مما يلتقي عنده التنمية و التعليم: قدرات الانسان. فالتعليم تنمية
لقدرات الانسان والتنمية استثمار لذات لقدرات. و يتعاضد و يتداعم
تنمية قدرات الانسان و استثمارها بحيث ان من شأن تنمية قدرات الانسان
تعظيم استثمارها كما ان من شأن استثمار قدرات الانسان ان يعود ايجابا
على تنمية قدرات الانسان. و لذلك فان العلاقة بين التنمية والتعليم
ليست فقط علاقة وثيقة و انما هي ايضا علاقة تبادلية بل هي، في بعض
أوجهها و مستوياتها، علاقة شرطية. فالتعليم شرط لتحقيق التنمية
بمفهومها الاصطلاحي الشمولي كما ان كون التعليم لا يتحقق الا بتنمية
قدرات الانسان يعني ان تنمية قدرات الانسان شرط لتحقيق التعليم. و
لابد لكي يتداعم التعليم و التنمية من ربطهما مع بعضهما في علاقة
تبادلية ايجابية، و بقدر تحسين و إنماء هذه العلاقة نحو وضعها
المثالي يزداد تداعم التعليم و التنمية و تتعاظم استفادتهما من
بعضهما. و مع ذلك فان العلاقة بين التنمية و التعليم ليس بالضرورة،
كما قد يبدو للوهلة الأولى، علاقة ايجابية او طردية. فالتعليم المختل
ليس فقط قد لا ينتج تنمية و انما قد يصبح عائقا لها كما ان التنمية
المختلة قد تعود سلبا على التعليم.
و اذا كانت التنمية هي - بلحاظ هدفها- تغيير للأحسن، فليس من المتوقع
ان يتمكن التعليم من الاسهام بفعالية في عملية التنمية حتى يصبح هو
أداة تغيير للأحسن أي حتى يكون تعليما تنمويا. والتعليم لا يكون
تنمويا تلقائيا او بالضرورة و انما قد يكون تنمويا او غير تنموي بناء
على تنموية او لا- تنموية أهدافه و مضامينه و مناهجه ، بل لا تكتمل
للتعليم اسباب تنمويته حتى تتوافر له المعلم الكفؤ و الادارة
الفعالة و الموارد الكافية و البيئة المناسبة ليس فقط في المدرسة و
البيت و انما خارجهما ايضا. و هنالك اسباب و أوجه عدة لان يكون بعض
او كل ذلك على غير النحو المطلوب لتحقيق تنموية التعليم. وقد تكون
بعض تلك الاسباب ضرورات او صعوبات طبيعية لم يتعمد خلقها بشر و ان
كانت بعضها نتيجة غير مقصودة لبعض اعمالهم، بيد ان من الاسباب ما
يعود الى تعمد البعض، في اطار الصراع على التعليم بين مختلف قوى
المجتمع، الى مناهضة او عرقلة تنموية التعليم لغرض او آخر مثل
محاولة تفادي ما قد يمثله التعليم التنموي من تهديد لبعض مصالحهم او
قيمهم ولو على المدى البعيد.
و لأن التنمية تتعدد مقوماتها و مدخلاتها بقدر شموليتها، فان المُدخل
التعليمي و ان كان شرطا أساسيا الا انه ليس شرطا كافيا لإحداث
التنمية الشاملة و استدامتها. و لذلك فان التعليم، وان تحقق له قدر
من التنموية في بيئة غير تنموية، تظل قدرته على إطلاق تنمية شاملة في
غياب المقومات و المُدخلات الأخرى قدرة محدودة و، ربما، معدومة
تماما احيانا.
التعليم و التنمية في العالم الإسلامي: العلاقة المختلة
على مستوى الواقع، لا تكاد علاقة التنمية – التعليم تخلوا من أبعاد
ايجابية و اخرى سلبية، ولذلك فان وصفها بالايجابية او السلبية يظل
دائما وصفا نسبيا. ومع الأخذ بذلك في الاعتبار، يلاحظ انه بينما تقوم
بين التعليم و التنمية لدى احد طرفي هذا الحوار( اليابان) علاقة
تداعمية ايجابية فان هذه العلاقة ما زالت لدى الطرف الآخر ( العالم
الاسلامي)، مع استثناءات محدودة، علاقة مختلة و، ربما، سلبية احيانا.
