

وبناء على نوع وطبيعة العلاقات والظروف السائدة تتحدد الوسائل والسبل التى تسلكها الحضارات للتفاعل مع بعضها. فالعلاقات الصراعية تتوسل بالوسائل والأساليب الصراعية كالقتال والحصار والهيمنة بينما تتوسل العلاقة الودية بالوسائل و الأساليب الودية كتبادل المعرفة التقنية وتسهيل الإنتقال البشري وحل الخلافات بالطرق السليمة .

الحــــوار وأنواعــــه :
بإعتباره أحد وسائل التعامل البشري يمثل الحوار أحد وسائل التفاعل الحضاري . ويعد الحوار أساساً وسيلة سلمية ويستعمل في الغالب الأعم لغرض ودي ولكنه قد يستخدم أحياناً لغرض غير ودي الأمر الذي يحوله من وسيلة للتعاون وحل الصراعات إلى وسيلة لإستمرار الصراع وتكريسه بطرق أقل عنفاً.

وبناء على الوسيلة المتبعة يمكن التمييز بين نوعين من الحوار هما :

الحوار الخطابي (اللغوي) :
وهو الحوار الذي يتم بإستخدام اللغة سواء كانت لغة لفظية (لسانية) أو إشارية وسواء تم الحوار شفاهة أو كتابة. وهو يكون إما حواراً عفوياً أو عادياً كالذي يجري يومياً بين الناس عند مخاطبتهم لبعضهم البعض لأي غرض كان وإما حواراً منظماً ومتعمداً يتم داخل إجتماعات أو من خلال تبادل الكتابات والرسائل. وهذا الحوار الخطابي المنظم والمتعمد هو مايتبادر للذهن عند إطلاق كلمة الحوار .

الحوار العملي (السلوكي) :
وهو الحوار الذي يتم من خلال الأفعال والسلوكيات والإنجازات والمواقف التي تعبر عن نفسها وتنقل للأخر إنطباعات أو قناعات إيجابية أو سلبية عن مصدرها. والحوار الفعلي منه ما هو غير مباشر وهو كل فعل أو سلوك لم يتم أساساً بقصد نقل أو إعطاء إنطباع أو فكرة معينة للأخر وإن كان هذا الآخر عادة ما يفهم أو يستقي منه إنطباعات أو فكرة ما ، ومنه ما هو مباشر وهو كل فعل أو سلوك عملي يصحبه قصد التأثير على الآخر ونقل رسالة معينة إليه.

وحوار الحضارات هو الحوار الذي يتم بين الحضارات ، سواء جرى خطابياً أو عملياً ، إلا أن المعني به هنا أساساً هو الحوار الخطابي وخاصة المنظم بين أهل الحضارات.


المجموعـــات الحضـــارية :
هناك عدة حضارات لها اليوم وجود ما على كوكب الأرض . ومع تسليمنا بأهمية أن ينتظم الحوار بين الحضارات كافة الحضارات الحية والتي ينتسب لها سكان العالم اليوم إلا أنه نظراً لأن المقام لا يتيح وقد لا يتطلب ، تخصيص كل حضاره بحديث خاص فإنه يمكن تقسيم الحضارات المعنية إلى ثلاث مجموعات هي :

- المجموعة الحضارية الإسلامية .

- المجموعة الحضارية الغربية .

- المجموعات الحضارية الأخرى .

ويقوم هذا التقسيم الثلاثي على إعتبارين أساسيين أولهما هو إعتبار الموضوع إذ أن كون موضوع هذه الورقة هو دور المجموعة الحضارية الإسلامية يستدعي تمييز المجموعة الحضارية الإسلامية عن غيرها من المجموعات، وثانيهما هو إعتبار الظرف الراهن والذى يفرض تميز المجموعة الحضارية الغربية نظراً لتميز الحضارة الغربية فى الظرف الراهن بكونها الحضارة ذات الصدارة والهيمنة. كذلك يستدعي إعتبار الظرف الراهن تميز المجموعة الحضارية الإسلامية لكون العلاقة بينها وبين المجموعة الحضارية الغربية هي الأكثر جذباً للإهتمام العالمي فى الظرف الراهن .


العوامل المؤثرة على دور المجموعات فى حوار الحضارات :
الحديث عن الدور الذي يمكن أن تقوم به حضارة أو مجموعة حضارية ما في الحوار بين الحضارات يمكن

مقاربته من منظورين مختلفين هما : المنظور الرغيوي والمنظور الموضوعي .

