المحاضرات
المؤلفات

 

 ثقافة السلم ضرورة: مفهومها و آفاقها

 

ضرر الصراع و ضرورة السلم:

يواجه العالم مشكلات عدة منها الفقر و المرض و التغيرات البيئية و... الخ. و من بين هذه المشكلات المثيرة للقلق تلفت الانتباه اكثر مشكلة الصراع و العنف  و التي تبدو الأشد إقلاقا لكونها الأكبر تكلفة للمجتمع البشري. و اذا ما تغاضينا عن الآثار السلبية الهائلة للصراع غير العنيف من الصراعات السياسية و الاقتصادية و الاعلامية و الايديولوجية نجد أن الصراع العنيف، سواء كان صراعا مع النفس او صراعا مع الغير و سواء  اتخذ هذا الاخير شكل العنف الاجتماعي او شكل الإرهاب  او شكل الحرب السافرة ، يكلف المجتمع البشري الكثير من الضحايا و التدمير بالاضافة الى استنفاده جزءا كبيرا من الموارد البشرية و المادية في مجالات غير انتاجية او ضارة( الجيوش و الصناعات الضارة) مما ينعكس سلبا على قدرة المجتمع على مواجهة مشكلاته الاخرى المشار الى بعضها انفا و قدرته على تحقيق التنمية و التقدم وقدرته على الابداع.

و اذ يبدو الصراع الصدامي او العنف اعلا مشكلات المجتمع البشري تكلفة و ضررا  تتجلى بوضوح  اهمية و ضرورة السلم  للمجتمع البشري باعتباره  نقيض العنف و بديل الصراع الدامي  و علاجهما.

فالسلم:

-      ضروري لحماية الانسان وصون حقوقه و التي تتعرض حتما للانتهاك في حالات العنف و الصراع.

-        ضروري لتحرير الموارد البشرية و المادية من الاستهلاك الصراعي و توجيهها لحل مشكلات المجتمع البشري و تحقيق التنمية و البناء.

-        ضروري لتامين الانسان من استبداد الخوف به مما يشل قدراته و يعوقه عن الابداع الحضاري و الذي لا يتحقق على النحو الامثل الا في ظل الامن والسلم.

-        يساعد على الوصول للاهداف بتكلفة اقل و ييسر الوصول للحقيقة و الرجوع للحق اذا ما بان، بينما غالبا ما يتعسر الرجوع للحق في ظل الصراع.

-        يستجيب لفطرة الانسان في البحث عن الامن و غريزته في طلب حفظ الذات

-        توجبه و تأمر به الاديان،  ودعا اليه الكثير من المفكرين و الفلاسفة بمقتضى العقل.

دور العامل الثقافي في الصراع و السلم:

للصراع اسبابه كما للسلم مقوماته. و من اسباب الصراع  وعوامله الدوافع الغريزية، و الشعور بالخطر او الظلم، والفقر،  والانحرافات النفسية و العقلية، و ضعف العلاقات و الروابط، و- في ما تؤكده الاديان بينما ينكره البعض- وجود طرف ثالث يتمثل في الشيطان المنقطع لبث العداوة و العنف بين البشر. و من مقومات السلم العدل و الامن والتنمية الشاملة و تزكية النفس.

و يفيد النظر أن  من اهم الامور المشتركة بين اسباب الصراع و مقومات السلم الثقافة.

فالثقافة، ممثلة بالدين ثم الايديولوجيا، مثلت اهم عنصر دارت حوله اكثر حروب التاريخ المكتوب. و حتى اسباب الصراع الاخرى  لا تخلو من بعد ثقافي مؤثر، فالدوافع الغريزية و ما يتعلق بها من الاسباب الاقتصادية للصراع و العنف هي دوافع مشتركة عند سائر البشر و لا تؤدي بالضرورة الى الصراع و العنف و انما  تتحول عند البعض الى اسباب للصراع و العنف اساسا  بفعل طبيعة  تصوراتهم الكلية و طرق تفكيرهم و التي تمثل جزءا من ثقافتهم. و الشعور بالخطر او الظلم لا يؤدي بالضرورة الي الصراع و العنف و انما تتوقف طبيعة رد الفعل على- بالطبع ضمن عوامل اخرى- طبيعة ثقافة صاحبه. و عموما فان الجنوح للصراع  و العنف هو اساسا خلل في التفكير و الخلل في التفكير شأن/ خلل ثقافي بالدرجة الاولى. ولعل في بعض الاقوال و الامثال السائدة في العالم من مثل المثل الانجليزي " الحرب تبدأ في عقول البشر" و القول العربي الشائع   " الحرب اولها كلام"  ما يشير الى أن العقل البشري قد ادرك منذ القدم دور العامل الثقافي في اثارة الصراعات و الحروب.

