تمهيــــــــد
:
1 - أهمية الخطاب ودوره :
للخطاب عموماً أهميته في أنه بالإضافة إلى كونه وسيلة التواصل مع
البشر ، أفراداً وجماعات ، ولمختلف الأغراض فإنه يعد العامل الخارجي
الأهم في تشكيل البنية الذهنية أو التكوين العقلي للبشر كما يعد أحد
المؤثرات الأساسية على النفس البشرية . وبخصائصه العامة تلك ، كان
الخطاب ومازال هو الوسيلة لأساسية وأحياناً الوسيلة الوحيدة المتاحة
لتوجيه الأفراد وتغيير المجتمعات . وقد شرّف الله الخطاب بأن أختاره
ليكون وسيلته للتواصل مع البشر وأشار إلى أهمية أثره ودوره بان جعله
كافياً لإقامة حجته على الناس أجمعين . ولا غرو والأمر كذلك أن يصبح
الخطاب، وخاصة في عصرنا هذا ، أهم
وسيلة للتنافس أو الصراع الدائر على عقول البشر.
ويمثل الخطاب الإسلامي المكون
الأساسي للعقل المسلم كما أنه يشكل - أو هكذا يفترض - المصدر الأساسي
لوعي الأخر (غير المسلم) بالإسلام . ومن هنا يبدو واضحاً ومفهوماً
أنه مهما يكن بالمسلمين من حال العلم أو الجهل ، والرشاد أو الضلال ،
و الوحدة أو الشقاق ، والتحضر أو التخلف وكذا مهما يكن عليه وعي
الأخر بالإسلام من حال العمق أو الضحالة ، والسلامة أو التشوه ،
والصحة أو الزيف إنما يعكس أساساً حال الخطاب الإسلامي السائد .
واستطرادا للقول - لايبدو بعيداً
عن الصواب الزعم بأن إشكالية الحضارة الإسلامية هي لدرجة كبيرة
إشكالية خطابية . فالخلل في فهم المسلمين للخطاب - الخطاب الشرعي -
وما ترتب عليه من خلل في الخطاب الإسلامي عموماً كان من أهم عوامل
تعثر وتدهور الحضارة الإسلامية الأولى ، كما يصح القول بأن أكثر
إختلافات المسلمين التي أذهبت ريحهم وثيقة الصلة بالخطاب ، وان غالب
مظاهر الخلل الحضاري عند المسلمين اليوم ، مثل ضعف الحصانة الذاتية
الثقافية والفكرية وضمور النهج العقلاني والتوجهات الفقهية الخاطئة ،
يمكن تتبع على الأقل بعض جذورها إلى الخلل القائم في الخطاب الإسلامي
السائد .
وإذا كان ذلك كذلك ، يبدو جلياً
أن لا سبيل لإعادة تكوين العقل الإسلامي وإصلاح حال المسلمين وإعادة
بناء الحضارة الإسلامية وتصحيح وتحسين وعي الأخر بالإسلام وصولاً
لتزكية العلاقة بالأخر ، أفراداً وجماعات وحضارات ، دون إحداث ما
يلزم من التغيير أو الإصلاح في الخطاب الإسلامي السائد.