و لذلك اسباب و عوامل محلية و خارجية متعددة يمكن إجمال أهمها في:
البيئة غير المواتية
تعود العلاقة المختلة / السلبية بين التعليم و التنمية في العالم
الاسلامي، لدرجة كبيرة، الى ما يسود العالم الاسلامي او تكتنفه من
بيئة، محلية و دولية، تعج بالكثير مما لا يساعد و لا يشجع على
التنمية. و تتعدد أوجه و طرق تأثير هذه البيئة غير المواتية تماما
على التعليم و التنمية و علاقتهما ببعضهما في العالم الاسلامي. و تضم
هذه– على سبيل المثال فقط- من البيئة الدولية النظام الاقتصادي
الدولي غير المتوازن و التدخلات الخارجية التي تعرقل، و أحيانا –
خاصة عندما تكون مسلحة- تدمر، الانجازات التنموية و العملية
التعليمية( العراق كأحدث مثال لذلك)، و من البيئة المحلية المناخ غير
المشجع على الاستثمار الاجنبي و اختلال العلاقة بين النمو السكاني و
النمو الاقتصادي.
على ان ما قد يهم هنا اكثر- لاتصاله المباشر بموضوع هذه المداخلة- هو
اوجه تأثير البيئة السلبي على أي من التنمية او التعليم من خلال
التأثير على الآخر أي تاثير البيئة السلبي على علاقة التعليم –
التنمية. و، من هذا المنظور، لا يخفى ما للبيئة في العالم الاسلامي
من تأثير سلبي على النسبة المتدنية للالتحاق بالتعليم و على النسبة
المرتفعة للتسرب او عدم مواصلة الدراسة و على متوسط الاستيعاب
العلمي المتواضع للطلاب في العالم الاسلامي. و لعل التأثير البيئي
الاكثر إضرارا بالتنمية و التعليم في العالم الاسلامي تأثير البيئة
السلبي على مخرجات التعليم من الكفاءات العلمية و المهنية خصوصا من
خلال التأثير السلبي على قدرة او رغبة تلك المخرجات على، او في،
العطاء التنموي و العلمي على الاقل داخل العالم الاسلامي او في
بيئته. فالبيئة في العالم الاسلامي تنطوي على كثير من المكونات و
العوامل المعيقة للتنمية منها، كالثقافات و القيم غير التنموية و
السياسات و القوانين غير التنموية ، ما يشكل،على التوالي، قيودا
ذاتية معنوية و قيودا خارجية على العطاء التنموي والعلمي من خلال
إضعاف القدرة/ الرغبة؛ و منها، كاستنفاد تأمين ضرورات المعيشة لمعظم
الوقت و الجهد، ما يشغل المخرجات عن العطاء التنموي و الابداع
العلمي؛ ومنها، كضعف العائد المادي و خاصة مقارنة بعائد نشاطات اقل
جهدا واقل و- أحيانا- عديمة الفائدة التنموية، ما يرغّب عن الحرص على
العطاء التنموي و الاجتهاد العلمي.
و كثيرا ما تدفع تلك العوامل الكثير من الموارد البشرية و خاصة
المؤهلة علميا في العالم الاسلامي الى هجر اوطانها او مهنها،و التي
تأهلت فيها و لها لها اكاديميا، الى مهن اخرى و دول اخرى خارج العالم
الاسلامي على نحو كرس ما يعرف بظاهرة نزيف العقول و التي يعاني منها
العالم الاسلامي. و مع تزايد الهجرة الواسعة لمخرجات التعليم في
العالم الاسلامي الى خارجه على نحو فاقم من ندرة الكفاءت داخل
العالم الاسلامي يبدو العالم الاسلامي و كأنما قد جند ليس فقط نظمه
و مؤسساته التعليمية وانما ايضا جزءا مقدرا من موارده المالية
الشحيحة لرفد ليس العالم الاسلامي و انما – على نحو غريب- العالم
الأكثر نموا و خاصة الغربي بمتطلبات التنمية من الكفاءات العلمية و
المهنية!.
و من الواضح ان كل ما تقدم له تأثير سلبي ليس على التنمية فقط و لا
على التعليم فقط في العالم الاسلامي و انما على كل منهما مباشرة او
من خلال الآخر .
و بالإضافة الى الاسباب البيئية، لإختلال التعليم و
التنمية و العلاقة بينهما في العالم الاسلامي اسباب أخرى مباشرة تكمن
في نفس وضع/عملية التعليم و وضع/ عملية التنمية في العالم الاسلامي.
