بسم
الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد
_small.jpg)
تقرير أطروحة الباحث عبد الملك منصور المصبعي
فقه النص الديني: منظور إجتماعي
النص الديني الإسلامي أنموذجاً
سوسيولوجيا فقه النص الديني
بتونس من ق 8 هـ / 14 إلى منتصف القرن العشرين
هل استخدمنا مناهج العلوم الإنسانية وخاصة منها منهج علم
الإجتماع بتفريعاته ومدارسه المختلفة في دراسة الظاهرة الدينية في
علاقاتها بالمجتمع، وبتحولات القيم الإجتماعية والثقافية والأخلاقية
؟ هل خبرنا بعد آفاق تطبيق علم الاجتماع وعلى الأخصّ علم اجتماع
الدّين أو علم الاجتماع الديني لفهم تأثير الدين من خلال علاقته
بالواقع ... ولمعرفة أثر المذاهب الدينية المتصارعة في البنى
والهياكل الاجتماعية المنتقلة وفي ظهور التشكيلات الاجتماعية
والجماعات الفاعلة في الواقع ؟ إلى أيّ حد وفقنا في استثمار مناهج
علم الإجتماع بغية فهم أزمات الضمير الديني، وأسباب تحول بعض المذاهب
والتصورات الدينية إلى عوائق أمام التقدم والتحديث والاستقرار
الاجتماعي؟ وهل لعب الدين بما هو مجموعة من القيم والمبادئ وبما هو
ثقافة وفكر دورا في تقدم المجتمع العربي الإسلامي، وإلى أي حد يساعد
الدين على تجاوز التحديات والإشكاليات التي شهدتها المجتمعات
الإسلامية في تاريخها القديم والحديث ؟ ثم – وأخيرا – إلى أيّ حد
تكون مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية ناجعة في دراسة الدين عقيدة
وثقافة وتشريعات والدين أخلاقا وسلوكات وهل يمكن أن تدرك تلك
المقاربات التي تتوسل بأدوات علم الإجتماع والإنسان قدرا أكبر من
الموضوعية، أي هل يمكن أن نتحدث عن أحكام واستنتاجات علمية موضوعية
داخل حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية عندما يتعلق الأمر بالدين
والظواهر الدينية التي تظل في بعد من أبعادها ذات آفاق روحية وذاتية
شخصانية
*
وميتافيزيقية في جوانب أخرى ؟
تلك الأسئلة المحيّرة وما يمكن أن ينجم عنها من إجابات
ممكنة قد تكون في شكل قراءات ومقاربات ولّدت لدينا هاجس إنجاز هذا
البحث سوسيولوجيا فقه النص الديني بتونس محاولين أن نستكنه
سوسيولوجيا النص الدين في التاريخ الوسيط والحديث لهذا المجال
الجغرافي الحضاري (تونس) الذي احتضن بقوة ومنذ الفترة التأسيسية
لظهور الحضارة العربية الاسلامية أغلب المذاهب والفرق الدينية
الناشئة في الإسلام قبل أن تكون الغلبة أو الريادة للمذهب المالكي.
وقد ارتأينا أن من الوجيه أن نحدد المجال الزمني لهذا
البحث ابتداء من منتصف الفترة الحفصية ق 8 هـ / 14 م وإلى حدود منتصف
القرن العشرين وذلك لأسباب ثلاثة هي :
أوّلا
: محاولة رصد سوسيولوجيا النص الديني في تحوّلها وديناميكيتها حيث
تتشكل الأحكام والمواقف والرؤى والتصورات العقدية والفكرية المتعلقة
بمنطوق النص الديني بحسب تحول البنى الاجتماعية وظهور قضايا ورهانات
جديدة تفرض على رجل الدين الفقيه أو المفسر أو المجتهد في الدين
ضرورة النظر والتفكر وإعادة إنتاج الرؤية الدينية للعالم والإنسان
والمجتمع، هذه الرؤية التي تستند دوما إلى النص التأسيسي على نحو من
القراءة والتأويل وما يتبع ذلك من استخدام لآليات الاجتهاد والتفسير
وإلحاق ما ليس فيه حكم بما له حكم شرعي.