و في المقابل، فان اكثر ما ساد المجتمعات السلم في التاريخ كان عقب حركات ثقافية غالبا ما كانت دينية او دينية الطابع الفت بين قلوب افراد تلك المجتمعات و فئاتها المتصارعة، و غالبا ما ارتبطت عودة هذه المجتمعات الي الصراع بضعف فاعلية تلك الحركات. ولعل المجتمع العربي يعد مثالا نموذجيا لذلك. كذلك تنطوي  مقومات السلم الاخرى على ابعاد ثقافية جلية، فالعدل و التنمية – مثلا- مفهومان ثقافيان مثيران للجدل و للثقافة دورها المشهود في الدفع اليهما او عنهما. وصحيح أن وجود سلطة عامة ضروري لتامين العدل و توفير الامن و تحقيق التنمية الا أن السلطة العامة انما تقوم بتلك المهمة بفضل ثقافتها التي تبين لها وجوب العدل و اهمية الامن و التنمية و أن أي سلطة عامة تفتقر الى الحد الادنى اللازم من مثل تلك الثقافة لا تملك أن لا تتحول الى قوة تخل بالعدل وتسلب الامن و تعوق التمية و تصبح اداة ظلم ومصدر خوف  و عامل تخلف.

إذن فالثقافة لها دور مزدوج: دور خطير و حاسم في الدفع الى الصراع و العنف و تغذية اسبابهما عندما تكون ثقافة عنف و صراع  و دور مهم و و اساسي في الدفع الي السلم و تعزيز مقوماته عندما تكون ثقافة سلم.

و اذا كانت ثقافة السلم بتلك الاهمية البالغة المستمدة من اهمية دورها في كبح الصراعات و العنف وتحقيق و تعزيز السلم فماذا تعني ثقافة السلم؟

مفهوم ثقافة السلم:

منذ أن بدأت تولي اهمية خاصة و مكثفة لمفهوم ثقافة السلم منذ نهاية الثمانينات من القرن المنصرم توا، بدات تكوينات الامم المتحدة و خاصة اليونسكو تحاول بلورة تعريف لثقافة السلم. و قد انتهت اجتهادات اليونسكو او الاجتهادات التي تعرضها بهذا الخصوص- في ما اطلعنا عليه-  الى تعريف اجرائي طويل يرصد عددا من الاجراءت/ المقومات التي تقوم عليها، و تحقق،  ثقافة السلم.

وليس المقام لرصد وتقييم التعريفات السابقة او محاولة بلورة تعريف بديل لثقافة السلم. على أن المقام  يستدعي، ولعله يتيح ايضا، بعض هذه الملاحظات التي نوردها بيانا لبعض جوانب مفهوم ثقافة السلم.

إن مفهوم ثقافة السلم مفهوم مركب يجمع بين مفهومي الثقافة و السلم كمضاف و مضاف اليه . و يعني ذلك انه بقدر وضوح او غموض هذين المفهومين يكون وضوح او غموض مفهوم ثقافة السلم. و عندما يكون المفهوم مركبا من مفهوم مضاف و اخر مضاف اليه فان المفهوم المركزي او المحدد  يكون عادة هو المفهوم المضاف اليه- وهو هنا السلم-  و الذي يتحدد تبعا له طبيعة او نوع المفهوم المضاف و هو هنا الثقافة.