التنمية المختلة
تعاني التنمية في العالم الاسلامي، اضافة الى التأثير
البيئي السلبي، من اختلالات و مشكلات عدة تتعلق بعملية التنمية
نفسها سواء على مستوى الرؤية الكلية/العامة أوعلى مستوى التخطيط. و
مما قد يذكر هنا في ما يتعلق بالمستوى الاول انه، مثلا، اضافة الى
الافتقار للشمولية الكافية و الوضوح الكافي تصطدم الرؤية العامة
للتنمية في العالم الاسلامي بتوجهات متناقضة كثيرا ما يتجاوز الصراع
بين اطرافها حد التبادل السلمي للرأي و الرأي الآخر في ظل الاحتكام
للأكثرية الى سعي تلك الاطراف الى اعاقة الجهود التنموية لبعضها
البعض مما يضعف الحصيلة التنموية لمجمل الجهود. و لعل أكثر ما يكون
التناقض المسبب للصراع الضار بالتنمية حول عنصرين يفرضان نفسهما
باستمرار على الرؤية العامة للتنمية في العالم الاسلامي و هما دور
الاسلام و الموقف من التجربة التنموية الغربية و الذيْن يبلغ تباين
الاتجاهات والاراء التقليدية منهما في العالم الاسلامي حد التناقض.
و على مستوى التخطيط يلاحظ – مثلا- ضعف البعد الشوري والمشاركة
القاعدية مما حد من اسهام القاعدة التنظيري و أضعف حماسها لتنفيذ
الخطط، و ضعف البعد التكاملي الاسلامي مما أفقد التنمية في العالم
الاسلامي ميزات التكامل، و الافتقار للتوازن الجغرافي/ المناطقي على
المستوى القطري مما شجع في بعض الحالات قيام تمردات مناطقية اعاقت
حركة التنمية في بعض الاقطار الاسلامية.
ضعف الكفاءة التنموية للتعليم
و إن كان للتعليم في العالم الاسلامي بعض المؤشرات التي
تشهد له ببعض الكفاءة، مثل العطاء العلمي المشهود لبعض مخرجاته التي
هاجرت الى بيئة افضل و بعض النجاحات التنموية و خاصة في بعض اقطار
العالم الاسلامي، الا ان من الواضح ان مستوى الكفاءة التنموية
للتعليم في العالم الاسلامي عموما اقل سواء مما ينبغي او مقارنة
بنظيره لدى الطرف الاخر في هذا الحوار( اليابان). و تتعدد اسباب ذلك،
فإضافة الى الاسباب و العوامل البيئية المشار اليها آنفا هناك اسباب
تعليمية أي تتعلق بالعملية التعليمية نفسها. و لعل من اهم الاسباب
التعليمية افتقار النظام التعليمي للنهج الإبداعي و محفزات
الابتكار لقيامه اساسا على نهج مركزية المعلم في الفصل و اعتماد
التلقين و الحفظ ، والافتقار للتخطيط التعليمي الامثل و الكفيل بربط
الخطط التعليمية بالخطط التنموية و ربط جميع هذه الخطط بمجمل
احتياجات الفرد المجتمع و بالتركيز على تشجيع الابتكار في تعبئة
الموارد المالية ، و ضعف الجانب التطبيقي و العملي في دراسة العلوم
المهنية و التطبيقية، و انطواء بعض المقررات الدراسية على مضامين و
مفاهيم لا تشجع التوجه التنموي، و ذلك بالإضافة الى ضعف أداء
المعلمين - العنصر الأساسي في العملية التعليمية لأسباب عدة و كذا
مشكلتي محدودية الاستيعاب و ارتفاع تكلفة الدراسة مقارنة بالدخول و
اللتين تسهمان في إبقاء نسبة ممن هم في سن الدراسة خارج المؤسسات
التعليمية و هو ما يسهم بدوره في ابقاء نسبة الأمية في العالم
الإسلامي مرتفعة.