2 - مفهوم الخطاب الإسلامي :
ربما جاز أن يدرج ضمن الخطاب الإسلامي كل خطاب يتمحور مضمونه حول
الإسلام بياناً وعرضاً له ، وإستلهاماً أو تشويشاً لحقائقه، وتحليلاً
أو نقداً لنصوصه ، ودعوة إليه أو صداً عنه وسواء كان ذلك في المجال
الفقهي أو العقدي أو الفكري أو العلمي أو الأدبي أو ....الخ . ولعل
لمثل هذا التوسع في مفهوم الخطاب الإسلامي مايبرره أو يدعمة شرعا فى
ماهو معلوم من اقرار نصوص القرآن والسنة التوسع في مفهوم أو مدلول
لفظ أو وصف المسلم بحيث انها تجير اطلاقة حتى على من لاتتعدى علاقتة
بالاسلام العلاقة الظاهرية بل وحتى على من ثبت أن علاقتة الحقيقية
بالاسلام هى علاقة تضاد وعداوة كالمنافق . ما جرى عليه العرف من عدم
إستبعاد كل ما لايصح من فقه أو فكر المسلمين من الخطاب ( الفقه أو
الفكر ) الإسلامي ، كما ان له ما يبرره في أن الغالب هو إن كل من ليس
في وضع يمكنه من التمييز بين ما يصح أو ما لايصح عن الإسلام أو فيه
عادة ما يسلم بمضمون كل ما يبلغه من خطاب يتمحور حول الإسلام ، على
أنه الإسلام أي على أنه خطاب إسلامي . وبينما من شأن التوسع في مفهوم
الخطاب الاسلامي أن يتيح إمكان مقاربة خطاب مختلف الجماعات
والاتجاهات التي تنتسب للاسلام ضمن مفهوم الخطاب الاسلامي بغض النظر
عن دعاوى بعضها الانفراد بتمثيل أو امتلاك الخطاب الاسلامي أو نفيها
لاسلامية وأذ اصبح ان الشرع يجيز التوسع في المدلول الشخصي لوصف "المسلم"
علي النحو المذكور فان توسعاً مماثلاً في مفهوم " الاسلامي " عندما
يكون وصفاً للخطاب لايبدو امراً يتحتم رفضة شرعاً . أما واقعيا فيمكن
أن يكون للتوسع المذكور في مفهوم الخطاب الاسلامي مايبرره أو يسنده
في خطاب ماسواها أو بعض ماسواها فإن في المقابل محاولة تضييق مفهوم
الخطاب الاسلامي وحصره على مضمون معين ، كميل البعض الى حصره في خطاب
الكيانات التي تشتهر بإسم الجمعات الاسلامية ، تنطوي على خطورة تكريس
الانطباع بصحة ادعاءات الانفراد بتمثيل الخطاب الاسلامي كما انها
لاتخلو من خطورة الاخلال ببعض متطلبات النهج الاكاديمي كالموضوعية
والحياد .
وسواء بدت التبريرات السابقة
كافية أو غير كافية لإمكان التوسع في مفهوم الخطاب الإسلامي على
النحو المبين آنفاً فإنه يصح القول أنه لا ينبغي أن يطلق إسم الخطاب
الإسلامي عند التحقيق إلا على ما صح مضمونه إسلامياً. على أن من
المهم هنا الاخذ بعين الاعتبار أنة وان كان من غير العسير التأكد من
صحة بعض مضامين الخطاب الاسلامي - بمفهومة الواسع - إسلاميا ألا أنة
يبقي هناك دائما قدر ..... من مضامين الخطاب الاسلامي محل خلاف ولا
يعدو الحكم على مدى صحتها أو عدم صحتها اسلاميا أن يكون حكما عقليا
نسبياً.
3 - مكونا الخطاب الإسلامي :
أياً كان مفهومه ، يتكون مجمل ما يمكن أن يطلق عليه « الخطاب
الإسلامي » من عنصرين أو مكونين متمايزين هما :
العنصر أو المكون الشرعي : ونعني
به البيان الشرعي الذي جاء به الوحي الإلهي قرآناً أو سنه ثابتة.
العنصر أو المكون البشري : ويتعلق بما فهمه أو أستنبطه البشر من
البيان الشرعي فقهاً كان أو قانونياً أو فكراً أو أدباً أو علماً.
