أولا : التصــور النظـــري
الهــــــــدف من اللقــــــــاء :
وفقا
للأوراق الأولية يتضح أن الهدف الأساسي من إجتماع حوار الحضارات هو
البحث في سبل الرد العاجل على الهجمة الغربية الراهنة على الحضارة
العربية الإسلامية.
ومع
التسليم بأهمية الرد العاجل على الهجمة الغربية الراهنة إلا أنه يخشى
أن لا يعدو إعتباره الهدف الأساسي للإجتماع المذكور من أن يكون
تكريساً لواقع إرتهان التحرك العربي الإسلامي عموماً لسياسات ردود
الأفعال وإنعكاساً لقصوره عن الإنتقال الى مستوى المبادرة .
وكان،
وما زال ، المأمول فيه هو أن يشكل هذا الإجتماع فرصة لتدارس إمكان
أخذ الأمة العربية والإسلامية هذه المرة زمام المبادرة إلى بدء حملة
لإطلاق حوار متعدد / ثنائي الأطراف بين الثقافة العربية الإسلامية
ومختلف الثقافات الرئيسية في العالم بهدف تزكية العلاقات ما بين
ثقافات وحضارات العالم.
وليس
الدافع لهذا الأمل هو فقط الرغبة في رؤية الأمة العربية الإسلامية
تتحرر من الإستسلام لسياسة ردود الأفعال وتتعلم كيف تحول الضرورات
التي تواجهها - مثل ضرورة الرد على الهجمة الغربية الراهنة - إلى فرص
تستثمرها لمصلحة أهدافها العليا ، بل هنالك دواع عدة تتطلب أن لايكون
الهدف الأساسي من هذا الإجتماع هو البحث في سبل الرد العاجل على
الهجمة الغربية الراهنة وإنما البحث في إطلاق حوار ثقافي حضاري متعدد
/ ثنائي الأطراف بين سائر ثقافات وحضارات العالم.
ومن
هذه الدواعي :
من
المنظور الإستراتيجي لاتعد نوبة الهجمة الغربية الراهنة أهم واولى
بالرد أو المعالجة من غيرها من دواعي الحوار الحضاري العديدة وفي
مقدمتها موجة العولمة والتي من المؤكد انه مالم يصحبها - طالما تعذر
أن يسبقها - الحوار الثقافي الحضاري الكافي لتأمين الخصوصيات
الثقافية والحضارية ستصبح حتماً هيمنة ثقافية حضارية من جانب كيان
ثقافي حضاري واحد هو الثقافة أو الحضارة الغربية ومن الواضح أن خير
معالجة لمسائل من مثل العولمة وحقوق الأنسان وقضايا البيئة المشتركة
والتوجهات العدائية لبعض الحضارات وغيرها من دواعي الحوار الحضاري هي
المعالجة المتأنية والمتعددة الأطراف ، أي بإشتراك سائر الثقافات و
الحضارات ، وليس المعالجة الثنائية العجلى والقائمة على ردود الأفعال
.
من
العيوب الأساسية لحملات التغطية الإسلامية الواسعة في الغرب آنها
إرتبطت دائما تقريبا بحالات الأزمات التي تطال ليس فقط حكومات وإنما
شعوب الغرب أيضاً (مثل حالات أزمات إستعمال سلاح النفط والرهائن
الامريكيين في إيران و - حالياً - تفجيرات سبتمبر ) . ومعلوم أنه في
حالات الأزمات عادة ما يجعل ضغطها ومعاناتها الحكومات والشعوب أقل
إستعداداً للإستماع للخطاب الإعلامي للجهة التى يعتقدون - خطأ أو
صواباً- أنها وراء الأزمة التي يعانونها وفي حالات كثيرة تكون
إستجاباتهم مشوبة بالشكوك إن لم تكن إستجابات عدائية صرفة. وأخشى ان
تكون المحاولة الحالية للتركيز على الرد العاجل على الهجمة الغربية
الراهنة تأتي في نفس إطار التغطية في أوقات الأزمات مما قد يزيد من
سلبياتها ويقلل من مردودها الإيجابي .