و في ضوء كل ذلك يبدو وكأن التعليم في العالم الاسلامي لم يصبح بعد
تماما أداة تغيير و قد لا يكون خطأ ما قد يراود البعض من شعور بان
التعليم ربما يساء توظيفه كأداة صراع ، على الأقل في بعض الاقطار
الاسلامية، للابقاء على وضع راهن غير موات لا للتعليم و لا للتنمية
حفاظا على مصالح بعض القوى السياسية او غير السياسية المهيمنة. و مما
قد يكرس مثل ذلك الشعور الجدل القائم حول بعض المسائل التعليمية مثل
مناهج التعليم غير الرسمي، و حظر او السماح بتدريس بعض المواد او
المفاهيم، و - و إن ما زال خافتا- علمانية او دينية التعليم. ولا
يخفى ان كل ذلك انما هي بعض مظاهر و تجليات الصراع المحتدم على
التعليم في العالم الاسلامي بين أطراف مختلفة محلية و اخرى دولية.
التعليم و التنمية في العالم الاسلامي: الإصلاح
من الواضح ان مجمل ما سبق يستدعي على نحو ملح المسارعة
الى إصلاح النظام التعليمي والعملية التنموية والعلاقة بينهما و كذا
البيئة ذات الصلة و هو ما يجعل المرء يشعر انه ليس في إمكانه الا ان
يبارك ما تشهده الساحة اليوم من دعوات محلية و خارجية للإصلاح و ان
كان يُخشى- اولا- ان لا تكون هذه الدعوات سوى وجه آخر من أوجه الصراع
المحلي و الدولي على التعليم في العالم الاسلامي أو – ثانيا- ان
تقعد غلبة الطابع السياسي على دوافع تلك الدعوات بعملية الإصلاح عن
ان يكون اصلاحا موضوعيا شاملا.
ومن المأمول فيه أن يساهم مثل هذا المنتدى/ الحوار في تيسير استفادة
العالم الإسلامي،مع مراعاة اختلاف الظروف، من التجربة اليابانية
الناجحة في هذا المجال. وقد يكون من المفيد ان ينظر هذا الحوار في
إمكانية تشجيع قيام فعالية او فاعلية خاصة بذلك.
التنوع الثقافي و دور الإعلام الجماهيري
الثقافة و الإعلام، بمفهوميهما الاصطلاحيين، يتشابهان، بل لعلهما
متحدان، خطابا: إذ أن كلاهما يخاطبان الانسان و يتنافسان على عقله و
قلبه؛ و يستخدمان ذات رموز الخطاب ، كلمة كانت او صورة او إشارة؛ و
يتشاركان وسائل الخطاب، سمعية كانت او بصرية. و مع انهما ايضا
يتقاطعان مجالا لينتجا ثقافة اعلامية و اعلاما ثقافيا إلا انهما –
مع ذلك- متمايزان مفهوما و متباينان مضمونا و مختلفان طبيعة و من هنا
فإنهما يتداعمان على نحو و يتسالبان – يتبادلان التأثير السلبي- على
نحو اخر.
الدور الثقافي للإعلام:
في إطار العلاقة العامة المشار اليها آنفا، يمارس
الاعلام دورا ثقافيا كبيرا ليس فقط من خلال ما يقدمه من مادة ثقافية
خاصة و انما ايضا من خلال مختلف مواده و برامجه. و لان حتى المواد
الإخبارية و الإعلانية و الرياضية لا تخلو تماما من انعكاسات او
إفرازات ثقافية يصح القول انه ما من سياسة او خطة اعلامية، و كيفما
كانت أهدافها و مضامينها، إلا و لها انعكاسات و آثار او ابعاد
ثقافية. و هذا الدور الثقافي للإعلام تتشارك في تكوينه مختلف و سائل
الاتصال و الاعلام، بيد ان أقوى تلك الوسائل دورا و سائل الاتصال
الجماهيري و التي تضاعف دورها مؤخرا لأسباب يتصدرها التطور المذهل في
تقنية و فنون تلك الوسائل و التراجع الملحوظ في الدور الثقافي
للمصادر و المؤسسات التقليدية للثقافة مثل الأسرة و المدرسة و
المؤسسات الدينية و الاطلاع الذاتي.
اثر الاعلام الجماهيري على التنوع الثقافي
مع تزايد دورها الثقافي العام تزايد ايضا تأثير وسائل
الاتصال الجماهيري على التنوع الثقافي خاصة. و مع ان هذا التأثير،
بطبيعة الحال، منه ما هو ايجابي و ما هو سلبي فان ما يعتقد على نطاق
واسع بان التنوع الثقافي يشهد حاليا انحسارا و تراجعا ملحوظين يجعل
من التأثير السلبي المحتمل لوسائل الاتصال الجماهيري اكثر إثارة
للقلق مما قد يثيره تأثيرها الايجابي المحتمل من تفاؤل.