والمكون الشرعي هو أصل الخطاب الإسلامي لأنه - أولاً - منشأ الخطاب
الإسلامي ومبدؤه وهو جذره الذي سبق وجوده وجود الخطاب الإسلامى (المكون
البشري) كما هو ثابت تاريخياً ، و- ثانياً - لأنه صادر عن الأصل الذي
هو الله أصل هذا الوجود كله و- ثالثاً - لأنه شرعاً وإسلامياً هو
المرجع الذي يتعين أن يرد إليه ما سواه ويحتكم إليه فيه.
وإذا كان المكون الشرعي هو أصل
الخطاب الإسلامي وجذره فإن المكون البشري هو فصله أو فرعه ليس فقط
لأن ذلك هو الحكم الشرعي الذي يقضي بخضوع المكون البشري للمكون
الشرعي وإنما أيضاً لأن ذلك هو حكم المنطق الذي لا يقبل أن يكون ما
كان من البشر فوق أو مساوياً لما كان من عند الله وهو أيضاً حكم
الواقع الذي يؤكد أن المكون البشري قد بدأ تاريخياً متفرعاً عن
المكون الشرعي ومؤسساً عليه .
والعلاقة بين المكون الشرعي
والمكون البشري للخطاب الإسلامي علاقة تتراوح بين التقارب حتى
التماثل والتباعد حتى التغاير وربما التضاد.
ويكون التقارب بقدر تقارب مضامين
المكون البشري مع مضامين المكون الشرعي ومع أن هذا التقارب قد يتناهى
إلى التماثل بين مضامين المكونين إلا أنه لا يبلغ التماثل الكامل بل
يكون دائماً تماثلاً جزئياً و - في بعضه - مؤقتاً . وهو جزئي دائماً
لأن - أولاً - من المستعصى على المكون البشري أن يحيط في أي وقت بكل
معاني ومضامين المكون الشرعي إحاطة كاملة و - ثانياً - لأنه تماثل في
المعنى أو المضمون دون ، وخاصة بالنسبة للقرآن ، المبنى أو التعبير
اللغوي الذي يعجز البشر أبداً عن إتيان مثله و - ثالثاً - لأن المكون
البشري عادة لا يخلو تماماً من الخطأ بينما يخلو منه تماماً المكون
الشرعي. وهو - أي التماثل - عادة ما يكون في بعض جوانبه مؤقتاً لأنه
بينما يتطلب تماثل المكون البشري مع المكون الشرعي أن يكون مضمون
الأول متوافقاً مع مضمون الثاني المناسب للظرف أو الزمان الذي وجد أو
نشأ فيه مضمون الأول فإن من المعلوم ما يتميز به المكون الشرعي من أن
بعض مضامينه ذات مناسبة ظرفية أي تتغير بتغير الظرف أو الزمان وهو
الأمر الذي يجعل مضامين المكون البشري التي كانت متوافقة معها في ظرف
أو زمان ما تصبح غير متوافقة و ، بالتالي ، غير متماثله معها في
الظرف أو الزمان الآخر.
ويكون التباعد في العلاقة بين
المكون البشري والمكون الشرعي بقدر تباعد مضامين المكون البشري عن
مضامين المكون الشرعي وقد يزداد التباعد حتى تصبح مضامين المكون
البشري مغايرة تماماً لمضامين المكون الشرعي وبحيث لا تصح تسمية أو
إعتبار المكون البشري عندئذٍ خطاباً إسلامياً إلا مجازاً.
يؤكد مجمل ما تمهد حقائق أساسية
في مقدمتها :
1 - ضرورة التميز عند الحديث عن الخطاب الإسلامي بين مكونه الشرعي
ومكونه البشري .
2 - المكون الشرعي هو أصل الخطاب
الإسلامي ومرجعيته وهو - بحكم مصدره الرباني - كامل ولا يطاله العيب
أو النقص .
3 - المكون البشري قد يتماثل وقد
يتباين مع المكون الشرعي مضموناً و لأنه - بحكم مصدره البشري - لا
يخلو من أوجه القصور الكامنة في البشر فإنه يعد مصدر وأساس إشكاليات
الخطاب الإسلامي عموماً.