إن
سوء فهم الثقافة العربية الإسلامية أو الجهل بها لا يقتصران على
الثقافة الغربية بل تشاركها في ذلكما ، لدرجة أو أخرى ، الثقافات
الأخرى . وقد تعدت عواقب سوء الفهم بالنسبة لبعض تلك الثقافات غير
الغربية وخاصة المجاورة منها للثقافة الإسلامية ، مستوى الإحتكاك إلى
مستوى الإحتراب والإقتتال الفعلي معها كما هو الحال مثلا مع الثقافة
الإفريقية والثقافة الهندوسية . وصحيح أن الخصوصية الحالية للحضارة
الغربية تجعل الحاجة للحوار معها أكثر إلحاحاً بيد أن هذه الخصوصية
لا تستلزم أن نخص الحضارة الغربية وحدها بالحوار ولا تستوجب أن
يشغلنا الحوار معها عن الحوار مع غيرها من الثقافات والحضارات، فما
يدرينا لعل هذه الثقافات الأخرى أقرب لأن تزكى وتنفعها الذكرى وتصبح
عوناً لنا في الحوار مع الحضارة الغربية وتزكيتها إذا ما إستغنت
وتمانعت هذه الأخيرة خاصة وأن بعض المعنيين يشيرون إلى أن الدول
الأساسية في الحضارة الغربية غير مهتمة كثيراً بفكرة الحوار الحضاري
كما تعكس ذلك مواقفها من مشروع الأمم المتحدة للحوار الحضاري.
بقي
أن نشير إلى أن الدعوة إلى جعل الهدف الأساسي لهذا الإجتماع النظر في
سبل إجراء حوار حضاري متعدد / ثنائي الأطراف لاتستدعي صرف النظر كلياً
عن البحث في سبل الرد العاجل المناسب للهجمة الغربية الراهنة وإنما
تعني فقط ضرورة أن تتحدد السبل المناسبة لذلك الرد العاجل في إطار
الهدف الأساسي المذكور وما سبق بيانه من الدواعي التي إستدعت جعله
الهدف الأساسي .
وإذا
ما ترجح التركيز على التحضير لإجراء حوار ثقافي حضاري متعدد / ثنائي
الأطراف بدلاً من التركيز على الرد العاجل على الهجمة الغربية
الراهنة يتعين أن تتحدد في هذا الإجتماع بوضوح أربعة محددات أساسية
تتوقف عليها - في ما نقدر - درجة نجاح فكرة الحوار الثقافي الحضاري
المتعدد/ الثنائي الأطراف .و هذه المحددات هي :الغاية من الحوار ،
ومرجعية الحوار ،ونطاق الحوار ، والآلية الأساسية لتنظيم وترشيد
الحوار .
الغــــاية من الحــــــوار :
من
الواضح أن الحوار الثقافي الحضاري ليس غاية في حد ذاته . ومن غير
الحكمة محاولة تحديد الغاية من هذا الحوار بغاية خاصة بثقافة أو
حضارة معينة أياً كانت هذه الغاية وأياً كانت تلك الثقافة كما أن من
المهم أن تكون هذه الغاية ، غاية تأخذ في الحسبان سنن الله ، أو
الطبيعة البشرية ، في هذا الوجود . وفي ضوء ذلك فإن هذه الورقة ترى
أن تكون هذه الغاية ، كما سبقت الإشارة ، هي تزكية العلاقات ما بين
ثقافات وحضارات العالم بما يؤمن الحد من الأوجه السلبية لتلك
العلاقات وينمي أبعادها الإيجابية تحقيقاً للمصالح المشتركة للمجتمع
الدولي بمختلف ثقافاته وحضاراته . على أن من المهم أن يكون واضحاً إن
كون الحوار الحضاري ليس غاية في حد ذاته لايعني ضرورة ربط الحوار ،
وجوداً وعدماً ، بإستجابة إيجابية متوقعة من المحاور نفسه وبحيث إذا
ما ترجح أو حتى لو ثبت إنتفاء تلك الإستجابة الإيجابية لزم الإمتناع
عن الحوار . فالحوار له أهداف أخرى عديدة غير الوصول للإقناع المعلن
للطرف المحاور. ولعل ذلك بعض ما أرادنا الله أن نتعلمه من ما تحكيه
لنا الديانات السماوية عن محاورة الله لإبليس ودعوته له رغم علمه
المسبق يقيناً بإنتفاء الإستجابة الإيجابية منه.