و تتعدد أوجه التأثير السلبي للاعلام الجماهيري على
التنوع الثقافي، بيد انه يمكن رد الكثير من تلك الأوجه الى عاملين
اساسيين هما الطبيعة الاقصائية للإعلام الجماهيري و اختلال المضمون
الثقافي للاعلام الجماهيري.
الطبيعة الاقصائية:
بينما يبدو ان الاعلام الجماهيري قد أصبح، او في طريقه لان يصبح،
المصدر الثقافي الاساسي، وربما الوحيد أحيانا، لقطاع واسع من الجمهور
فان من غير العسير ملاحظة ان هذا الاعلام ذو طبيعة اقصائية لا يخلو
منها تماما مضمونه او دوره الثقافي و هي- أي الطبيعة الاقصائية- ما
تجعل الدور الثقافي للاعلام الجماهيري غير منسجم دائما او كليا مع
مقتضيات إقرار و تشجيع التنوع الثقافي. و يمارس الاعلام هذا – إن صح
القول-الإقصاء الثقافي من خلال طريقتين تكملان بعضهما و هما:
إقصاء او حجب ثقافات عن الجمهور:
يميل الاعلام الجماهيرى الى التركيز على تداول او عرض ثقافات
محددة على نحو يفضي الى حجب و اقصاء الثقافات الاخرى او بعض اجزائها
او مكوناتها عن التداول الاعلامي و هو ما يسهم ليس فقط في اضعاف
انتشار تلك الثقافات المحرومة و انما ايضا في الحد من تداولها حتى
بين اصحابها و هو ما يؤدي الى اضعاف حضورها في ذاكرتهم. وواقعيا،
بينما هناك ثقافات/ لغات تحظى بوسائل اتصال جماهيري خاصة واسعة
التغطية او الانتشار مما يؤمن لها أقدارا مختلفة من التداول الاعلامي
و الحضور الحي، هناك ثقافات/ لغات أخرى اما محرومة تماما من أي وسائل
اتصال جماهيري تؤمن تداولها او تملك بعض وسائل الاتصال الجماهيري
المحدودة التغطية و المحدودة القدرة على جذب حتى جماهير ثقافاتها.
إقصاء الجمهور عن ثقافات:
يلاحظ ان الاعلام الجماهيري و خاصة الاليكتروني يحرص،
مستعينا بمقدراته على الجذب، على الانفراد بأوسع قطاع ممكن من
الجمهور و على مدار الزمن و بحيث يمنع او يقلل لأقصى درجة ممكنة من
تعرض جمهوره لأي اعلام آخر او لأي مصدر ثقافي آخر كالأسرة و المدرسة
و المؤسسات التعليمية الدينية و الكتاب و ...الخ. بل ان كل مؤسسة
إعلام جماهيري تحلم و، ربما، تهدف الى الانفراد بكل الجمهور دون حتى
مؤسسات الاعلام الجماهيري الأخرى. و من الواضح انه بقدر نجاحه في
الانفراد بالجمهور ينجح الاعلام الجماهيري في الانفراد بهم ثقافيا و
حصرهم في تلك الثقافات المحدودة المحظوظة بامتلاك او الوصول الى
وسائل الاتصال الجماهيري. و لأن- خاصة في المجتمعات المتعددة
الثقافات و اللغات - ليس كل ثقافات كل الاسر و المؤسسات التعليمية
الدينية و الجماعات اللغوية تحظى بذات الاقدار من التغطية الاعلامية،
فانه بقدر ما يتمكن الاعلام الجمهوري من تقليل تعرض جمهوره للتواصل
مع- مثلا- اسرهم او بعض مؤسساتهم التعليمية يتمكن من اقصاء ذلك
الجمهور عن ما لا حظ لها في الاعلام من ثقافات تلك الاسر و
المؤسسات. و بقدر ما تتمكن مؤسسات الاعلام الجماهيري الدولية من
اقصاء مؤسسات الاعلام الجماهيري المحلية عن الجمهور تتمكن من اقصاء
الجمهور عن ثقافاتهم المحلية.