ويتناول المنظور الرغيوي الدور المعنى من حيث ما يرغب أويتمنى المرء أن يكون عليه هذا الدور، سلباً أو إيجاباً، وبدون الأخذ في الإعتبار ما إذا كان هذا الدور المرغوب أو المتمنى ممكناً عملياً أم لا . أما المنظور الموضوعي فيركز على إكتشاف الدور الذى تتوافر أو يمكن أن تتوافر للحضارة المعنية مقومات ومتطلبات القيام به فى ظل الظروف السائدة .

ويتأسس المنظور الموضوعي على أن الحوار، بما فيه الحوار بين الحضارات، يعد فعلاً مشتركاً بين أكثرمن طرف وأن الأدوار المتوقعة تجاه أو في أي فعل مشترك عادة ماتتشكل وتتحدد وفقاً لعوامل موضوعية معينة تأتي فى مقدمتها :

- المرجعية والقيم :
مرجعية وقيم كل طرف وقناعاته هي التي تُملي عليه أو، على الأقل، تبين له الموقف الأخلاقي أو القانوني المطلوب من الفعل المعني (=الحوار) وما إذا كان عليه أن يشارك أو لا يشارك وما هي طبيعة (إيجابية أو سلبية) ودرجة المشاركة. وتختلف قوة تأثير هذا العامل بإختلاف درجة حضور الجانب المرجعي والقيمي فى سلوكيات الأطراف .

- المردود المتوقع :
والمعني بالمردود هنا هو مدى المنفعة أو الضرر المادي أو المعنوي المتوقع من المشاركة أو عدم المشاركة في الفعل المعني . ويزداد تأثير هذا العامل في تحديد الموقف المطلوب من الفعل المعني كلما قل تأثير عامل المرجعية والقيم أو توافقت محصلتهما .

- البديل المتاح :
يؤثر مدى توفر بديل أخر يمكنه تأمين أو معالجة المردود المتوقع من الفعل المعني في تحديد الموقف من هذا الفعل.

- القدرات والإمكانات :
تؤثر قدرات وإمكانات الطرف ووضعه العام على موقفه من الفعل المعني من خلال تداخلها مع عامل المردود المتوقع وعامل البديل . بيد أن الأثر الأوضح للقدرات والإمكانات إنما يكون في دورها في تحديد حجم أو درجة المشاركة أوالتفاعل وبالتالي مدى فاعلية دور الطرف .

- دور الأطراف الأخرى :
لموقف الأطراف الأخرى من الفعل المعني وطبيعة ودرجة مشاركتها فيه أثره في تحديد طبيعة ودرجة مشاركة الطرف المعني .

ويمكننا فيما يلي الإستعانة بالعوامل المذكورة سابقاً في محاولة معرفة نوع أو طبيعة وحجم الدورالذي يمكن أن تقوم به كل مجموعة حضارية، وخاصة الغربية والإسلامية، في الحوار بين الحضارات .


دور المجمــوعة الحضــارية الغربيـة
ليس من العسير ملاحظة أنه بالرغم من بعض التصريحات والتحركات العلنية الإيجابية على المستوى النظري فإن المجموعة الحضارية الغربية ليست متحمسة كثيراً على المستوى العملي للدعوة القائمة للحوار الحضاري الندي والحقيقي . وهذى الموقف الغربي غير المتحمس للحوار الحضاري الندي والحقيقي هو من الوضوح بحيث لم يجد مسئول الأمم المتحدة لحوار الحضارت حرجاً في تجاوز المجاملات الدبلوماسية السائدة للتصريح به علناً .

وضعف حماس المجموعة الغربية للحوار الحضاري يمكن تفهمه وتفسيره ، ولو جزئياً، في ضوء مجموعة العوامل الموضوعية التى سبق وأن ذكرنا أنها الأكثر تأثيراً في تشكيل دور أطراف أي فعل مشترك . وممايمكن الإشارة إليه هنا بهذا الصدد :

عامل المرجعية والقيم : ويبرز هنا بوضوح أن :

- بعض - ولعله أكثر - النخب الفاعلة في المجموعة الغربية تراودهم ، إن لم تكن تتملكهم، فكرة أن الحضارات الأخرى حضارات متخلفة ولن تخسر الحضارة الغربية كثيراً من زوالها خاصة وأإن قيمها المتخلفة - في نظرهم - تتعارض مع قيم الحضارة الغربية ولاسبيل إلى تمدين تلك الحضارات وتحديثها إلا بإستبدال قيم الحضارة الغربية بقيمها، وهو مايعني بوضوح "تغريب" تلك الحضارات. ومن الواضح انه لايمكن لمثل هذه القناعات والنظرات الإستعلائية أن تشجع أصحابها على تبني الحوار الحضاري الندي كوسيلة مناسبة للتعامل مع الحضارات الأخرى والتي ربما يرون انها حتى لاتعرف قيمة الحوار .