وتحتاج ترجمة أو تنزيل الغاية العامة المذكورة إلى أهداف عامة وأهداف
خاصة ومرحلية إلى دراسات علمية تشخص وتستكشف أسباب وجذور وأبعاد
التنافر والصراع وآفاق التقارب والتعاون بين مختلف الحضارات
والثقافات عموما وبينها وبين الثقافة العربية الإسلامية خصوصاً و ،
من ثم ، إستخلاص طرق وآساليب الحد من التنافر ودعم التقارب والتعاون
.
وإن
جاز إستباق الدراسات المطلوبة بناءً على وضوح الغاية العامة وتأسيساً
على المعلومات المتوفرة مسبقاً يمكن القول أنه يتعين التركيز في
تحديد الأهداف التى ينبغي أن يستهدفها الحوار أو التواصل السلمي
عموماً بين الحضارات ليس على الأهداف الخاصة بثقافة أو حضارة ما
وإنما على الأهداف المشتركة ذات المردود العام وذلك من مثل :
تكريس
الإقتناع الحقيقي بالتعددية الثقافية والحضارية ليس كضرورة واقعية
يمكن تجاوزها كلما أقتضت المصالح الخاصة أو إستدعت الدعاوى والمبادئ
التوسعية وإنما كميزة وفضيلة يتعين الإلتزام والتمسك بها دوماً .
-
تأكيد حرية الخيار الثقافي والحضاري لكل الشعوب والأقليات والأفراد .
- نبذ
إستخدام القوة والضغوط وتبني الحوار والوسائل السلميه في معالجة
الخلافات الثقافية والحضارية.
-
بلورة ميثاق ثقافي حضاري ملزم يضبط ويوجه العلاقات بين الثقافات
والحضارات ويمكن الإستفادة في ذلك من مواثيق ومشاريع حقوق الإنسان
وخاصة ما تعلق منها بالجيل الثاني والجيل الثالث من الحقوق الثقافية
والجماعية .
مـرجعيــة الحــوار :
إن آي
(حوار) بين طرفين أو أطراف متعددة لايستند الى مرجعية مشتركة لا يعد
حواراً إلا مجازاً ، وبالمثل إذا ما تعددت المرجعيات لأطراف حوار ما
فإن فشل مثل هذا الحوار أمر لايبدو ممكناً تفاديه طالما تمسك كل طرف
بمرجعيته أو إفترض صحة مسلماتها عند الطرف الآخر.
وفي
ضوء ما هو معلوم من تباين المرجعيات الخاصة بمختلف الثقافات
والحضارات يتبين أن المرجعية الوحيدة التي يمكن أن يؤمن إعتمادها
كمرجعية مشتركة قدراً أعلى من النجاح لحوار الثقافات والحضارات هي
مرجعية العقل أو المنطق البشري بإعتبارها تمثل القدر المرجعي المشترك
، وإن كان بدرجات متفاوته ، بين سائر الثقافات والحضارات البشرية.
ولاينبغي أن تجد الأمة الأسلامية حرجاً أو صعوبة في قبول مرجعية
العقل البشري وحده لحوار الثقافات والحضارات لأنه ليس في هذا القبول
تعارض مع ما هو مسلم به إسلامياً من حاكمية البيان الشرعي ومرجعيته .
فالبيان الشرعي نفسه يقر ويؤكد على مرجعية العقل ويعتبر العقل - كما
يوضح الفقه الإسلامي أيضاً - أصلاً من أصول المرجعية الشرعية ويتيح
بل يدعو إلى الإحتكام إليه في النطاق المحدد له وهو نطاق واسع يتسع
لمختلف الأمور الإجتهادية والمسائل العقلية والتي يدخل ضمنها الحوار
مع غير المسلمين .
نطـــــــــاق الحــــــوار :
مهما
كان الحرص لإنجاح الحوار الثقافي الحضاري على المستوى العالمي أو
الخارجي سيظل ذلك النجاح رهناً بمدى حرص الثقافات والحضارات المعنية
على تكريس الحوار بين أنساقها الفرعية ، ذلك أن من البداهة أن أي
ثقافة أو حضارة تعجز عن إقامة علاقاتها الداخلية على الحوار لابد
ستكون أعجز عن إقامة علاقاتها الخارجية على الحوار . و من أهم
ماينبغي أن يستهدفها الحوار الداخلي :
-
تكريس الحوار والطرق السلمية في معالجة الخلافات بين الأنساق الفرعية
وتشجيع التزاوج في ما بينها على أساس الإحترام المتبادل لحرية الخيار
الثقافي وتقرير المصير الثقافي .