إختلال خصائص الخطاب الإسلامي :
في ضوء التمهيد السابق يغدو من اليسير تبين أن المعني بخصائص الخطاب
الإسلامي هنا هو ، أساساً، خصائص المكون البشري للخطاب الإسلامي لأن
من المعلوم أن الباعث للحديث عن الخصائص هنا هو الشعور بوجود إشكالية
تتعلق بخصائص الخطاب الإسلامي وواضح من التمهيد السابق أن أي إشكالية
تتعلق بالخطاب الإسلامي مصدرها هو بالضرورة المكون البشري وليس
المكون الشرعي للخطاب الإسلامي .
وتأسيساً على ما تمهد من أن حال
الواقع القائم إنما يعكس حال الخطاب السائد يبدو جلياً أن ما يعانيه
الواقع الإسلامي القائم من مشكلات وأزمة تمتد إلى مختلف جوانبه لايدع
مجالاً للشك في أن الخطاب الإسلامي السائد حالياً خطاب إشكالي ومأزوم
. ويشكل الخطاب ويتأزم عندما تختل سماته وخصائصه وتقوم بين هذه
السمات والخصائص المختلة والواقع المأزوم علاقة طردية تكرس تأزم
الواقع بقدر ما تكرس إختلال سمات وخصائص الخطاب .
عندما يصبح الخطاب مأزوماً
لإختلال في سماته وخصائصه لا يعد في الإمكان معالجة وضع هذا الخطاب
إلا من خلال تحريره من تلك الخصائص المختلة أو غير المرغوبة وإكسابه
الخصائص السليمة أو المرغوبة. ومن الواضح أن ذلك يتطلب، فيما يتطلب،
تحديد كلاً من الخصائص المختلة أو غير المرغوبة والخصائص السليمة أو
المرغوبة. ولعل أول مسألة تواجه محاولة التحديد العلمي الدقيق لتلك
الخصائص هي مسألة تحديد طريقة أو منهج المقاربة ، أي كيف وبأي منهج
يمكن تحديد تلك الخصائص . وتعود أهمية تحديد منهج المقاربة إلى ما هو
معلوم من أن من شأن إختلاف مداخل ومناهج الدراسة أن يستتبع إختلافاً
- قد يكون محدوداً وقد يكون واسعاً - في تحديد خصائص الخطاب.
مداخل تحديد خصائص الخطاب :
يبدو أنه يمكن حصر المداخل المحتملة لتحديد خصائص الخطاب ، سواء
الخصائص المختلة أو الخصائص السليمة ، في ثلاثة مداخل عامة هي :
1 - المدخل الإعتباطي : ونعني به
تحديد الخصائص إعتباطاً ودون الإستناد إلى مرجعية منهجية واضحة.
وأكثر ما تتأثر عملية التحديد في هذه الحالة بالإنطباعات والملاحظات
الأولية والرغبات الشخصية والمقارنة بالنماذج المتحققة سواء منها
التاريخية أو المعاصرة .
2 - المدخل الإيديولوجي : ونعني
به خضوع عملية تحديد الخصائص ، سواء عن قصد ووعي ، لإلتزام ايديولوجي
أو مذهبي معين خضوعاً يخل بالموضوعية . وفي مثل هذه الحالة فإن من
المؤكد أن تختلف الخصائص التي سيحددها للخطاب الإسلامي - مثلاً -
دعاة المذاهب الدينية الماضوية من المسلمين عن تلك التي سيحددها له
أنصار مذاهب التفسير المادي للإسلام أو أتباع العلمانية والتغريب من
المسلمين .
3 - المدخل الموضوعي : ويتمثل في
تحديد خصائص الخطاب المنشود وفقاً لإطار علمي غير إعتباطي و - في نفس
الوقت - متحرر من أي أسار أيديولوجي أو مذهبي يستتبع إخلالاً
بالموضوعية العلمية .