و السلم لغة هو الخلو من ما هو معيب او غير مرغوب فيه. و المعنى الشائع او المتبادر للذهن من لفظ السلم هو انتفاء الحرب و قد يتسع هذا المعنى عند البعض ليشمل انتفاء أيّ اعتداء مسلح او بدني. و تأسيسا على ذلك يمكن القول أن المعنى المتبادر للسلم يتمحور حول انتفاء  العنف المادي من الغير او عليه و سواء كان هذا العنف المادي حربا او ارهابا او تعذيبا او اغتيالا او تهديدا بشيء من ذلك. و يلاحظ على هذا المعنى السائد على مختلف المستويات  انه:

-        يركز على العنف المادي الصادر عن الغير او الذي يتعرض له الغير و يغفل العنف المادي الذي يمكن أن يلحقه الشخص بنفسه أي العنف الذاتي كالانتحار. ومن الواضح أن العنف الذاتي يتضمن اخلالا  بالسلام مع النفس و الذي لا ينبغي الاقلال من اهميته ليس فقط لان العنف الذاتي كثيرا ما لا يخلو من عنف ما بالغير و انما ايضا لان ذات الاسس التي تمنع العنف مع الغير تمنع ايضا العنف مع النفس و أن من لا يسالم نفسه عادة ما يكون اقرب لان لا يسالم الغير.         و للعنف الذاتي مدلولات عدة قد لا يكون هناك اختلاف كبير على اعتبار بعضها عنفا و من ذلك  الانتحار و ربما ايضا جلد البعض لاجسادهم . على أن هناك سلوكيات شائعة لم يجر العرف على تصنيفها ضمن العنف رغم انها تنطوي على عنف مادي يلحقه الانسان بنفسه ومن تلك السلوكيات، مثلا، ادمان المخدرات و المسكرات  و التبغ . و الواقع انه اذا كان الانتحار عنفا مع الذات مرفوضا فانه من غير المنطقي عدم تصنيف، مثلا، التدخين عنفا مع الذات اذ لا يختلف التدخين عن كونه انتحار بطيئا.  و اذا تقرر أن التدخين عنف مع النفس لا يعد مقبولا عدم تصنيف صناعة التبغ عنفا مع الغير مرفوضا. و اذا اخدنا في الاعتبار احصائيات منظمة الصحة العالمية و التي تفيد بان التدخين قد قتل حوالي خمسين مليون نسمة في العالم في عام 2000 و أن هذا العدد سيتضاعف بحلول عام 2030 اتضح لنا أن بعض السلوكيات التي لا نعتبرها عنفا قد تكون اكثر ضحايا و قتلى من السلوكيات التي لا نختلف في اعتبارها عنفا كالحروب.

-        يركز على العنف المادي و يغفل العنف المعنوي مع أن هذا الاخير قد يكون اشد ايلاما و اذى من الاول مما يجعل امرا غير مبرر أن يعد العنف المادي إخلالا بالسلم  بينما لا يعد العنف المعنوي إخلالا به. و العنف المعنوي قد يكون عنفا لغويا كما في حالة استخدام الفاظ مؤذية كالفاظ السب و السخرية( تناقلت وسائل الاعلام مؤخرا خبر طالبة صينية انتحرت بسبب وصف المعلم لها بالقبح)، او عنفا سلوكيا كالتمييز العنصري او عنفا فقهيا كاصدار فتاوى التكفير واهدار النفس المحرمة،  او عنفا اعلاميا كمصادرة ما ينشر او عرض/ بث ما فيه اذى بمشاعر الاخر او تعريض له لمتاعب محتملة( حالة خبير الاسلحة البريطاني)، او عنفا- لنسمه-  مضمرا او كامنا كالحسد و تمني الشر للغير و الدعاء عليه باغلظ الدعوات ( يلاحظ مثلا  أن بعض الائمة/ الخطباء في المساجد- و ربما الامر كذلك في الكنائس و البيع- يعمون بدعواتهم الغليظة ، مثل الدعاء بتجميد الدماء في العروق و الزلازل و غيرها من الكوارث الشاملة الدمار ، كل النصارى وغيرهم ، المحاربون منهم وغير المحاربين بما فيهم الاطفال. ولم اسمع  أحدا  يدعوا لهم بالهداية و الكف عن العدوان مع أن المطلوب هو كفهم عن الاعتداء علينا و أن الله الذي ندعوه قادر على أن يفعل ذلك بوسيلة رفيقة كان يهديهم أن لم يكن للاسلام فللسلم بقدر ما هو قادر على أن يفعله بوسيلة عنيفة. ترى لماذا نختار العنيفة مع أن الرفيقة يمكن أن يؤدي الغرض  وافضل لنا  لما قد يكون فيه من اجر الهداية بفضل الدعاء؟!   )