والنصّ الديني هنا لا يعني فحسب كتاب "القرآن" بل يشمل "السّنة "
ممثلة في مجمل الأحاديث النبوية المروية عن الرسول محمد (ص) كما
تناقلتها كتب السيرة ودوّنتها مجاميع الحديث النبوي. وقد طبع هذا
التمشّي عملنا بصبغة تاريخية سوسيولوجية لكون إدراك سوسيولوجيا النص
الديني يظل مرتهنا بالاحتكام إلى التّاريخ: تاريخ الممارسة الدّينية،
وحضور الدّين في حياة المجتمع، ودوره في إفراز القيم وتشكيل نماذج
السّلوك والأخلاق، وعلى ذلك رأينا من الوجاهة العلميّة ونجاعة المنهج
أن نبحث عن سوسيولوجيا النص الديني في التطور التاريخي والحضاري
والثقافي والرّوحي لمجتمع إفريقيّة، وآثرنا تأطير المجال الزّمني
لمحاور هذا البحث بهذه الفترة حتى ندرك طبيعة التحوّل السوسيولوجي في
بعده التاريخي وفي بعده الحضاري لكون أن هناك أنظمة سياسية ثلاثة
تعاقبت على حكم إفريقية في هذه الفترة وهي السلطة الحفصية، وسلطة
الدايات المراديين، سلطة الحسينيين من الأتراك العثمانيين، وما هذه
الأطوار في الحكم إلا أزمنة حضارية عرف فيها البناء الاجتماعي منعطفا
وتحوّلات هيكلية جديدة.
ثانيا
: إفتقار المكتبة السوسيولويجية لبحوث وتأليف تتعلق بتفهم الدين
ودراسته في تحوله التاريخي وبقراءة سوسيولوجيا الدّين في بعدها
التاريخي، فأغلب ما أنجز من بحوث ودراسات كان حول ظواهر بذاتها
سلوكيّة دينيّة أو فكريّة دينيّة.
لكنّ سوسيولوجيا الدّين في زمنيتها وأبعادها الكلية والتاريخية لم
تنجز حولها بحوث، ذلك أن أغلب الدراسات والرسائل الجامعية المنجزة في
هذا الغرض تمحورت حول إشكالية ظواهر معينة كالمؤسسة الدينية الجماعة
الدينية، الطّقوس، الرموز، والولاية الصوفية، المعتقدات الشعبية،
السلطة الرمزية لرجل الدين... أمّا بحث الظواهر الدينية في بعدها
الاجتماعي التاريخي فهو مشغل هام في تقديرنا لم ينجز بعد، مثلما أن
البحث عن سوسيولوجيا النص الديني من خلال التطوّر التاريخي للمجتمع
مهمة لم تكتمل لعلّنا نجد جوانب من ذلك في أعمال المؤرخين لكن إنجاز
بحث على النحو الذي تمت الإشارة إليه فغاية لم تتحقق بعد.