ويتطلب المدخل الموضوعي والذي لا
شك يمثل الإختيار الأصوب بلورة أو تحديد أسسه العلمية .
وفي تقدير هذه الورقة يمثل تحديد
المثال المرجعي الذي يتيح تحديد كل من الخصائص المختلة والخصائص
السليمة للخطاب المعني تحديداً صائباً ، أهم أسس المدخل الموضوعي.
المثــال المرجعي للخطــاب الإسلامي :
لعل من غير العسير في ضوء ما تمهد تبين أن المثال المرجعي بالنسبة
للخطاب الإسلامي يتحدد بالمكون أو البيان الشرعي . وكما ان من الواضح
أن من غير المقبول تحديد هذا المثال المرجعي بأي إطار أخر من خارج
الإسلام لأن - ببساطة - الاحتكام الي مثال مرجعي آخر سيتمخض عنة خطاب
أخر يتعين نسبه إلى ذلك المثال المرجعي وليس إلى الإسلام ، من غير
المقبول ايضاً تحديد المثال المرجعي بالمكون البشري من الخطاب
الإسلامي لكون ذلك يتعارض مع المنطق لما فيه من تقديم البشرى على
الإلهي وتقديم الفرع على الأصل كما يتعارض مع الشرع الذي يقضي بهيمنة
البيان الشرعي (المكون الشرعي) على ما عداه وبمرجعيته لكل ما هو نتاج
أو إجتهاد بشري بما فية الفهم البشرى للبيان الشرعي. وفي الواقع فإن
تقديم المكون البشري على المكون الشرعي للخطاب الإسلامي لا يخلو من
مضاهاة محظورة أو تقليدا مذموم لما نعاه الله على أهل الكتاب من
تقديمهم لخطاب أحبارهم ورهبانهم (المكون البشري) على خطاب الله (المكون
الشرعي) { إتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} .
وإذا بدا واضحاً أن تقديم المكون
البشري على المكون الشرعي ليس مقبولاً فإن من غير المقبول أيضاً
المساواة بينهما وإتخاذهما معاً- كما قد يرى البعض - مثالاً مرجعياً
لأن مثل هذه المساواة محظورة شرعاً كما أن ما بين المكونين من تناقض
يجعل محاولة الجمع بينهما غير ممكنة عملياً وعادةً ما تنتهي إلى
تقديم أحدهما على الأخر على الأقل في حالات التناقض.
وتحديد المثال المرجعي للخطاب
الإسلامي بالمكون الشرعي يقتضي أن تمثل خصائص المكون الشرعي المعيار
الذي يتم على أساسه إكتشاف أوجه الأختلال في خصائص الخطاب الإسلامي
السائد والمثال الذي ينبغي أن تتغياه خصائص الخطاب الإسلامي المنشود
.
وليس المقام لتفصيل القول في
خصائص المكون أو الخطاب الشرعي . بيد أن من المفيد أن نشير هنا
بإيجاز إلى ان كون أي خطاب إنما يستمد خصائصه من مصدره يعني ان
المكون الشرعي قد أكسبه مصدره الرباني خصائص ربانية خاصة لا تتوافر
بذات القدر لغيره من مثل الشمولية ، والثبات المشفوع بالمرونة ،
والصلاحية لمختلف الأزمنة والأحوال.
ومن شأن مقارنة خصائص الخطاب
الإسلامي السائد بخصائص المكون الشرعي للخطاب الإسلامي أن يكشف أوجه
الخلل ويبين الخصائص المختلة . ولا يدخل حصر وشرح الخصائص المختلة
للخطاب الإسلامي السائد ضمن صلب إهتمام هذه الورقة.