-        يعنى بالسلم بين بني البشر ويغفل السلم بين البشر و غيرهم وهو مالا يبدو مبررا ليس فقط للارتباط الواضح بينهما و انما ايضا لان ذات الاسس التي توجب السلام للبشر توجبه لغير البشر ايضا فالعنف كما يضر البشر و يؤلمهم يضر بغير البشر ويسبب الالم لمن يحس به منهم. وان كنا نعتقد أن الجمادات لا تحس، وهو اعتقاد لا نملك ادلة علمية كافية عليه، فان من الواضح أن، على الاقل، الحيوانات تحس و تتألم  للتعامل العنيف معها.

توضح الملاحظات السابقة الحاجة الى توسيع المعنى الشائع للسلم افقيا ليشمل بالاضافة الى السلم البدني  السلم المعنوي ويشمل بالاضافة الى السلم بين افراد البشر السلم بين البشر ومن/ ما حولهم من غير البشر وكذا السلم مع الله فليس من مصلحة البشر أن يحاربوا الله و يعادوه .

و بالاضافة الى توسيعه افقيا ، يتعين تطوير مفهوم السلم  راسيا او نوعيا. فمن حيث النوع، بناء علة الاساس او الدافع، يكون السلم اما سلما سلبيا و اما سلما ايجابيا. و يقوم السلم الايجابي على الاختيار الطوعي و الواعي و المؤسس على  الاقتناع بالسلم و الالتزام المبدئي بتمكينه و استدامته. و اما السلم  السلبيا فيقوم على الاضطرار الذي مرده اما العجز او  الرغبة عن الاعتداء او الانصراف عنه لسبب او اخر كالضعف او توازن القوي او الخوف على فوات مصلحة ما بالاعتداء.

و بالمعنى المشار اليه لا يعدو السلم السلبي ان يكون مجرد انتفاء للعنف المسلح/ البدني فرضته ظروف معينة كالسلم الذي تحرسه قوات حفظ السلام . و لانه يفتقر لارادة وقيم و مبادئ السلم ومقوماته بل كثيرا ما لا يخلو من إضمار اطرافه او بعضهم ارادة مناقضة للسلم تتحين الفرص وتعد العدة لانتهاكه فان السلم السلبي يكون عادة محدودا افقيا و يميل لان يكون  سلما هشا قلقا قابلا للزوال بزوال الظروف التي تفرضه او ظهور فرصة مناسبة لانتهاكه.

وفي المقابل فان السلم الايجابي يكون اوسع واشمل من مجرد انتفاء العنف المسلح/ البدني اذ انه يقوم على التزام اطرافه الطوعي ليس فقط بالامتناع عن العنف ماديا كان ام معنويا والابتعاد عن اسبابه و انما ايضا بالعزم و العمل على معالجة اسباب العنف و تجفيف منابعه و مصادره المحتملة  و الحرص على حل النزاعات بالطرق السلمية و الودية و- في نفس الوقت- السعي لتمثل قيم السلم و مبادئه وتجذير وضع السلم من خلال تعزيز مقوماته و ازالة معوقاته و مهدداته و الدفاع عنه ومقاومة اغراءات الاخلال به. و السلم الايجابي غالبا ما ينحو لان يكون- افقيا-  سلما شاملا يجمع الى السلم مع البشر السلم مع البيئة ومع الله، و يميل الى الاستمرار و الدوام.

واضح مما سبق أن السلم الامثل ليس هو السلم السلبي و انما هو السلم الايجابي. و اذا تقرر ذلك انبنى عليه أن ثقافة السلم التي يتعين علينا نشدانها و الدعوة اليها انما هي ثقافة السلم الايجابي و ليس ثقافة السلم  السلبي . و الفرق بين الثقافتين كبير جدا.