ثالثا :
تميّز تاريخ الممارسة الدينية في تونس بجملة من الخصائص تجعل منها
نموذجا حيا لتطبيق مناهج علم الإجتماع المعاصر، وسيما منها مناهج علم
الإجتماع الديني. إن تاريخ الفكر الديني في تونس هو تاريخ متحوّل
متغير بتغيّر البنى الاجتماعية وتعاقب الأنظمة السياسية والتراكمات
الحضارية ذلك أنه ومنذ استقرار المذهب المالكي بافريقية (تونس)
واشتداد عوده جنح علماؤه ورموزه إلى التأليف في قضاياه، والاجتهاد في
مسائلة وفروعه على ضوء الواقع المعاش بل إنّ من الدراسات ما توصّل
إلى أن الاكتمال والصياغة النظرية التي جعلت من المالكية مذهبا قائم
الذات تمت بإفريقيّة والمغرب في الفترة الكلاسيكية أي إلى حدود القرن
السادس للهجرة، وفي هذا المجال مثّل "فقه النوازل" أبرز مثال حيّ
لسوسيولوجيا النصّ الدّيني في البلاد التونسية، ذلك أنّ "النّازلة"
من حيث هي اصطلاح تقني فقهي محدّد المعالم تعني حدوث واقعة معيّنة أو
ظهور مشكلة في الحياة أو في المعاملات لا نص فيها ولا شبه مباشر
بينها وبين غيرها فيبادر الفقيه أو المجتهد لإيجاد الحكم الشرعي
الملائم وفق آليات وضوابط معينة وفي ضوء تراكمات علمية وثقافية
معيّنة، مع مراعاة "العرف" ذاك البعد المحوري في عملية التشريع
والإفتاء، ولا ننسى هنا أن بعض رجال الدين عدّ "العرف" أصلا من أصول
التشريع، أو مصدرا من مصادر التشريع، وهو ما يعني حتما وفقا للمنظور
السوسيولوجي الإحالة على الواقع إذ العرف لا يعدو أن يكون إلا عادات
اجتماعية وسلوكات بشرية راسخة في البنية الذهنية والنفسية للأفراد،
وقيم متعارف عليها في المعاملة. إنّ تاريخ التشريع الفقهي في الإسلام
يحتفظ لنا بأمثلة كثيرة في هذا السياق، ولعلها باتت أمثلة تأسيسية
ومنها أن الإمام الشافعي (ت 204هـ) لما نزل مصر غيّر في بعض الأحكام
الفقهية، وأعاد بلورتها بحسب حاجة الناس إلى ذلك وبحسب ما يتلاءم مع
صيرورة الحياة، لكنّه حاول في الآن ذاته الاحتكام إلى منطوق الشريعة
وعدم مناقضة ما أضحى مبدأ ثابتا من مبادئ الدين. ونحن نجد بالنسبة
إلى المثال التونسي أن الإمام ابن عرفة أحد أبرز شيوخ جامع الزيتونة
جسّم بقوّة مقولة العرف واحتكم إليها في قضايا ونوازل عديدة، ولنا في
نوازل البرزلي ( ت /841هـ) مثالا حيّا ومادة معرفية متنوعة وخصبة،
بخصوص تناول هذه الإشكالية.
مثلما أن دراسة نوازل تلك الفترة في علاقتها بالمجتمع، بالتوازي مع
دراسة الحقب التاريخية اللاحقة وفق الأدوات المنهجية والنظرية لعلم
الإجتماع يكشف حتما عن سوسيولوجيا النّص الدّيني أي عن الأنماط
والصيّغ التي تنّزل في سياقها العمل بالنص الديني، وقراءة مضمونه إذ
تتبين الكيفية التي خلّفتها أطوار المجتمع وأنماط العيش وحياته في
الفقه وفي قراءة النص وتأويله ذلك أنّه لئن ظلّ النّص الدّيني
(القرآن والسنة) ثابتا في مادته ولغته فإنّ فعل القراءة وآليات
التأويل وما تبعها من تنزيل في الواقع ظل متحوّلا متغيّرا بتحوّل
المجتمع وتغيّر بناه، هذا التحول الذي يشمل كذلك جانب العقيد وفهم
النص في بعده النظري الميتافيزيقي. وهو ما يعني أننا حاولنا إنجاز
مقاربة سوسيولوجية لفقه الدّين بحثا عن المتغيّرات الممكنة في
علاقتها بالسياق الاجتماعي الذي ينتجها إذ نظرنا في سوسيولوجيا فقه
النّص الدّيني من خلال سياق تطوّري تعاقبي مع مجانبة الرؤية
المعيارية لفقه الدين بحثا عن معالم نظرة سوسيولوجية تصل الفكر
الديني بواقعه الحي المتطوّر.
وهنا يبدو عملنا شبيها بالدرس الخلدوني إذ كان تأسيس ابن خلدون للعلم
الجديد (علم العمران البشري) سبقا غير مقصود البتة ذلك أنه كان يروم
–فحسب– إنجاز قراءة موضوعية للتاريخ فإذا به يكتشف علما جديدا لا
يعدو فيه التاريخ أن يكون سوى منهج لموضوع هو العمران البشري
والاجتماعي الإنساني.