تحديد خصائص الخطاب الإسلامي المعاصر :
هناك عاملان أساسيان يوجهان تحديد الخصائص المطلوبة للخطاب الإسلامي
المنشود وهما :
1 - المثال المرجعي : وقد تم بيان
ان هذا المثال المرجعي يتمثل في المكون الشرعي للخطاب الإسلامي.
2 - الواقع القائم : ونعني به
أحوال العصر أو الواقع الوجودي بمختلف أبعاده الإجتماعية والثقافية
والقانونية والفكرية والعلمية والإقتصادية والسياسية و ..الخ. ومن
الواضح أنه بهذا المعنى العام يشمل أيضاً واقع الخطاب الإسلامي
القائم.
فمن خلال دراسة المثال المرجعي (
المكون الشرعي) نستطيع أن نكتشف ما ينقص الخطاب الإسلامي من الخصائص
التي ينبغي أن يتسم بها . كذلك من شأن دراسة الواقع القائم أن تظهر
لنا الخصائص المطلوبة للخطاب الإسلامي لتمكينه من تلبية إحتياجاتنا
الواقعية. وبعرض هذه الخصائص المطلوبة على المثال المرجعي نستطيع
تحديد مدى مشروعيتها وإستيضاح مختلف أبعادها.
وبشكل عام فإن الخصائص التي يتعين
على الخطاب الإسلامي المنشود أن يتسم بها يمكن التمييز بينها من حيث
علاقتها بالخطاب الإسلامي الموروث إلى ثلاثة أنواع هى :
الخصــائص الظـــــاهرة :
من المعلوم ان الخطاب الإسلامي (المكون البشري) نشأ في البداية متسماً
بخصائص المكون الشرعي . وقد سجلت هذه الخصائص حضوراً ظاهراً في
الخطاب الإسلامي في بداية عهده، ولكن ومع مرور الزمن فقد الخطاب
الإسلامي بعض تلك الخصائص وذلك نتيجة لعوامل أساسية ثلاثة هي :- تغير
الوضع أو الواقع الذي لاحظه الخطاب الإسلامي ونظر أو شرع له في
بدايته :
إن بعض الوضع أو الواقع الذي لاحظه وراعاه الخطاب الإسلامي الموروث
إختفى أو كاد على الاقل قانونياً ( الرق وبعض المقاييس مثلاً) مما
جعل ما يتناوله من الخطاب الإسلامي الموروث غير ذي صله بالواقع
المعاصر. والبعض الآخر من ذلك الواقع شهد تغيراً كبيراً لم ينه وجود
ذلك الواقع بل ربما رسخه ولكنه أحال ما تضمنه الخطاب الإسلامي
الموروث بخصوصه غير مناسب للمرحلة المعاصرة من ذلك الواقع (مثل
العلاقة بالآخر غير الإسلامي عموماً). وهكذا فقد الخطاب الإسلامي
مثلاً ، خاصية المعاصرة والتي كانت متوافرة له ويتمتع بها في بداياته.