- يبدو أنه يغلب على المضمون الفكري للحضارة الغربية التوجه الصراعي وليس توجه الحوار السلمي . ويمكن ملاحظة ذلك من الحضور المكثف لنظريات ومقولات الصراع في مختلف أنساق وشعب الفكر الغربي بما فيه الفكر الديني (صراع الآلهة) والفكر الفلسفي (مقولات نيتشة وهيجل) والفكر الإقتصادي (نظرية صراع الطبقات) والفكر الحضاري (مقولات صمويل وبرنارد لويس) والفكر السياسي (نظريات توازن القوة والواقعية الوضعية) والفكر البيولوجي (نظرية البقاء للأصلح) والفكر الإجتماعي (مقولات المدرسة الداروينية الإجتماعية) والفكر النفسي (نظريات فرويد) و.. إلخ

ولعل من شأن نظرة ولو عجلى في تاريخ المجموعة الغربية أن تقدم الدليل الواقعي على ان غلبة التوجه الصراعي على الفكر الغربي ليس أمراً نظرياً فحسب وإنما له إنعكاساته وتجلياته البارزة في الواقع سواء في التاريخ الداخلي للمجموعة (تاريخ الحروب الدينية في الغرب، والحروب الأهلية داخل دولها، والحرب الباردة بين شقيها الرسمالي والماركسي و..إلخ) أوتاريخها الخارجي (توسعات الإمبراطوريتين الرومانية واليونانية وغزوات الإسكندر والحروب الصليبية والحربين العالميتين والحملات الإستعمارية و...إلخ) .ثم إن طغيان الصناعة العسكرية الصرفة على الحضارة الغربية وكون الدوافع والأهداف العسكرية تعد أساسية في كثير من الصناعات الأخرى فيها له دلالة واضحة على هيمنة التوجه الصراعي على الفكر الغربي . و لعل ماتقدم هو بعض مادفع بعض مفكري الغرب إلى إعتبار العنف - وليس الحوار - سمة بارزة للحضارة الغربية .

وصحيح ان الفكر الغربي لايخلومن دعوات للسلم والحوار إلا أن هذه الدعوات - أولاً - تمثل واقعياً التوجه أو الصوت الأضعف في الفكر الغربي و - ثانياً - يتم باستمرار إضعافها وتقويضها من داخل الفكر الغربي ، ولعله لا أدل على ذلك أنه بالرغم مما هو معروف من جلاء وشهرة نصوص الانجيل التي تدعوا للسلم وتحرم العنف ناهيك عن الحرب تواصلت جهود رجال الدين المسيحي في الغرب لإيجاد مبررات دينية للحرب و- ثالثاً -من الواضح أن سمة الازدواجية السائدة في السياسة العملية للمجموعة الغربية تسري أيضا على موقفها العملي من دعواتها النظرية للسلم والحوار كما يؤكد ذلك عدم تردد المجموعة في تجاوز تلك القيم أي قيم السلم والحوار في علاقاتها الدولية وسياستها الخارجية كلما أقتضت مصالحها الخاصة تماماً كما تفعل بقيم ومبادىء أخرى كالديمقراطية وقواعد حقوق الانسان.

عاملا المردود والبديل : ويلاحظ هنا :
- طالما أن الإتجاه السائد في وسط مجموعة الحضارة الغربية هو - كما سبق الذكر - أن الحضارات الأخرى هي حضارات متخلفة ليس مادياً فحسب وإنما قيمياً وفكرياً ايضاً يغدو طبيعياً أن لاتتوقع المجموعة الغربية مردوداً مغرياً أو حتى مناسباً من فكرة حوار الحضارات . و الأرجح أنه يسود بين الفئات الفاعلة في المجموعة الغربية أن فكرة الحوار الحضاري الندي لاتنسجم لا مع رغبتها في "تغريب" الحضارات الأخرى ولا مع ما تراه من أن من حقها بل من مسئوليتها الإنفراد أبداً بالقيادة الفعلية للعالم . فالحوار الحقيقي يقتضي وينطوي بالضرورة على إعتراف باطراف الحوارالأخرى أي الحضارات الأخرى ولايخفى ما في مثل هذا الإعتراف من تشجيع وتبرير لدعوات الخصوصية الثقافية والحضارية و التي لاتتفق مع الرغبة الغربية في تغريب العالم ، ولتطلعات تداول القيادةالدولية أو الحضارية أو على الأقل الإشتراك فيها و هي تطلعات لاتتفق مع حرص المجموعة الغربية على الإنفراد بالقيادة .