فثقافة السلم السلبي هي اقرب الى ثقافة الصراع المكبوت منها الى ثقافة السلم لانها تفتقر لقيم ومبادئ السلم بدليل أن  أصحابها عادة ما لا يلجاون للسلم الا اضطرارا و اذا ما لجأوا اليه فانهم غالبا ما يظلون يضمرون العنف و يمارسونه متى ما سنحت الفرصة او أمنوا عواقبه. و في بعدها  النظري تكون ثقافة السلم السلبي غالبا ثقافة بعدية تبريرية ضعيفة بمعنى أن السلوك العملي ( الثقافة السلوكية) هو الاصل في السلام السلبي  و هو الذي يولد الثقافة النظرية و التي تاتي  انعكاسا للسلوك العملي أي الواقع القائم و تبريرا  له و لا تمارس دورا توجيهيا للسلوك العملي و لذلك فهي بالضرورة ثقافة ضعيفة ضعف السلم السلبي المقترن بها.

اما ثقافة السلم الايجابي  و التي هي ثقافة السلم  التي يتعين أن ننشدها فيستنتج من مجمل ما تمهد عن مفهوم السلم انها منظومة من القيم و المبادئ و المفاهيم والتوجهات والمواقف و السلوكيات التي تؤسس للسلم بمعناه الاشمل والامثل  و تشكل معا مضمونه و تعمل على استثماره بما يساعد على حمايته و انمائه و استمراره. ويتضح من ذلك:

-        ان ثقافة السلم ليست مجرد ثفافة نظرية كما قد يتصور البعض و انما هي ثقافة  نظرية ( قيم و مبادئ و مفاهيم ) و ثقافة سلوكية( مواقف و مشاعر واتجاهات عملية و سلوكيات) متمازجتان و متكاملتان.

-        العلاقة بين الثقافة النظرية و الثقافة السلوكية العملية في ثقافة السلم  علاقة تبادلية تداعمية  حيث انه كما ان التفكير السلمي يعزز  السلوك السلمي فان السلوك السلمي ايضا يعزز التفكير السلمي، و تلعب الثقافة النظرية دورا توجيهيا اساسيا في تحديد و تشكيل السلوك العملي السلمي

-        ثقافة السلم، شأن أي ثقافة اخرى، ثقافة قابلة للنماء و الاستمرار  كما هي قابلة للتدهور و الاضمحلال و مع أن لكل من النماء و التراجع اسبابه وعوامله فان عوامل الانماء و الاستمرار لا تتوافر الا بتوافر جهد بشري واع  و مكثف  بينما يكفي لتوافر عوامل التدهور مجرد غفلة الانسان/ المجتمع عن اهمية السلم و العمل من اجله،  ولعل ذلك يفسر لنا ارتباط حالات تحسن السلم في المجتمعات عبر التاريخ بصعود حركات/جهود سلمية يقودها رواد ذووا عزم  وارتباط حالات اضمحلال السلم و تراجعه بتراجع او غياب مثل تلك الحركات او الجهود.

-        ثقافة السلم لا توجد كثقافة مستقلة ومنفصلة تماما عن باقي ثقافة الانسان/ المجتمع بل هي تتداخل معها و تنبث فيها و تلتحم بها و بحيث ان كل تقسيماتنا الافتراضية للثقافة يمكن أن تكون اما ثقافة سلمية و اما ثقافة غير سلمية. و على سبيل المثال فان الثقافة الدينية تكون ثقافة سلمية بقدر ما هي تكرس القيم و المبادئ الداعية للسلم مع الله و النفس و البيئة، و الثقافة التنموية تكون ثقافة سلمية بقدر كفاءتها في استثمار السلم في تحقيق تنمية تعزز مقومات السلم كالعدل الاقتصادي و التوازن الاجتماعي و رفع مستوى المعيشة، و الثقافة الجنسية تكون ثقافة سلمية بقدر اسهامها في توظيف الطاقة الجنسية لخدمة السلم وفي تامين تصريفها بعيدا عن الاساليب العنيفة كالاغتصاب، و الثقافة السياسية تكون ثقافة سلمية طالما كان تركيزها على قيم الحوار و التعايش و النهج التوفيقي  و الحلول السلمية للنزاعات.