ظهور وقائع يبدو أنه لم يتناولها
الخطاب الإسلامي الموروث مباشرة أصلاً :
من الواضح أن هنالك بعض الوقائع
والمستجدات التي ظهرت في وقت متأخر عن فترة تكوُّن الخطاب الإسلامي
الموروث وبعضها لم تظهر إلا حديثاً (مثل بعض المعاملات الإقتصادية
الجديدة وبعض المستجدات الطبية والعلمية). وقد ترتب على ظهور بعض
الوقائع والمستجدات التي لم يتناولها الخطاب الإسلامي الموروث ولم
يعالجها بعد الخطاب الإسلامي السائد علاجاً ناجعاً ان أصبح الخطاب
الإسلامي يفتقر لما كان يتسم به في أول عهده من خصائص مثل الشمولية و
الإبداع أوالإبتكار. وهكذا يتضح لنل من مجمل العاملين السابقين ،
والذين يكشفان بوضوح مدى عجز الخطاب الاسلامي عن استيعاب التغير في
الواقع عبر التاريخ ، أن من أهم سلبيات الخطاب الاسلامي المعاصر أنة
غير معاصر فهو وإن كان معاصر زمانا إلا أنة غير معاصر مضموناً
هيمنة المكون البشري :
تميز الخطاب الإسلامي في بداية
أمره بأنه كان خطاباً مستمداً مباشرة من المكون أو الخطاب الشرعي
الذي هو أصل الخطاب الإسلامي . إلا أنه ومع تراكم المكون البشري
وسهولة الرجوع إليه في معرفة الأحكام اليومية بدأ يقل الرجوع إلى
الأصل أي المكون الشرعي مباشرة بينما بدأ يزداد الرجوع إلى الفرع أي
المكون البشري ليس في معرفة الأحكام فقط وإنما حتى في إستنباطها
وإقرار شرعيتها أو عدم شرعيتها، ومع مرور الزمن إكتسب هذا الفرع أي
الخطاب البشري أو بعضه عند كثيرين بعض قدسية الأصل أي المكون الشرعي
وأصبح التوافق مع هذا الفرع أو عدم التعارض معه أمراً لازماً لقبول
أي خطاب إسلامي جديد . وهكذا ضعفت صلة الخطاب الإسلامي بالأصل،
وبالتالي، فقد أو ضعف حظه من ما كان يستمدها من أصله سابقاً من خصائص
الأصالة (التأصيل) ، والتنوع ، والأولوية أي مراعاة الأولويات ،
وغيرها.
الخصائص الضامرة :
هناك بعض خصائص المكون الشرعي التي ربما لاحظها علماؤنا السابقون
وأدركوها وربما أن بعضهم كتب عنها أو مارسها عملياً، بيد أنه وعلى
النقيض من الخصائص الظاهرة المذكورة أنفاً ظلت هذه الخصائص ضامرة ولم
تسجل حضوراً ظاهراً في التيار العام للفقه الموروث بإعتبارها خصائص
وليس مجرد مضامين عابرة . ومن أهم تلك الخصائص الحوارية أو التحاور
أي كون الحوار سواء مع الذات أو الأخر (غير المسلم) يمثل توجهاً
ونهجاً أساسياً للمكون أو الخطاب الشرعي . وربما كان ضمور خاصية
الحوار في الخطاب الإسلامي الموروث مظهراً من مظاهر ضعف حظ هذا
الخطاب من خاصية أخرى من خصائص المكون الشرعي وهو خاصية التوازن ، إذ
يبدو أن هذا الخطاب قد غفل بعض الشىء عن التوازن الذي يبديه بوضوح
المكون الشرعي بين الجهاد الحواري والجهاد القتالي . وقد يعود ذلك
لتأثر الخطاب الموروث بكون الظروف التاريخية التي ظهر فيها الإسلام
إنتهت إلى إضطرار الرعيل الأول من المسلمين إلى الدخول في سلسلة من
الجهاد القتالي الذي برز عملياً بروزاً أوضح من الجهاد الحواري الذي
أكد علية البيان الشرعي و إلتزمه وحده المسلمون سنين عددا قبل أن
يضطروا إلى محاولة الجمع بينه وبين الجهاد القتالي.
ومن الخصائص الضامرة أيضا
الترابطية أي كون الخطاب الشرعي يربط بين مختلف مضامينه ربطاً وثيقاً
يظهر بوضوح التداخل المحكم بين شتى مسائل أوجوانب العقيدة والعبادات
والمعاملات والأخلاق و.....إلخ ليس على مستوى المضمون والأحكام فقط
وإنما حتى على المستوى الشكلي حيث نجد الخطاب الشرعي يعرض هذه
المضامين معاً ومتداخلة مع بعضها البعض وغير منفصلة أومجزأة . وفى
المقابل لا نجد الخطاب الموروث يلاحظ بما يكفي هذا الترابط وهو يعرض
مضامين المكون الشرعى مجزأة إلى أبواب يركز على بعضها كالعبادات
والسير دون البعض الأخر كالأخلاق الأمر الذي يبدو أنه أعطى عامة
المسلمين إشارة خاطئة عن مدى أهمية هذا البعض الأخير وخاصة الأخلاق
في السلوك العملي للمسلم .