- إن شعور المجموعة الغربية بأنها القوة العالمية التي لاتقهر يجعل دوائر إتخاذ القرارفيها تتأثر غالباً بما في وعيها من أن لها بديل أخر للحوار هو القوة والتي يمكنه بواسطتهاتحقيق مستويات أعلا من أهدافها الدولية مما يمكن أن تحققها عن طريق الحوار .ولذلك فهي كثيراً ماتنزع إلى تحقيق أهدافها الدولية عن طريق فرضها بالضغوط و - إن استدعى الأمر - بإستخدام القوة المادية وليس عن طريق الحوار والتي غالباً ماتوصل فقط إلى حلول وسط لاترضي طموحات المجموعة كطرف أقوى ولاتنسجم مع أهدافها الإقصائية كالتغريب والإنفراد بالقيادة والهيمنة.

وإجمالاً ، نحسب أن الكيفية التي نظمت وتدير بها المجموعة الغربية منظمة الأمم المتحدة ، أكبر منتدى للحوارالدولي في عالم اليوم،وحرصها الملحوظ على مقاومة دعوات إحتواء التغيير والإصلاح للمنظمة يعكسان- وأزعم بدقة بالغة - موقفها العملي من الحوار مع الغير عموماً وهو ان هذا الحوار كيفما جرى نظرياً لاينبغي أن يحسم عمليا حسماً عقلانياً ندياً أو ديمقراطياً بل يتعين أن تبقى النتيجة العملية للحوار تحت سيطرة المجموعة الغربية وأنه لامانع من تخطي هذا المنتدى والإفتئات على إختصاصاتة والإلتفاف على الحوار الدولي كلما بدا لها أن مصلحتها تقتضي ذلك . ولاتخفى مالذلك من دلالة ظاهرة على ضعف إيمان المجموعة بالحوار الندي مع الغير.

دور المجموعات الحضارية الأخرى
لايسع المقام تفصيل القول في مواقف المجموعات الحضارية الأخرى من الحوار وفق العوامل المشار إليها. على أنه من غير العسير ملاحظة أن هذه المجموعات أقل انشغالاً، على الأقل في الوقت الراهن ، بمسألة الحوار بين الحضارات. ويمكن القول إجمالاً إنه أياً كان الموقف المتوقع لهذة المجموعات من الحوار مع المجموعة الغربية أو من الحوار مع بعضها البعض فإن من الواضح أن هذة المجموعات لاتشعر بوجود داع قوي حالياً للحوار مع الحضارة الإسلامية وإن كان بعضها قد تسعى للإستعانة بالمجموعة الحضارية الإسلامية لتحقيق مارب دولي خاص أو مواجهة ضغط ما من مجموعة الحضارة الغربية . وعمليا لم تظهر حتى الان مبادرة رسمية جادة للحوار مع المجموعة الحضارية الإسلامية من أى جهة سوى اليابان


دور المجموعة الحضارية الإسلامية
أولاً - طبيعة الدور ودواعيه :
إذا صح مارجحناه أنفاً من ضعف حماس المجموعة الحضارية الغربية للحوار الحضاري وكذا ضعف إحتمال مبادرة المجموعات الحضارية الأخرى إلى الحوار، ترجح تلقائيا انه مالم تبادر المجموعة الحضارية الإسلامية إلى القيام بدور ريادي وفعَّال في الدعوة إلى ورعاية وتنظيم الحوار بين الحضارات والسهر على إستمراريته وتواصله فإن هذا الحوار الذي لايساورنا أدنى شك في أهميته وضرورته ربما لن يقوم أصلاً بالشكل الأمثل وربما يقوم وسرعان ما يتلاشى ويزولأو يتم تعليقه كما حدث لمحاولات حوار دولية أو إقليمية أخرى كحوار الشمال والجنوب وربما يقوم ويستمر شكل محور منه لايحقق هدف الحوار الندي والجدي .