هكذا إذن كان بحثنا هذا مهمّة شاقة ومغامرة محفوفة بالمخاطر ويتمثل
ذلك في أمور خمسة:
1- قلّة البحوث والدرّاسات المنجزة في هذا المجال، وندرة التّمارين
التطبيقية في ما يتصل بمفاهيم علم الاجتماع وأدواته المطبّقة على
مثل هذه الإشكاليات مثلما تبيّن لنا أنه من الضروري الإلمام
بالمدوّنة التاريخيّة وبأبرز التحوّلات التي عرفها مجتمع إفريقية في
ظل تعاقب الأنظمة السياسية والسلط الحاكمة.
2- قلة المصادر التي تهتم بدراسة بنية المجتمع في تحوّلاته
التاريخيّة، وهم ما جعلنا نحاول ذلك من خلال كتب التاريخ والإخبار
والأخبار والتراجم.
3- اتساع مجال المادة العلمية المعرفية الممكن استخدامها في هذا
البحث إذا جاءت مشتتة بين كتب الفقه والتفسير والأدب والتاريخ وتراجم
الأعلام ووثائق الأرشيف وهو ما دفع بنا إلى الاطلاع على عدد هائل من
المصادر والمراجع لم نثبت منها في قائمة الفهارس إلا ما بدت الحاجة
ضرورية لإثباته والتنصيص عليه.
4- صعوبة نقل معاني الاصطلاحات والمفاهيم الفقهية والعلمية الدينية
التقليدية إلى حقل العلوم الإنسانية المعاصرة بما يجعلها تؤدي
مدلولات ووظائف تتماشى مع طبيعة السياق المعرفي الذي نروم إنجازه وهو
سوسيولوجيا الأفكار الدينية من خلال بحث التطوّر الحاصل في آليات
التشريع وطريقة التعامل مع قضايا الاجتهاد الفقهي وقراءة النص في ضوء
الواقع الاجتماعي والسياسي المتحول.
5- ضرورة تجاوز المدلول الضيّق لمصطلح فقه، وهو المدلول المستقى من
المعنى اللغوي الشرعي الذي يعرفّ "الفقيه" على أنّه العالم بأحكام
الشريعة والمتمكّن من طرق استنباط الأحكام من أدلّتها ومظانّها، أمّا
الفقه فهو مجموع الأحكام والتشريعات التي يتوصل إليها الفقيه بعد
النظر في نصوص الشريعة، لقد راهنا على معنى أوسع يتعلق بكل اجتهاد في
الدّين وأركانه سواء في ما يتعلّق بالمعتقدات والغيبيات أو ما اتّصل
بالطقوس والعبادات وما ارتبط بالمعاملات والفتاوى وهي أكثر المجالات
اهتماما من قبل فقها الإسلام. لكن نحن أردنا أن نجعل من صدور تلك
الأحكام والفتاوى مادة نقرأ في ضوئها طبيعة التحويلات الاجتماعية،
ولننظر من خلالها في أثر الواقع الاجتماعي في ظهور الأحكام والفتاوى
وتغيرها في الآن نفسه، وهكذا جعلنا من المدوّنة المعرفية ممثلة في
أحكام الفقهاء وأقوال علماء الدين مادة تكون بمثابة الكتلة
الاجتماعية المحرّكة للتاريخ والمنتجة لنوع ما من العلاقات
الاجتماعية والقيم الأخلاقية.