و مع انه قد يكون لإقصاء ثقافات عن الجمهور او إقصاء الجمهور عن
ثقافات أسباب او ضرورات عملية احيانا يتعذر تفاديها فان ذلك لا يقدح
في حقيقة انه ايا كانت اسباب الاقصاء و كيفما كانت طريقة الاقصاء
تبقى النتيجة هي انه بهذا الاقصاء يعمق الاعلام الجماهيري ويوسع
كثيرا الاختلال في توازن فرص مختلف الثقافات في التعبير عن نفسها و
في الوصول الى الناس و بالتالي في فرص نموها و استمراريتها و هو ما
لا يخلو- على المدى البعيد- من تأثير سلبي على التنوع الثقافي.
اختلال المضمون الثقافي للإعلام الجماهيري:
لعل من ابرز اوجه اختلال المضمون الثقافي للاعلام الجماهيري، من
منظور التنوع الثقافي، ما يلاحظ من انه في كثير من الحالات يعكس
المضمون الثقافي للاعلام الجماهيري موقفا او توجها سلبيا من التنوع
الثقافي. و تتفاوت هذه السلبية سوءا بين مستوى الافتقار لخطة او
سياسة ثقافية واضحة تدعم و تعزز التنوع الثقافي و مستوى احتواء ذلك
المضمون عداء واضحا، قد يكون عفويا او مخططا له، للثقافات الأخرى او
بعضها.
و من الواضح ان جل، حتى لا نقول كل، مؤسسات الاعلام الجماهيري تفتقر
الى خطط و برامج فعالة لدعم التنوع الثقافي. و قد يكون ذلك راجعا الى
نوع او آخر من الانحياز، الواعي او غير الواعي، والرسمي او غير
الرسمي، لثقافة او اخرى و لكنه قد يعود ايضا الى مجرد الفقر الثقافي
عموما و ضعف الوعي باهمية التنوع الثقافي خصوصا لدى الكثير من
الاعلاميين خاصة وانه يبدو ان اهتمام برامج إعدادهم بالشأن الثقافي
محدود.
و لعل من الامثلة الصارخة على توظيف اجهزة الاعلام الجماهيري للعداء
و التشويش الثقافيين ما كان يتضمنه المضمون الثقافي للاعلام
الجماهيري للكتلتين الشرقية و الغربية ايام الحرب الباردة بينهما من
عداء و تشويش واضحين لثقافة الآخر. و ما زالت بعض الثقافات تشكو من
توظيف ثقافات اخرى لاعلامها الجماهيري لتشويهها و السخرية من بعض
مضامينها و رموزها و هو ما يتنافى مع احترام التنوع الثقافي.
ترشيد علاقة الاعلام الجماهيري بالتنوع الثقافي
في ضوء ما تقدم من حديث اشار فقط الى الجانب الايجابي و
تركز، لسبب بيّنه، على الجانب السلبي يمكن القول ان مما يتطلبه ترشيد
علاقة الاعلام الجماهيري- التنوع الثقافي:
-
اعادة النظر في مفهوم التنوع الثقافي و تحديد الموقف الأمثل تجاهه
من بين مجمل المواقف المحتملة.
-
معالجة التحديات التي يثيرها الاعلام الجماهيري للتنوع الثقافي و، في
نفس الوقت، دراسة، و تعظيم الاستفادة من، الفرص التي يتيحها الاعلام
الجماهيري لدعم التنوع الثقافي.
-
نشر الوعي بأهمية التنوع الثقافي ودور الاعلام الجماهيري تجاهه لدى
الموجهين للاعلام الجماهيري و في اوساط الاعلاميين و التأكيد على
المكون الثقافي في برامج اعدادهم.
ومن غير ان يكون المعني التقليل من الاثر السلبي للاعلام الجماهيري
على التنوع الثقافي يمكن القول انه لا ينبغي ابدا التهويل من الاثر
السلبي للاعلام الجماهيري على التنوع الثقافي إذ ليس- بغض النظر عن
ما ينطوي عليه الاعلام الجماهيري من فرص كبيرة لدعم التنوع
الثقافي- من المرجح ان يزول التنوع الثقافي تماما بسبب الدور
السلبي للاعلام الجماهيري او لغيره من العوامل لسبب بسيط هو انه ليس
من مؤشر حقيقي على ان الناس قد تكف عن الاختلاف، والذي هو اساس
التنوع، ما استمر وجودهم على هذه البسيطة، ولعل ذلك مما يفيده أيضا
القرآن الكريم ( سورة هود) : " و لا يزالون مختلفين" و"ولذلك
خلقهم".