-        مفهوم ثقافة السلم ، شأنه شأن أي مفهوم ثقافي اخر، هو نتاج للثقافة  القائمة و انعكاس لها و بالتالي فهو يتطور و يتوسع مع تطور و توسع الثقافة. و يتنافى ذلك مع أي زعم بإمكان تقديم مفهوم نهائي ثابت لثقافة السلم.

آفاق ثقافة السلم:

لعل اهم ما يرجح أن يكون له الدور الاساسي في تشكيل الافاق المستقبلية لثقافة السلم  هو الواقع الحالي لثقافة السلم و ما يعتمل في هذا الواقع من عوامل او بذور  التغيير من جهة  و عوامل الاستمرارية والجمود من جهة اخرى.

لا يخفى  أن الواقع يشهد جهودا ملحوظة لتكريس ثقافة السلم. و تشكل هذه الجهود  في مجموعها اهم عوامل او بذور التغيير المنشود. و قد تنامت هذه الجهود مؤخرا  مع تنامي  نشاطات اليونسكو و المؤسسات الثقافية الاخرى  ذات الصلة بثقافة السلم  . و يمثل هذا اللقاء و الذي تكرم مشكور بتنظيمه  كرسي بن علي لحوار الحضارات والاديان  دليلا، نعايشه الان، على تنامي الجهود الجارية لدعم ثقافة السلم  في اكثر من مكان في هذا العالم الذي هو في حاجة ماسة لها الان ربما اكثر من أي وقت مضى. ولابد من وقفة لتقييم و تقويم  الجهود المشار اليها وثمارها  تحديدا للايجابيات و السلبيات و بلورة للمعالجات و السياسات الانسب و الاكثر فعالية.

على أن ما تفضل هذه المداخلة التطرق اليه هنا بايجاز، نرجو أن لا  يكون مخلا، ليس هو المهمة المشار اليها انفا و التي تتعلق بالجهود التي تبذل لتمكين ثقافة السلم وانجازاتها،  و انما هو ما  تواجهه ثقافة السلم من اشكالات ثقافية  تمثل بعض عوامل استمرار وتكريس الواقع القائم والذي تسوده ثقافة اللاسلم و العنف و اعاقة جهود التحول الى ثقافة السلم .

و ،عموما،  يصح القول بان  كل العوامل التي تعوق السلم و تخل به تساهم لدرجة   او اخرى في اعاقة تمكين  ثقافة السلم نظرا لان  كل ما يدفع للاسلم و العنف هو مظنة تشجيع ثقافة العنف. و العوامل التي تعيق السلم و تدفع للعنف  والصراع عديدة. و قد سبق التوضيح بان من اهم تلك العوامل العامل الثقافي .

و يفيد التامل أن من اهم ما تنطوي عليه الثقافة السائدة، او العامل الثقافي، من اشكالات  تعوق ثقافة السلم :

-        شيوع ثقافة اللاسلم و العنف

-        وجود شبهات حول ثقافة السلم

 

شيوع ثقافة اللاسلم و العنف

إن  شيوع ثقافة اللاسلم والعنف  من الوضوح بحيث يكاد يغني عن استعراض مظاهره و آثاره العديدة الدالة عليه و التي تاتي في مقدمتها ما يشاهد بوضوح من نزوع الاكثرين الى تحقيق اهدافهم واشباع غرائزهم  بالقوة العنيفة، و احصاءات الحروب و حوادث الارهاب و العنف الاجتماعي، و تكاثر الجماعات المتطرفة ، و صور استخدام الموارد، و الاستعدات المستمرة  لممارسة او مواجهة العنف كتكوين الجيوش و المليشيات و التكالب على الاسلحة.