هكذا إذن نكون قد جاوزنا أو ألّفنا على صعيد المنهج النظري المستخدم
بين الطرح الخلدوني لعلم العمران البشري في علاقته بالتاريخ وبين
المناهج الحديثة وفي مقدمتها سوسيولوجيا ماكس فيبر التي كانت رائدة
في إرساء سوسيولوجيا الدّين على ضوء التطوّر الاقتصادي والتحوّل
الاجتماعي ، وقد بسط معالم هذه النظرية في مؤلفه المعروف "الأخلاق
البروتستانتية وروح الرأسمالية" وغيره من علماء الاجتماع ابتداء من
دوركايم وأوغست كونت وصولا إلى بورديو وأصحاب تيّار لتجديد في مجال
علم الاجتماع والعلوم الإنسانية على نحو أعمّ، ذلك أننا احتجنا كثيرا
في إنجاز هذا العمل إلى مفاهيم الانثربولوجيا وأدواتها حتى نفهم
طبيعة التطور الاجتماعي للفرد في هذه الفضاء الجغرافي الحضاري من
خلال بحث طبيعة العلاقة بين الفرد / الإنسان / المجتمع والثقافة التي
تنتجها النخبة العالمة (الفقهاء، العلماء، المصلحون) وهي ثقافة في
الغالب ذات مرجعية دينية، وتستند إلى الدين (القرآن، السنة، أقول
السلف) لتبرير استنتاجاتها وأهدافها، إنّ ثقافة المجتمع الوسيط
ومجتمع عصر النهضة ثقافة ذات هويّة دينيّة لكنها تسعى في معظمها أن
تكون متوافقة مع حركة التاريخ ونسق التطور الاجتماعي، وهو ما يجعلها
أحيانا ذات صبغة دنيوية أو يحركها الدنيوي أكثر من الدّيني أو
المقدّس، وهذا يعني أن الواقع الاجتماعي يتحكّم في عمل العقل الديني
وآلياته ويوجّه طبيعة الاجتهادات الفقهية والشرعية، من خلال آليات
مثل التشريع، والاجتهاد والفتوى، إنّ الفترة الوسيطة أي إلى حدود
أواخر القرن العاشر للهجرة (16م) كان الهاجس الأساسي المسيطر فيها
على عمل العقل الديني هو التشريع لأنماط الحياة اليومية لنظام العيش
للنوازل المستجدة في مجال الأحوال الشخصية ربما يتوافق مع روح
الشريعة ومنطوقها أو يؤسس لأنماط تديّن مناقضة لتديّن الفقهاء، في
هذا المجال اتخذنا من إشكاليات التصوف والانتماء إلى الطرق الصوفية
والاعتقاد في بركة الأولياء وكراماتهم وطبيعة المنهج الذي اعتمده
فقهاء المالكية لتخليص الشريعة من التصوف ومنازع التروحن أو لاحتواء
التصوّف وإذابته داخل أحكام الشريعة كما سطّرها الفقهاء وعلى الأخص
منهم فقهاء المالكية موضوعا محوريّا، مثلما وقفنا عند طبيعة نظر
الفقهاء في حملات الأعراب وانتفاضاتهم على السلطة وعلى أهل الحضر وقد
تم تناول ذلك ضمن ما اصطلح عليه ب:الحرابة" وأحكام "الحرابة" وهو ما
يندرج ضمن أبواب الفقه الكلاسيكي تحت اسم "البغي السياسي" مثلما
تتبعنا نسق حركة الإفتاء والتشريع بدءا من القرن السابع عشر ومع
استقرار الجالية التركية العثمانية في تونس وتدعّم أركان المذهب
الحنفي الذي صار المذهب الرسمي للدّولة وأصبح علماؤه وفقهاؤه أصحاب
منزلة اجتماعية ودينية في مجتمع افريقية بعد أن كان المذهب المالكي
هو مذهب الجماعة ومذهب المجتمع والدّولة، كما كان لتعقد القضايا
الاجتماعية وتأزم الأوضاع في مجتمع متحوّل يخضع باستمرار لتأثيرات
خارجية (أطماع حملات عسكرية، قرصنة) الدور البارز المؤثر في حركية
عمل العقل الديني في افريقية، وفي تكييف طبيعة الأحكام والاجتهادات
الفقهية، التي حاولت السلطة تكييفها بطريقة غير مباشرة لفائدتها.