الخصائص الغائبة :
يتميزالمكون الشرعي للخطاب الإسلامي بثرائه وعمق وسعة مضامينه
وخصائصه التي تتكشَّف للعقل البشري بقدر تطوره وتعمقه في دراسته
وتوفيق الله له. ومن هنا فإن من المؤكد أن الخصائص التي تسنى للخطاب
الإسلامي الموروث إكتشافها أوالتعرف عليها ليست هي كل خصائص المكون
الشرعي وان على العقل المسلم اليوم أن يستفيد من مااكتسبه
الفكرالبشري عموماً من تطور عما كان عليه في الماضي في إكتشاف
وإستنباط المزيد من خصائص المكون الشرعي ويعكسها في الخطاب الإسلامي
.
وتشير بعض المحاولات الدراسية
الحديثة إلى أن الخطاب الشرعي ربما يكمن فيه أيضاً بعض الخصائص التي
برزت واضحة حالياً في الخطاب البشري المعاصر عموماً، ومن تلك الخصائص،
مثلاً ، خاصية التنظير العمومي أو الكلي (النظريات) وخاصية
المستقبلية أي الإهتمام بشكل علمي بالتطورات المستقبلية المحتملة
وإجراء التخطيط اللازم بشأنها
ولا يسع المقام لتفصيل القول عن
مفاهيم مجمل الخصائص المشار إليها آنفاً ولا عن أدلتها ومظاهر
خاصيتها في المكون الشرعي ولاعن مظاهر وأثار أو عواقب إفتقار الخطاب
الإسلامي السائد حالياً لها. ومع ذلك يبقى مؤكداً في تقديرنا أنه من
المهم أن يسعى الخطاب الإسلامي المنشود إلى إستعادة الخصائص التي
ظهرت ثم خبت ، و تعزيز وترسيخ الخصائص التي بقيت ضامرة وإكتشاف
وبلورة الخصائص التي ظلت غائبة. كذلك تحتاج مسألة كيفية إكساب الخطاب
الإسلامي المنشود الخصائص المذكورة وغيرها إلى معالجة خاصه لا تدخل
ضمن أولويات هذه الورقة . على أن مما يمكن الإشارة اليه هنا بهذا
الخصوص أن المدخل الذي لابد منه للوصول إلى تلك الخصائص وإكتسابها هو
التأصيل أي البدء بتأصيل الخطاب الإسلامي وذلك بجعل الأصل أي الخطاب
الشرعي هو المصدر المباشر للخطاب الإسلامي ومرجعيته . وإذا ما تم ربط
الخطاب الإسلامي بالمكون الشرعي مباشرة من خلال عمليةالتأصيل سيكسب
المكون الشرعي هذا الخطاب خصائصه المشار إليها أنفاً .
وتحتاج عملية التأصيل المذكورة
إلى :
1- إستيعاب الواقع المعاصر
إستيعاباً سليماً من خلال منهج علمي موضوعي يتتبع جذور هذا الواقع
ومساره ويكشف جوهره و روحه ويميز حقائقه الموضوعية عن أوهامه
الخيالية أو المؤقتة ويستشرف أفاقه وتوجهاته المستقبلية
2- بلورة معالجة مناسبة للواقع
المعاصر والتنظير له فقهاً وفكراً بناء على قراءة مباشرة للبيان أو
المكون الشرعي وفق مناهج إستنباط إسلامية جديدة أو مطورة تستعين
وتستأنس ولكن لا تلتزم بالضرورة بمضامين ومناهج الخطاب الإسلامي
الموروث.