ولعل السؤال الاساسي الذي يثيره شيوع ثقافة اللاسلم  هو لماذا شاعت في  المجتمع البشري  ثقافة اللاسلم والعنف و ليس  ثقافة السلم والرفق؟

من الواضح انه اذا كان الهدف هو الحد من  ثقافة اللاسلم لتمكين ثقافة السلم اكثر  فان معالجة  السؤال السابق المعالجة السليمة تبدو امرا لابد منه لاستكمال اسباب تحقيق الهدف المذكور. و مع تاكيدنا على ان أي عمل ثقافي لا يستغني عن الجهد الفردي فان مما  لا شك فيه أن المعالجة الافضل للسؤال المذكور تتطلب جهودا جماعية منظمة تعتمد المنهج التعددي و نأمل أن تبادر الى الدعوة الى مثل تلك الجهود و التنسيق بينها منظمة اليونسكو باعتبارها المنظمة الثقافية الدولية الاوسع نطاقا و اوفر امكانات و موارد.

واذا كان لهذه المداخلة أن تشيرالى بعض النقاط التي قد يفيد التذكير بها بخصوص المعالجة المطلوبة للسؤال المذكور انفا  فانها  تذكر بـ :

-        يبدو أن الانسان/ المجتمع البشري ، وخاصة في حالته البدائية او الغافلة، اقرب الى استعجال اهدافه و لو بالنهج اللاسلمي. و ربما يعود ذلك اساسا الى التركيبة النفسية للانسان و/او العوامل البيئية. و لعل في ذلك ما يدفع الانسان/ المجتمع  لان يكون اقرب  الى ثقافة اللاسلم و العنف منه الى ثقافة السلم.

-        ان مختلف العوامل التي لها صلة بحالة الصراع و السلم لها ايضا صلة ما بالثقافة السائدة و تحديد طبيعتها السلمية او اللاسلمية . وهو ما يعني أن شيوع ثقافة اللاسلم يعود الى عوامل عديدة منها الثقافية و غير الثقافية.

-        و في اطار تركيز هذه المداخلة على الجانب الثقافي  يمكن القول بانه ربما كان من اهم العوامل الثقافية وراء  شيوع ثقافة اللاسلم والعنف  في المجتمع البشري:

 

1- توافر مصادر ثقافية لثقافة اللاسلم و العنف:

لعل الغالب في الانسان ثقافيا هو التقليد و مسايرة الثقافة السائدة و ليس ابداع او اتباع ثقافة مغايرة او خاصة وهو ما ترجحه ظاهرة  انقسام العالم الى مجموعات جغرافية تسود في كل منها ثقافة معينة يميل افراد المجموعة  الى التطبع بها واستثقال و ربما مناهضة ما سواها. ومن  هنا تكون لطبيعة المصادر الثقافية المتوافرة لدى المجموعة المعنية اهميتها في تحديد الثقافة السائدة فيها. و يلاحظ بهذا الصدد توافر او شيوع مصادر ثقافية عدة قد تختلف قوة حضور كل منها من مجموعة ثقافية  الى اخرى ولكن يجمع بينها كلها أنها  تمثل مصادر محتملة لثقافة اللاسلم و العنف في تلك المجموعات .  و تتضمن اهم تلك المصادر:

-        نصوص نافذة/ حاكمة:

الغالب في هذه النصوص انها تكون ذات طابع ديني، بغض النظر عن مدى ثبوتها للدين المعني، الا انها تتضمن ايضا نصوصا غير دينية من مثل بعض النصوص القبلية الموروثة في المجتمعات القبلية  و النصوص التي تحتكم اليها بعض الجماعات المنظمة غير الدينية. و يجمع بين سائر هذه النصوص انها تتمتع بقدر او اخر  من القدسية لدى اصحابها و، بالتالي، تمارس قدرا مماثلا من النفوذ والسلطة عليهم. و لعل اهم هذه النصوص النافذة هي النصوص الدينية اليهودية و المسيحية و الاسلامية و التي قد يفهم من بعضها- كما يذهب اليه البعض- انها تحرض او على الاقل تبرر اللجوء للعنف و لو ابتداء من اجل اهداف معينة. ومن المؤكد أن هذه النصوص لعبت دورا اساسيا في الحروب الدينية و الطائفية العديدة التي شهدها التاريخ البشري. و كانت و مازالت هناك دائما جماعات و احيانا دول تتبع هذه الديانات الثلاث تمارس 