وقد بلغت حركة سوسيولوجيا النص الديني ذروتها إبان صدمة الحداثة التي
عرفها الشرق العربي على إثر حملة نابليون بونابرت على مصر سنة 1798
وبدء حركة الاستعمار الأوروبي للآيالات العثمانية حيث وجدت النخبة
الإصلاحية والنخبة التنويرية من رجال الفقه والدّين أنفسها أمام
ضرورة البحث عن مخارج من مآزق التخلّف والجهل والاستبداد ولما تأكد
أن القوم "سبقونا إلى الحضارة والتقدّم وبيننا وبينهم بون شاسع" بحسب
عبارة ابن أبي الضياف ت 1874، تأكدّت الحاجة إلى الاقتباس عن التمدن
الأوروبي بحسب اصطلاح رواد النهضة ومن ثمّ ظهرت الحاجة إلى إصلاح
مؤسسة التعليم الديني، وتغيير عمل العقل والرّهان على آليات الاجتهاد
باتجاه بناء تصورات جديدة تضمن للمجتمع تقدّمه وللأفراد حريّتهم.
هكذا إذن نشأت تلك التساؤلات المحيرة التي أمسى البعض منها عناوين
لكتب من ذلك :"لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم ؟ لشكيب أرسلان إذ
مثلت "صدمة الحداثة" عاملا أيقظ الوعي العربي من الغفلة ومن تناسى
حركة التاريخ، ومطلب التقدّم.
لقد تصور المسلمون بعد انتشار الإسلام مشرقا ومغربا وازدهار الحضارة
العربية، وإبداعهم في حركة العلوم والفنون أنهم – وهم أصحاب الرسالة
الدينية الخاتمة - سيظلّون متربعين على عرش التاريخ وفي طليعة الأمم
والحضارات، وهكذا لما استفاقوا من غفوتهم، ووجدوا الأمم الأوروبية قد
صارت تقود ركاب الحضارة فكانت صدمتهم كبيرة، فعادوا ينبشون في إرثهم
الفكري وفي دينهم في معارف أسلافهم عن السبيل إلى التقدم، وممّا عمق
حيرتهم وأزمّ كيانهم هو أنهم حملة "الرسالة الخاتمة أي الإسلام" .
ومن هنا كان علينا تتبع منعطفات اشتغال العقل الديني على المنظومة
الفقهية الدينية وتكيفها مع تحولات المجتمع ومع الحاجة الجديدة
للإصلاح وللتطوّر وهو ما استغرق الكم الأكبر من مجال بحثنا هذا.
وانطلاقا من هذا فنحن أمام نصوص ووثائق واجتهادات وفتاوى ومعارك
فكرية دينية من ناحية ومدونة نظرية لمناهج علم اجتماع الثقافة والدين
من ناحية أخرى. وهذا من شأنه أن يطبع عملنا هذا بطابع تجريبي فهو
كالمغامرة التي يكون الخطأ فيها جائزا مثلما أن تحصيل النتائج الهامة
ضمنها وارد، إن هذا البحث بمثابة التمرين الذي لم ينجز في الحقيقة
لأول مرة وإنما أنجزت جوانب وعناصر منه من ذي قبل، ونحن في هذه
الرسالة نسعى إلى بناء معالم تصور متكامل الأجزاء والقضايا حول
منعطفات سوسيولوجيا النص الديني كما عرفها المجتمع التونسي على
امتداد قرون خمسة.