-
تصحيح وعي الأنساق الفرعية ببعضها البعض وكذا بالثقافات والحضارات
الأخرى ( الخارجية)
-
إعادة النظر في المضامين الثقافية من خلال ممارسة ، كل ثقافة أو
حضارة ، نقد ذاتي حقيقي يهدف إلى تنقية مضامينها من السلبيات وخاصة
تلك التي تؤثر سلباً على علاقات الثقافات والحضارات ببعضها .
وليس
بخاف أن الأهداف المذكورة سابقاً تثير تحديات كبيرة أمام الثقافة
العربية والتراث الفقهي الإسلامي . ومن الواضح أنه ليس من شأن مثل
هذه الأوراق ولا مما يدخل ضمن إهتمام هذا اللقاء تناول تلك التحديات
التــرتيب التنظيــمي :
من
الواضح أن من غير الممكن تنفيذ مشروع ضخم من قبيل الحوار الحضاري ،
يتطلب مدخلات (مالية وبشرية) كبيرة لمدى زمني طويل وعبر مساحة
جغرافية بحجم الكرة الأرضية ، دون وجود ترتيب تنظيمي يتولى الإشراف
على مهام التحضير و التمويل والتنظيم ووضع السياسات والخطط والبرامج
وإقتراح الوسائل والأساليب المناسبة .
وإذا
كان الأفضل هو إطلاق هذه المبادرة - مبادرة الحوار الحضاري - على
مستوى العالم كمبادرة عربية إسلامية وليس مبادرة عربية فقط فإن ذلك
يستدعي أن يكون الترتيب التنظيمي الذي يتولى إطلاق المبادرة على
المستوى العالمي ترتيباً عربياً إسلامياً أى يمثل تكوينه العالم
الإسلامي والذي يشكل الوطن العربي جزءاً أساسياً منه . وغني عن القول
أنه يلزم أن يتسع هذا الترتيب العربي الإسلامي بعد الإعلان عن
المباردة إلى ترتيب يمثل مختلف الحضارات والثقافات الأساسية . على أن
كون البداية الفعلية للدعوة لهذا الحوار الحضاري تتمخض حالياً في
الوطن العربي يستدعي البدء بإيجاد ترتيب تنظيمي عربي في إطار الجامعة
العربية و تحت مسمى مناسب يتولى مهمة الدعوة للفكره في العالم
الإسلامي وإيجاد الترتيب العربي الإسلامي المشار إليه أنفاً.
وبالمثل لابد من إيجاد ترتيبات تنظيمية مناسبة للحوار الداخلي أي
الحوار بين الأنساق الفرعية للثقافات والحضارات.ليس بالحــوار
وحـــده
كيفما
كان قدر إتقاننا للتنظير للحوار الحضاري ونجاحنا في تطبيق ذلك
التنظير يبقى من المؤكد أنه ليس بالحوار أو الخطاب الإعلامي وحده
يمكن تحسين فهم أو إزالة سوء فهم الأخر للحضارة أو الثقافة العربية
الإسلامية بل سيظل حال واقعنا أو سلوكنا العربي الإسلامي المعاصر
وخاصة الرسمي والجماعي هو المحدد الأساسي لفهم الأخر للأمة العربية
الإسلامية وموقفه منها ومن قضاياها . ومهما أجدنا الخطاب الإعلامي
ومهما كانت عظمة مُثلنا ومبادئنا الإسلامية النظرية ومهما تعالى
شدونا وغناؤنا بماضينا التليد وما كان من إنجازاتنا العلمية
ومساهماتنا السابقة في الإرث الحضاري البشري عموماً وفضلنا على
الحضارة الغربية المعاصرة فإن كل ذلك لن يجدي فتيلاً في إخفاء ما غلظ
وفحش من أعمالنا الحاضرة أو تزيين ما شان من سلوكنا المعاصر .