وليس الواقع القائم أو - بعبارة أخرى - منطق الواقع وحده هو ما يستلزم أن يكون دور المجموعة الحضارية الإسلامية في مشروع حوار الحضارات دوراً مبادراً ريادياً فاعلاً ومتواصلاً بل إن ذلك هو ما توجبه عليها أيضاً المرجعية التي تقوم عليها حضاراتها. فالإسلام أوجب على المجموعة الحضارية الإسلامية أن تقوم بمهمة الشهادة على سائر المجموعات الحضارية الأخرى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس )، ولا ولن يكتمل لهذه المجموعة القيام بهذه الشهادة على مستوى العلاقات مع الغير ما لم تبادر إلى تأسيسها وإدارتها على مبدأ الحوار والذي هو الأصل في العلاقات عموماً في الإسلام.وإذ بدا واضحاً أن كلا المنطقين الواقعي والمثالي يتطلبان أن يكون دور المجموعة الحضارية الإسلامية في حوار الحضارات دوراً مبادراً ريادياً فاعلاً ومتواصلاً فإن السؤال الذي قد يتبادر إلى الذهن هو ترى هل تملك هذه المجموعة المقومات اللازمة لقيامها بهذا الدور المطلوب منها؟

ثانياً - مقــومـــات الــــــدور :
نعتقد أن من شأن أي تقييم موضوعي ، مؤسس على المعلومات الكافية أن يرجح توافر المقومات الأساسية المطلوبة لقيام المجموعة الحضارية الإسلامية بالدور المطلوب وعلى النحو المذكور. امل من المفيد أن نشير في ما يلي إلى بعض المقومات الموضوعية التي تدلنا على توفرها لهذه المجموعة ذات العوامل التي كشفت لنا في ما سبق عدم توافر مثل تلك المقدمات لمجموعة الحضارة الغربية.


عامل المرجعية والقيـم :
على النقيض مما ظهر لنا عن موقف فكر المجموعة الحضارية الغربية من الحوار، نجد أن الحوار يمثل توجهاً أساسياً وأصيلاً في مرجعية المجموعة الحضارية الإسلامية (البيان الشرعي). إذ يوضح لنا القرآن الكريم - أساس مرجعية المجموعة الإسلامية - أن العلاقة الاساسية الأولى في هذا الوجود ، وهي علاقة الخالق بالمخلوقات ، قد بدأت وتأسست وأستمرت على أساس الحوار ، والحوار وحده.

رغم ضعف أو سلبية الاستجابة قضى الله أن تستمر علاقته بالبشر على أساس الحوار - الحوار الإقناعي وليس القسر والإكراه، ظل يحاور الإنسان والجن من خلال رسالاته السماوية الحوارية التي نقلها عنه اليهم ملائكته ورسله. وقد أوردت لنا هذه الرسالات صوراً من حوارات رسل الله مع أقوامهم .

إذن ، مرجعية المحموعة الاسلامية تقوم اساسا على الحوار وبالتالي . فهى تدعم الحوار بين البشر كما هو واضح من دعوتها لأتباعها لاعتماد الحوار في تفاعلاتهم مع الناس عموما " وقولوا لناس حسنا " وتمد المرجعية الاسلامية افراد مجموعتها بشرع عقلاني ينمي فيهم النهج العقلاني و بالتالي يعزز قدراتهم الحوارية .

عامـــل البـــديـــل :
كنا قد انتهينا في تقيمنا لموقف المجموعة الغربية من الحوار وفقاً لمعيار عامل البديل إلى أن الفئات الفاعلة في هذه المجموعة دائماً ما تضع في إعتبارها انها تملك بديلاً آخر غير الحوار لتحقيق أهداف علاقاتها بالغير وهو خيار الضغوط ( تهديداً وإغراء ) و - إن لزم الامر - إستخدام القوة . ومن الواضح أن هذا البديل غير متاح حاليا للمجموعة الإسلامية نظرا في للاختلال القائم في موازين القوى لصالح الآخر نتيجة تخلف المجموعة الاسلامية عن حسن توظيف أو أستغلال وتطوير ما تتوافر لها من موارد معنوية ومادية ضخمة . وبينما قد يبدو للبعض أن للمجموعة الإسلامية بديل آخر هو العزلة فإن النظرة الواقعية تؤكد أنه في ظل المتغيرات الدولية الراهنة لم تعد العزلة بديلاً متاحاً لا للمجموعة الإسلامية ولا لغيرها من المجموعات ، واذا بدا واضحاً ان بديلي القوة ( الصراع العنيف ) و العزلة غير متاحين واقعياً ، بل وغير سائغين شرعاً، ترجح أن الحوار هو الأسلوب الوحيد المتاح حالياً للمجموعة الإسلامية في علاقاتها مع الغير وخاصة المجموعة الغربية . ولعل ذلك و- للأسف - ليس الدافع المرجعي أو الإستيعاب الواعي للمردود الكبير الذي يتيحه الحوار هو الأكثر حضوراً في قبول أكثرنا لشعار الحوار.