وهكذا جنحنا إلى إنجاز هذه الرسالة وفقا للبناء النظري الآتي :
# تخصيص الفصل التمهيدي للكلام عن طبيعة الأفق النظري
والمنطلقات المعرفية التي اعتمدتها في إنجاز هذا العمل وهي حتما
مناهج علم الإجتماع وعلم اجتماع الثقافة وعلم اجتماع المعرفة وعلم
اجتماع الديني ونظرنا في علاقة هذه الأنماط من العلوم الاجتماعية
بشجرة العلوم الإنسانية وعلى الأخص على التاريخ وعلم الانتربولوجيا
أولا للتداخل العضوي بين هذه العلوم وتبادلها للوظائف النظرية
والمنهجية فيما بينها. وثانيا لكون علم الإجتماع نشا في أحضان علم
التاريخ من ناحية والفلسفة من ناحية أخرى قبل أن يصبح علما مستقلا
بذاته مع دوركايم وكونت. وقد اجتهدنا في تحديد المنطلق النظري الذي
سنعالج في ضوئه إشكالية العلاقة بين النص الديني والواقع وبين فقه
النص الديني وسوسيولوجيا التحول المجتمعي بالنسبة إلى مجتمع افريقية
في الفترة الزمنية التي حددنا أعلاه، وختمنا هذا الفصل ببيان طبيعة
المدونة التي سنشغل عليها وسنتخذ من نصوصها ووثائقها مادة أولية
لإنجاز لبنات هذه المقاربة التي نروم أن تكون عملا علميا يقوم على
استخدام مناهج العلوم الإنسانية وفي مقدمتها علم الإجتماع لفهم
سوسولوجيا فقه النص كما عرفها مجتمع افريقية في الفترة الحديثة
والمعاصرة، وهو ما دفعنا إلى محاولة ضبط هذا المفهوم.
# وقد خصصنا الباب الأول من هذه الأطروحة لدراسة مظاهر
سوسولوجيا النص الديني في العهد الحفصي لكن بدا لنا من الضروري أن
نتحدث عن حياة المجتمع وطبيعة موارده الاقتصادية وأنظمة المعاش فيه
وبنية حياته الذهنية والثقافية التي فرضت أنماط معينة في التعامل مع
النصوص الدينية (القرآن والسنة) وتكييف آليات قراءتها وفهمها فبدا
لنا أن فقه النص الديني بما هو اجتهاد وتشريع وفتوى وتفسير متحولا
كان متجددا متغيرا يتغير أوضاع الحياة الاجتماعية يهتزّ لاهتزازاتها
وينعطف لمنعطفاتها، فما له صلة بحياة الناس اليومية وأنمطة معاشهم
وعلاقتهم بالسلطة وببعضهم البعض كان محل تغير باستمرار، وقد رصدنا
أوجه التباين والتضاد أحيانا بين فتاوى فقهاء البادية وفتاوى فقهاء
المدينة وقد كان ذلك التباين بارزا في ما ارتبط بالنظر في قضايا
حملات الأعراب والحرابة وأثر الهجرات الأندلسية على نظام البناء
الاجتماعي للدولة الحفصية في تلك القرون مثلما رصدنا معالم الانزياح
الذي حصل في ما يتعلق بالفتاوى المتعلقة بالمعتقد نفسه وبطقوسه أدائه
وتمثيله فبدا ذلك بينا في الفتاوى والمواقف المتعلقة بالتصوف
والاعتقاد في شركة الأولياء والميل إلى إيثار الحياة الروحية الصوفية
عوضا عن الامتثال إلى أحكام الفقهاء وتشريعاتهم المتشددة.
# أما الباب الثاني من هذا العمل فقد خصص للبحث في
أوجه منعطفات سوسيولوجيا النص الديني في الفترة المرادية والحقب
الأولى من الحكم الحسيني للبلاد التونسي الذي ابتدأ سنه 1705 م إن
تلك الحقب عرفت تحولات عميقة وتغيرات جذرية بخصوص علاقة الفقه
بالواقع والشريعة بالمجتمع، فهبوب رياح التجديد وظهور المذهب الحنفي
بافريقية (تونس) مذهبا رسميا للدولة بإزاء المذهب المالكي وميل دولة
المخزن المرادي إلى الهيمنة على المجتمع والاستئثار بالثروات وإخماد
الانتفاضات جعل الفقه والتشريع يتخذان مسارات جديدة بخصوص النوازل
والوقائع الاجتماعية، وهكذا دفع هذا الواقع الجديد بالفقهاء إلى أن
يأخذوا مواقع والوقائع الاجتماعية، وهكذا دفع هذا الواقع الجديد
الفقهاء إلى أن يأخذوا مواقع ومهام جديدة تتحدد بموجبها وظائفهم في
المجتمع فلم تعد مهمة الإفتاء (الانتماء) بشأن النوازل أو الوقائع
المستجدة والإجابة عن أسئلة عموم المكلفين وإنما صار واجب عليه
الانخراط في معركة البناء الاجتماعي والإصلاح إصلاح المجتمع، إصلاح
شؤون الراعي والرعية، فتم التحول من التشريع إلى الاجتهاد ومن
الاجتهاد إلى الإصلاح حيث تكون مهمة رجل الدين التفكير في أسباب
التخلف والجمود وبيان مسالك التمدن وطرائق التقدم والحث عليها
باعتبارها من الواجبات الشرعية مثلما كان على الفقيه إضفاء الشرعية
على ما يتم اقتباسه أو ما بدت الحاجة ضرورية لاقتباسه من ثقافة الآخر
الأوروبي وحضارته المتقدمة هكذا كانت هذه المشاغل وتلك المهام تتكامل
وتتلاقى أحيانا مع هواجس الأمراء والبايات الحسينيين وطبيعة
استراتيجيتهم.