والناس عموماً أميل إلى تصديق ما هو قائم عملياً ومٌشَاهد عياناً
مِنهم إلى تصديق الخطاب الذي يناقضه ويضاد ذات المثل التي يدعيها
المخاطب { لِمَ تقولون ما لا تفعلون كَبُرَ مقتاً عند اللهِ أن
تقولواْ مالا تفعلون } وأحسب أن ذلك - سوء واقع المسلمين وسلوكهم -هو
عين ما نهى الله عنه المسلمين من الفتنة للأخر «غير المسلمين »{ربنا
لا تجعلنا فتنة للذين كفروا } وأي شيء أفتن للذين كفروا عن آلإسلام
من سوء سلوك المسلمين ؟
لذلك
كان لابد من أن يصاحب ما نزمع أن نقدم عليه من حوار أو خطاب إعلامي
توجه جاد وجهد علمي مخلص نحو السمو بواقعنا العملي في العالم
الإسلامي إلى مستوى مضمون خطابنا الإعلامي . والمهام المطلوبه هنا
عديدة غير أن من أهم ما يتصل منها بموضوعنا هنا معالجة الأسباب
الموضوعية التي تساهم في دفع البعض إلى إتيان سلوكيات تضر بالأمة
العربية والإسلامية وتشوه صورة الإسلام. وصحيح أن بعض هذه الأسباب هي
أسباب مفروضة من الخارج بيد أن هذا الفرض ما كان ليكون ولا ليستمر
لولا وضعنا القابل لذلك ، ولاشك أن من شأن معالجة الأسباب الداخلية
معالجة ناجعة أن تفضي إلى معالجة الأسباب الخارجية.
ثم
تبقى حقيقة لابد من التذكير بها وهي أنه حتى ولو نجحنا في إجراء حوار
ناجح مصحوب بتصحيح كامل لواقعنا العملي لن يكف البعض عن مهاجمة
الثقافة العربية والحضارة الإسلامية ليس فقط لمرض نفسي أو عقلي أو
تعصب عقدي أوحضاري محتمل أو إيمان حقيقي بدعاوي هجومهم وإنما فقط لأن
تلك الدعاوي ضرورية لتحقيق مآرب أخرى قد تكون أطماعاً إقتصادية أو
أهدافاً سياسية. ومع ذلك يخطئ خطأً فاحشاً مَنْ يريدون أن يتكؤوا على
هذه الحقيقة للتشكيك في جدوى الحوار الثقافي الحضاري أو التثبيط عنه
{ وإذْ
قالتْ أمةٌ منهُمُ لِمَ تَعِظُونَ قوماً اللهُ مُهِلكُهُم أو
مُعِذبُهُم عذاباً شَديداً قالوا مَعذِرةً إلى ربكُم ولعلهم يتقون }
وبعد
: إن من شأن السبق إلى المبادرات العالمية أن تؤمن للسباقين موقعاً
أفضل في الحوار وضمان المصالح . ويشهد التاريخ المعاصر كيف أن سبق
الأمم والحضارات الأخرى إلى المبادرات العالمية جعل الأمة العربية
والإسلامية في الموقع الأضعف ، فهل نحرص هذه المرة أن يكون لنا السبق
والأخذ بزمام مبادرة الحوار الثقافي الحضاري المتعدد / الثنائي
الأطراف ؟
ثانياً : تصـــور تنفيـــذي
توضيـــــــح :
يهدف
هذا التصور التنفيذي تقديم مقترحات تنفيذية تخدم كلاً من مشروع
الحوار الحضاري المتعدد الأطراف ومشروع الرد العاجل على الهجمة
الغربية الراهنة على الحضارة العربية الإسلامية .
المقتــرحــــات :
تكوين
الترتيب التنظيمي العربي تمهيداً لتكوين الترتيب التنظمي العربي
الإسلامي ، ويعمل هذا الترتيب في إتجاهين هما :
إتجاه
تنفيذ مشروع الحوار الثقافي الحضاري المتعدد / الثنائي الأطراف من
خلال :
1-
السعي لتكوين الترتيب التنظيمي الدولي .
2-
تشكيل هيئة للإشراف على إجراء البحوث والدراسات العلمية والمسوحات
الميدانية اللازمة لتوفير البيانات والمعلومات الواقعية الكافية لـ :
-
تحديد قضايا ومواضيع الحوار بين الحضارة الإسلامية ومختلف الحضارات
والثقافات الأخرى .
-
تحديد أسس ومبادىء وأداب الحوار .
- وضع
برامج وخطط الحوار وتحديد القنوات والمؤسسات التنفيذية اللازمة .
إتجاه
تنفيذ الرد العاجل على الهجمة الغربية الراهنة من خلال :
1-
تشكيل هيئة عربية إسلامية من الكوادر ذات الصلة ( مفكرين ، متخصصين ،
فقهاء ، دبلوماسيين ، وشخصيات من الجاليات ) تقوم ببلورة مضمون
الخطاب الحواري العربي الإسلامي مع الغرب في ضوء أسباب وقضايا /
دعاوى الهجمة الغربية الراهنة مع الأخذ في الإعتبار ماسبق بيانه عن
غاية وأهداف ومرجعية الحوار الثقافي .