عـــامــل المــــردود :
ربما يكفي القول هنا أنه إذا كان الحوار هو الأسلوب الوحيد المتاح للمجموعة الإسلامية فإن ذلك يعني بالضرورة أن الحوار هو ما يمثل بالنسبة لهذه المجموعة الاسلوب الأكثر مردوداً . على أن من غير العسير في ضوء ماتمهد إدراك أن الحوار يظل البديل الأكثر مردوداً من منظور الإسلام حتى ولو كانت تتوافر بدائل أخرى.

عـــامل المقــــدرات :
تتحدد القدرة الحوارية لأي طرف من خلال عدة عوامل ذاتية وأخرى خارجية ، وأهم عامل هو العامل الذاتي المتمثل في منطقية التصور المرجعي وسلامة وجهة النظر المطروحة ، وإذا كان من أهم نقاط ضعف القدرة الحوارية للمجموعة الغربية ضعف منطقية تصورها المرجعي وعدم سلامة وجهة نظرها فإن - في المقابل -قوة التصور المرجعي ومنطقيته هي أهم وأكبر ما يقوي ويعزز القدرة الحوارية للمجموعة الإسلامية . ومرد في ذلك هو انه بينما تصور المجموعة الغربية هو أساساً تصور بشري فإن أساس طرح المجموعة الإسلامية ومحوره هو تصور رباني ، وبينما الغالب على أهداف المجموعة الغربية تحقيق المزيد من الهيمنة والإنفراد بشئون العالم فإن أهم ما تتطلع إليه المجموعة الإسلامية وتستهدفه من الحوار هو العدل والشراكة المتكافئة في إدارة العلم وكما ان علو منطق التصور الرباني على منطق التصور البشري أمر لاشك فيه فإن من المؤكد ايضاً ان اهدافاً من مثل العدل والشراكة أكثر منطقية وأكثر معقولية من أهداف من مثل الهيمنة والإنفراد .

لعل ما سبق كاف لبيان ان المجموعة الحضارية الإسلامية تتوافر على المقومات الاساسية اللازمة للمبادرة للقيام بدور ريادي فاعل ومستمر في الحوار بين الحضارات.

ثالثاً - التحديات التي تواجه دور المجموعة
إن المقومات الاساسية وإن كانت ضرورية إلا انها ليست كافية للقيام بالدور المحدد أو المطلوب على الوجه الأمثل. ومن هنا تأتي أهمية المتطلبات الأخرى والتي ترقى بعضها لأن تعتبر شروطاً في حسن القيام بالدور المطلوب و تمثل في مجموعها تحديات تواجه المجموعة الإسلامية . ومن هذه التحديات :

إعادة تحديد مضمون الخطاب الإسلامي ( المكون البشري) بما يتفق مع مقتضى مضامين البيان الشرعي المناسب للواقع المعاصر .

ضمان تكامل بعدي أو نوعي الحوار وعدم تناقضهما أي ضمان أن لا يتخلف الحوار العملي (السلوكي ) عن الحوار الخطابي (اللفظي) من خلال حرص المجموعة الإسلامية على تمثل قيمها وتجسيد مضامين طرحها الحواري الخطابي تجسيداً فعلياً على أرض الواقع .

حماية الحوار من أنفسنا أولاً ومن الغير ثانياً من خلال التحديد السليم لأهداف الحوار (بالتركيز على الأهداف التكاملية والتعاونية وتجنب الأهداف الإقصائية والعدائية) ، وتجاوز التأثيرات النفسية المحتملة للجوانب السلبية في تاريخ العلاقات وخاصة مع المجموعة الغربية (الصليبية والإستعمار و...الخ) ، وإبعاد الحوار عن تسلط القوى المتمصلحة سوا