# أما الباب الثالث والأخير الذي أنجزناه في فصول
أربعة كان هو الآخر محورا للنظر في وجه آخر من وجوه سوسيولوجيا النص
الديني بالبلاد التونسية في الفترة، المعاصرة استنادا إلى مقولة
المصلحة باعتبارها مقولة مركزية في التفكير الديني المعاصر وذلك من
خلال علاقتها بالاجتهاد وبفكرة المصلحة الشرعية، ذلك أن كل ما جاءت
به الشريعة، يقدم على أنه في خدمة الإنسان وضمان صلاحه وفلاحه، فلذلك
ظهرت مقوله المقاصد فجر القرن العشرين لتكون منطقا تدرس في ضوئه
قضايا المجتمع والدين ووضع العقيدة وإشكاليات الدخيل، والأصيل، ولعل
طبيعة الواقع الاجتماعي المهزوز زمن الفترة الاستعمارية وما رافق ذلك
من تأثير كبير لرياح الحداثة والتمدن جعل مسارات الفكر الديني في
افريقية مثلما هو الشأن في باقي البلاد العربية تشتغل في أكثر من
إتجاه. لقد طرح أمر تجديد الفكر ونقد العقلية الدينية بهدف التجديد
العميق للفكر في علاقته بمكتسبات الحداثة وتجلى ذلك مع عبد العزيز
الثعالبي (ت 1944) ثم مع الطاهر الحداد (ت 1935)، وظهرت الحاجة إلى
إصلاح التعليم الزيتوني إصلاحا جذريا، وهو ما يعني الرغبة في إصلاح
وضع المؤسسة الدينية وعلاقتها بتطور المعرفة الإنسانية وبالتالي
بالمجتمع والثقافة، وفي السياق ذاته بانت لنا الحاجة إلى تفكيك طبيعة
الفتاوى الدينية والتشريعات الفقهية المنجزة في النصف الأول للقرن
العشرين لنبين أولا علاقتها بمقولة المصلحة في ضوء مفهوم المقصد
الشرعي ولنبين ثانيا مدى صلتها بالتطلع إلى تجديد الفكر الديني بتونس
وهو مشغل عرفته كل البلاد العربية والإسلامية آنذاك، وانشغلت به
النخب الإصلاحية وبالتالي أمكن لنا أن نعرف طبيعة العلاقة التي ربط
نسق حركة الفكر الديني وعلى الأخص فقه النص الديني بحياة المجتمع
وإشكالات القضايا والملابسات المتجددة فيه.
وإني لأشكر شكرا جزيلا أستاذي المشرف الذي أعطى الكثير من وقته وغزير
علمه لهذا البحث الأستاذ الدكتور العالم الفاضل عبد الوهاب بوحديبة
متّعه الله بالصحة ووفقه أحسن توفيق.
والســلام عليـكم
*-
هنا نشير إلى مؤلف الفيلسوف المغربي محمد عزيز الحبابي،
الشخصانية الإسلامية، منشورات دار المعارف.
للإطلاع على صور
ذات علاقة بالمناسبة، الرجاء
الضغط
هنا.
للإطلاع على
السيرة الذاتية للدكتور، الرجاء