2-
إقتراح البرامج والقنوات التنفيذية المناسبة للإتصال بالغرب وإيصال
مضمون الخطاب العربي الإسلامي الموجه للغرب.
ومن المتصور أن تتسم البرامج والقنوات المقترحة، سواء بالنسبة للحوار
المتعدد الأطراف أو الرد العاجل على الهجمة الغربية ، بالشمولية
والتكامل وأن تستهدف توظيف كل الإمكانيات المتاحة . ومن الإقتراحات
التي يمكن النظر فيها بهذا الخصوص :
على
المستوى الخارجي :
الصعيد السياسي :
-
الإتصالات الرسمية بمستوييها القطري ( إتصال السلطات التنفيذية
والبرلمانية بنظيراتها الأجنبية) والإقليمي ( إتصال الجامعة العربية
ومنظمة المؤتمر الإسلامي بنظيراتها من المنظمات الإقليمية) والنظر في
إمكان الإستفادة من المنظمات الدولية .
-
الإتصالات غير الرسمية من خلال إتصال الأحزاب والتنظيمات السياسية
والجمعيات الشعبية (مثل جمعيات الحوار والصداقة ) مع نظيراتها
الأجنبية .
-
تفعيل الدور السياسي للجاليات الإسلامية في الخارج .
-
محاصرة المؤسسات والشخصيات التي تتعمد تشويه صورة العرب والمسلمين أو
ثقافتهم .
الصعيد الإعلامي :
-
الإستفادة من الإعلام الأجنبي وخاصة الوسائل الإعلامية المحايدة
والأكثر تفهماً لقضايا المسلمين .
-
تفعيل الدور الإعلامي للجاليات الإسلامية في الخارج .
-
تنمية وتصحيح وعي المراسلين الأجانب في العالم الإسلامي بالثقافة
العربية الإسلامية وأحداث وظواهر العالم الإسلامي .
-
إنشاء مواقع على الشبكة الدولية للمعلومات « الإنترنت» باللغات
الأجنبية .
-
النظر في إنشاء إعلام إلكتروني عربي إسلامي موجة للخارج بلغاته
الأساسية .
الصعيد الفكري والأكاديمي :
-
الإتصال بالمستشرقين والمفكرين وقادة الرأي في الخارج .
-
التواصل ما بين المؤسسات الثقافية العربية الإسلامية ونظيراتها
الأجنبية .
-
تفعيل الدور الفكري الثقافي للجاليات الإسلامية في الخارج .
-
الإتصال بالجامعات ومراكز البحوث في الخارج لإستقصاء إمكان مساهمتها
وكيفية توظيفها .
-
تشجيع الدراسات العليا للطلاب المسلمين في الخارج لدراسة أسباب
وأبعاد وطرق معالجة موقف القطر / الشعب المعني من العرب والمسلمين
وحضارتهم .
المستوى الداخلي :
-
إنشاء مراكز قطرية للحوار (أو توجيه بعض أو مجموعة من المؤسسات
الحكومية القائمة مثل وزارات الثقافة والإعلام والشئون الدينية
والجامعات لإنشاء هيئة) تتولى تنظيم و إجراء الحوار مع الوجود الغربي
(دبلوماسيين وموظفين وعائلاتهم والدارسين والبحاثة) في القطر
الإسلامي المعني وتنمية الوعي السليم بالعرب والمسلمين وثقافاتهم
لديهم .
-
تشجيع وتدعيم قيام جمعيات / مؤسسات شعبية تعني بالحوار الداخلي أي
الحوار بين الأنساق الفرعية للثقافة العربية الإسلامية ومختلف
التيارات الفكرية والتوجهات الدينية / الفقهية داخل العالم الإسلامي
وذلك في إطار الأهداف المذكورة سابقاً .
-
إعادة النظر ، من خلال آلية حوارية مشتركة ، في المقررات التعليمية
في المؤسسات العامة والخاصة أو المستقلة بغرض تنقيتها من المضامين
السلبية وتنمية التوجه أو الإلتزام الحواري لدى مخرجات تلك المؤسسات
. وإضافة مقررات أو مواد تعني بحوار الثقافات والحضارات في الجامعات
.